.

ما الذي يجعل الفيلم الوثائقي فعّالاً؟ نظرة تحليلية من “عمان…

دستور نيوز14 يوليو 2024
ما الذي يجعل الفيلم الوثائقي فعّالاً؟ نظرة تحليلية من “عمان…

ألدستور

تحظى الأفلام الوثائقية بشعبية كبيرة، وهذه الأفلام ليست إعلامية وتعليمية فحسب، بل إنها توفر أيضًا تجربة مقنعة وغامرة تشرك الجمهور على مستوى عاطفي وفكري عميق. تستمد الأفلام الوثائقية أهميتها من قدرتها على تثقيف المشاهدين حول مواضيع مختلفة، من خلال خلق تأثير عاطفي. من خلال الجمع بين السرد الواقعي والعناصر الفنية، يمكن لهذا الرنين العاطفي إثارة العاطفة، مما يجعل القضايا المقدمة أكثر صلة وإلحاحًا. يلعب اختيار الشخصيات وقدرتها على تقديم شهادات حية موثوقة دورًا رئيسيًا في إثارة الفضول في الكشف عن الحقيقة، والتي قد تكون في بعض الأحيان مبنية على افتراض وإمكانية كونها غير صادقة، وهو أحد أنواع الإستراتيجية التي تهتم بتحفيز المشاهد وحتى كشف الحقائق، خاصة تلك التي لا يوجد لها سوى مصدر واحد للمعلومات. ولأن أساس الأفلام الوثائقية هو التكوين الفني والبصري كشكل من أشكال التعبير الفني، فهي قادرة على تحويل وتغيير وجهات النظر من خلال تكوينها البصري وموسيقاها. شهدت الدورة الخامسة من مهرجان عمان السينمائي الدولي أول عرض لأفلام وثائقية متنوعة بأشكال مختلفة تكشف عن مواضيع شخصية وتاريخية واجتماعية، ولكل منها هويتها الخاصة، ولكن ما الذي يجعل الفيلم الوثائقي مؤثراً؟ أنواع الأفلام الوثائقية تنقسم الأفلام الوثائقية إلى ستة أنواع: الوثائقي الشعري، الذي يركز على التجارب والصور الجمالية التي لا تحددها شخصية أو سرد، ويعتمد أكثر على الصور لنقل شعور معين للمشاهد. الوثائقي الاستكشافي، وهو الشكل التقليدي لهذا النوع من السينما باستخدام الراوي لتوجيه الجمهور عبر الموضوع، وغالبًا ما يتضمن مقابلات ولقطات أرشيفية ونصًا على الشاشة لدعم السرد. الوثائقي الرصدي، الذي لا يتدخل فيه المخرج بشكل كبير؛ حيث يصبح مراقبًا من خلال كاميرته ويصور بحرية جميع عناصر فيلمه وشخصياته، تاركًا مساحة للمشاهد والجمهور للوصول إلى استنتاجاتهم الخاصة، وهو ما يُعرف عادةً باسم الذبابة على الحائط. في الأفلام الوثائقية التشاركية، يتفاعل المخرج بشكل نشط مع الموضوع، وغالبًا ما يظهر أمام الكاميرا ويتفاعل مع الأشخاص الذين يتم تصويرهم، ويمكنه المشاركة بطريقة بسيطة باستخدام صوته فقط، وطرح الأسئلة أو القيام بإيماءات من خلف الكاميرا. في الأفلام التأملية، لا توجد مساحة للاكتشاف خارج موضوع الفيلم، بل إنها ضرورية لصنع فيلم وثائقي والعلاقة بين المخرج وجمهوره. في الأفلام الوثائقية الأدائية، يحمل المخرج فيلمه مع تجربته الشخصية وتتداخل تفسيراته للحقيقة، حيث يبحث عن حقائق ذاتية في التاريخ والسياسة وأحيانًا مجموعات من الناس. “حلوة يا أرضي” للمخرجة سارين هايربيديانفاز فيلم المخرجة الأردنية الأرمنية سارين بجوائز في ثلاث فئات مختلفة في مهرجان عمان السينمائي، بما في ذلك جائزة لجنة التحكيم وجائزة الجمهور وجائزة الاتحاد الدولي لنقاد السينما. “حلوة يا أرضي” هو فيلم وثائقي يندرج تحت فئة الأفلام الوثائقية الرصدية، ويهدف هذا النوع من الأفلام الوثائقية إلى مراقبة مواضيعه بأقل تدخل، مما يسمح للمشاهدين بمشاهدة الأحداث أثناء تطورها بشكل طبيعي. يتتبع الفيلم حياة فريج البالغ من العمر 11 عامًا، وهو صبي أرمني يعيش في منطقة آرتساخ التي مزقتها الحرب، ويقدم صورة مؤثرة لرحلته إلى مرحلة البلوغ وسط مخاوف الحياة والحرب. في عام 2023، أُجبر ما يقدر بنحو 117 مليون شخص على الفرار من منازلهم، وفقًا للأمم المتحدة، بما في ذلك 47 مليون طفل وشاب دون سن 18 عامًا. يعيش العديد من هؤلاء الأطفال والمراهقين مع الصدمة المستمرة للحرب والصراع والإبادة الجماعية والقمع، مع القليل من الدعم النفسي أو بدونه. ليس لديهم منزل واضح أو، في بعض الحالات، يُجبرون على القتال من أجل جزء صغير من أراضي أجدادهم التي يعتزون بها. جمهورية آرتساخ هي واحدة من تلك الأماكن التي لا يملك فيها الأطفال خيارًا سوى القتال من أجل منازلهم. بالنسبة لفريج، الصبي البالغ من العمر 11 عامًا في قلب الفيلم الوثائقي العاطفي “أرضي الحلوة”، فإن المنزل هو المكان الذي يعيش فيه مع والديه وأجداده وإخوته وأصدقائه. الوطن هو آرتساخ، أرضي الحلوة. يحلم فريج بأن يصبح طبيب أسنان وهو يتجول في قريته ويلعب مع أصدقائه ويتحدث إلى الخبازين المحليين ويدعم إخوته. لكن الحرب لم تكن بعيدة عن ذهن هذا الصبي البالغ من العمر أحد عشر عامًا، وهو يعلم بالفعل أن حلمه في طب الأسنان عرضة للتغيير. عاشت عائلة فريج حربًا مستمرة لأكثر من ثلاثة أجيال، والصدمة التي خلفتها كل صراع وكل شاب قُتل وكل قطعة أرض ضاعت مكتوبة على وجه كل طفل وأب وجد. في آرتساخ، يتعرض الأمن والحرية للتهديد باستمرار، وتتحطم أحلام فريج بمعرفته أنه قد يضطر إلى الدفاع عن منزله في المستقبل. حتى غرفة مدرسته تعكس الحاجة إلى إعداد أطفال آرتساخ للحرب. تصبح المخرجة هايرابديان جزءًا من العائلة بكاميرتها، وتلتقط الحياة العائلية على مدى عدة سنوات، حيث يفر فريج وعائلته من منزلهم بسبب الصراع قبل أن يعودوا مؤقتًا فقط ليجدوا أن المزيد من أرضهم قد ضاعت. كاميرتها هي مذكرات تمكن الأسرة من التحدث بصراحة وصدق عن آمالها ومخاوفها والصدمة بين الأجيال التي تطاردهم. ومع نمو فريج من طفل إلى مراهق، أصبح أيضًا أكثر راحة في التعبير عن أعمق مشاعره. في نهاية الفيلم، يسأل وهو ينظر مباشرة إلى الكاميرا، “هل لهذا الفيلم نهاية سعيدة أم نهاية مأساوية يموت فيها البطل؟” إخفاء صدام حسين لهيلجا مصطفى في هذا النوع من الأفلام الوثائقية، يجد المشاهد نفسه ممزقًا بين تصديق أو عدم تصديق الشخصية الرئيسية، التي هي الوحيدة التي تعرف كل شيء. تجمع هيلجا مصطفى بين عناصر الاعتراف المباشر للكاميرا وإعادة تمثيل المشاهد واللقطات الأرشيفية من خلال مزج السرد الواقعي بالترفيه الدرامي. يروي فيلم إخفاء صدام حسين القصة المؤثرة لكيفية قيام المزارع العراقي علاء نامق بإخفاء صدام حسين لمدة 235 يومًا، وتصويره على الهواء مباشرة والسماح له بسرد القصة كاملة. تضيف هذه الشخصية المركزية عنصرًا شخصيًا وإنسانيًا عميقًا إلى القصة. في الفيلم يذكر علاء نامق الذي استضاف الرئيس العراقي السابق صدام حسين أنه لم يكن يعلم في ذلك الوقت عن الفظائع مثل القتل الجماعي للأكراد أو المسلمين الشيعة، لكنه الآن يعلم ولم يغير رأيه بشأن ضيفه السابق. وتتشابك شهادته المؤثرة في صدقها وواقعيتها مع إعادة تمثيل مشاهد رئيسية من ذلك الوقت، فضلاً عن لقطات أرشيفية تتتبع مطاردة حسين. وتوفر هذه التركيبة خلفية تاريخية ولكنها تخلق أيضاً مسافة بينه وبين بطل الرواية، الذي يشكل وجوده وثيقة تاريخية توثق حدثاً مهماً، في حين يقدم لنا المخرج المعلومات على شكل لقطات متقطعة، وكأنه يحمي بطله من أي هجوم محتمل. ومن الصعب تحديد وجهة نظره، لأنه يتجنب اتخاذ موقف سياسي محدد. ومع ذلك، فإن النهاية نفسها تترك المشاهد في حيرة: بعد انتشار أنباء عن مكافأة 25 مليون دولار لمن يقدم معلومات عن صدام حسين، تداهم القوات الأميركية المزرعة، ويُسجن نامق في سجن أبو غريب لمدة 7 أشهر قبل إطلاق سراحه. “من أخبر عن مكانه؟” الفيلم لا يتناول فقط حدثاً تاريخياً مهماً، بل يغوص أيضاً في الاضطراب العاطفي والمعضلات الأخلاقية التي يواجهها البطل والتساؤلات حول قصته أو تصديقها؟ “ق” للمخرجة جود شهاب “ق” فيلم وثائقي يحمل بعداً سردياً شخصياً عن الإيمان والعلاقات العائلية. من خلاله تكشف المخرجة اللبنانية شهاب أسرار علاقة والدتها بجماعة القبيسيات الدينية في لبنان دون التطرق إليها بشكل مباشر، باحثة عن إجابات من خلال شخصية فيلمها الأم “هبة”. تركز شهاب على موضوع السرية في الجماعة وعائلتها طوال الفيلم، فتتنقل بين القصائد والحياة اليومية والأحاديث التي تدور في منزله، وسط تبادل الأسرار بشكل أكبر مع شعور هبة ووالدتها بالراحة أمام الكاميرا. كما توجد لحظات بين هبة وزوجها تكشف أفكارهما الحقيقية حول ماضي هبة مع الجماعة، وهو ما يكشف بشكل مثير للاهتمام عن ارتباط كبير بين أفراد الأسرة على الرغم من انغلاقهم على حياتهم الخاصة عندما يتعلق الأمر بالدين. إن الصورة الحميمة التي تصورها شهاب تدعونا إلى تقييم تأثير طرد “الأم” من المجموعة على حياتها، حيث أصبحت أكثر انفتاحًا على مشاركة المزيد عن مشاعرها وتجاربها. تقدم جود شهاب فيلمًا وثائقيًا شخصيًا وحميميًا يتعمق في موضوعات الإيمان والأسرة والهوية. إنه استكشاف تأملي ومثير للعلاقة بين المخرجة ووالدتها والنظام الديني الأمومي السري، القبيسيات، الذي تدعمه والدتها. تستخدم شهاب شهادات حية، وإن كانت من جانب الأسرة، مع إزالة القبيسيات تمامًا من الصورة، وتجمع بين القصص الشخصية والسياقات الثقافية والدينية الأوسع في سرد ​​مقنع وموسع ودقيق وجذاب عاطفيًا في محاولة لإشراك المشاهد وإيجاد إجابات لأسئلتها الخاصة. تتمتع الأفلام الوثائقية بالقدرة على تثقيف وإلهام والتواصل مع الجماهير على المستوى الشخصي، وبغض النظر عن قضاياها، فإن الأفلام الوثائقية لا تصل إلى المشاهدين فحسب، بل لديها أيضًا القدرة على التأثير عاطفيًا بعمق ورواية قصص حقيقية بأسلوب سينمائي.

ما الذي يجعل الفيلم الوثائقي فعّالاً؟ نظرة تحليلية من “عمان…

– الدستور نيوز

.