ألدستور

عمان – لقد علمتنا الهجرة النبوية المباركة دروساً عميقة في الثبات والإرادة والتخطيط والتوكل على الله والوحدة والأمل، فهي تجسيد حي لروح الإيمان واليقين والتوكل والإصرار والتحدي والتوكل على الله، تغرس في النفس طاقة إيجابية تساعدها على مواجهة الصعاب وتجاوز الأزمات والعقبات وتحويلها إلى مواهب وبركات، وتستكشف كل المواهب والطاقات التي حبا الله بها الإنسان، فكانت مثالاً رائعاً لتحقيق الأهداف والطموحات. أضف إعلاناً إن الهجرة النبوية المباركة تظهر أهمية التخطيط والاستعداد لمواجهة الصعوبات، فقد خطط النبي لهجرته بعناية، واختار الوقت المناسب والطريق الأنسب، واتخذ الاحتياطات اللازمة لضمان النجاح. إن الهجرة النبوية المباركة تغرس في النفس رسالة الثقة بالله والاعتماد عليه، فرغم كل المخاطر والتحديات، كان النبي محمد صلى الله عليه وسلم واثقاً من أن الله سينصره ويهديه. وهذه الثقة تنبع من إيمان عميق بأن الله لا يضيع أجر المحسنين، وأن مع العسر يسرا. وكانت الهجرة النبوية المباركة بداية عهد جديد للإسلام والمسلمين، حيث تمكنوا من بناء مجتمع قوي قائم على العدل والإيمان، ونشر رسالة الإسلام، ووقف الظلم والعدوان. وهذا يعلمنا أن الأمل والتفاؤل هما مفتاح التغلب على الأزمات والمضي قدما نحو مستقبل أفضل. وقال أمين عام دائرة الإفتاء العام الدكتور زيد إبراهيم الكيلاني لوكالة الأنباء الأردنية (بترا): “إن الهجرة النبوية المباركة هي رحلة لبناء أمة انتقلت من الضعف إلى القوة، ومن الخوف إلى الأمن، ومن التشتت إلى الوحدة. إنها رحلة لبناء أمة اختارها الله تعالى لتغيير مجرى التاريخ، بقيادة أعظم قائد في التاريخ وأفضل نبي في الوجود، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم”. وأوضح الكيلاني أن الهجرة النبوية الشريفة هي إعلان ميلاد أمة قوية منيعة تقود العالم في سنوات قليلة بسواعد رجال أخلصوا لله تعالى وشمروا عن سواعدهم لبناء وطنهم وتحقيق أمجاده، وقد أدرك الصحابة رضوان الله عليهم هذه المعاني العظيمة لرحلة الهجرة الشريفة فكانت بداية تاريخهم لكل أحداث الأمة، وبهذه المعاني السامية علمتنا الهجرة الشريفة أن نثق بوعد الله تعالى لعباده الصادقين المخلصين، وأن الله تعالى سيتم نوره ويحقق وعده، وهي بشرى لأهلنا في فلسطين أن نتيجة صبرهم وثباتهم هي النصر بإذن الله تعالى، فهي رحلة خروج من أجل العودة، ولكنها عودة الفاتحين المحررين المنصورين، والهجرة هي موعظة لنا للحفاظ على قوة ومناعة أردننا، والوقوف صفاً واحداً في وجه أي خطر يتهدده. ويرشدنا الرسول صلى الله عليه وسلم إلى أن من أهم أهداف الهجرة بناء أمة قوية ودولة مؤسسات، وأن بناء الأمة القوية يبدأ ببناء مؤسسات فعّالة تحقق تطلعات الأمة، وتستشرف مستقبلها، وتلبي طموحات أبنائها. فعند وصوله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة بنى المسجد الذي ركّز على بناء أركان الإيمان، وصياغة الهوية الدينية، والتعليم، والإعلام، والقضاء، والشورى، والرأي، والحكم.. بنى المسجد ليحتوي على هذه المؤسسات الفعّالة التي تنظم المجتمع وترسّخ قيمه التي تنهض بأهدافه، حسب الكيلاني. وأوضح أننا نتعلم من هجرة الرسول المباركة أن من أركان الأمة القوية، والأوطان المنيعة، والدول المتينة أن يكون لها اقتصاد قوي مستقل؛ حتى يكون هذا الاستقلال حصناً منيعاً ضد أي تدخل في الإرادة السياسية أو الهوية الثقافية من قبل أعدائها؛ لذلك كان من أول أعمال الرسول صلى الله عليه وسلم إنشاء سوق مستقل للمسلمين لكسر احتكار اليهود للسوق والمال. كما عملوا على ضبط الجانب الاقتصادي لبث الفتنة والكراهية بين شرائح المجتمع لتمكين وجودهم، وأضاف أن الرسول صلى الله عليه وسلم وضع الوثيقة التي تمثل في المصطلح المعاصر دستوراً يوضح حقوق وواجبات الدولة والأفراد في الحماية والصيانة ويوضح معاني المواطنة وضرورة سيادة القانون، وقد خلد الله تعالى واقعة الأخوة في القرآن الكريم لتبقى شاهدة على هذا الأساس المهم من أسس الحضارة الإنسانية، سائلاً الله تعالى أن يكون هذا العام الهجري الجديد عام خير وبركة على وطننا المبارك، وعلى عميد آل البيت الشريف جلالة الملك الهاشمي عبدالله الثاني حفظه الله ورعاه. وقال رئيس إدارة العلاقات العامة بوزارة الأوقاف الدكتور أحمد النادي: “في ظل العديد من الأحداث التاريخية الإسلامية تبرز الهجرة النبوية نموذجاً فريداً يحمل في طياته العديد من الدروس والعبر، ومن بين هذه الدروس يظهر البعد الاتصالي بوضوح كعامل رئيسي في نجاح هذا الحدث العظيم، فالهجرة لم تكن مجرد انتقال جغرافي من مكة إلى المدينة، بل كانت عملية اتصال استراتيجية تعكس التخطيط الدقيق والإدارة الفعالة من قبل النبي محمد صلى الله عليه وسلم”. وأوضح النادي أن “النبي محمد صلى الله عليه وسلم أدرك منذ البداية أن نجاح الهجرة يتطلب خطة اتصال مدروسة جيداً، فمكة مليئة بالمخاطر والتحديات، وكان النبي وأصحابه بحاجة إلى التنسيق والتواصل الفعال لضمان وصولهم بسلام إلى المدينة، وبدأ التخطيط بسرية تامة، حيث لم يكن يعلم بخطة الهجرة سوى عدد قليل من الأشخاص الموثوق بهم، مما قلل من احتمال تسرب المعلومات إلى قريش”. وأوضح أن العلاقات الاجتماعية لعبت دوراً حيوياً في نجاح الهجرة، حيث اعتمد الرسول -صلى الله عليه وسلم- على علاقاته الوثيقة بأصحابه وأهل بيته في تنفيذ هجرته الشريفة، وكان لأبي بكر الصديق -رضي الله عنه- دور بارز في هذه العملية، حيث رافق الرسول في الهجرة، وأعد البعيرتين وتحمل تكاليف الرحلة، وكان لعلي بن أبي طالب دور مهم في التضحية بنفسه للنوم في فراش الرسول لتضليل قريش. كما كان التواصل الفعال أثناء رحلة الهجرة أمراً بالغ الأهمية، فقد سلك الرسول (صلى الله عليه وسلم) وأبو بكر طرقاً غير تقليدية لتجنب ملاحقة قريش لهما، واستخدما تقنيات الاتصال المتاحة آنذاك للتنسيق مع بعض الأنصار في المدينة المنورة. كما استعان الرسول بخبير في إرشاد الطرق الصحراوية، وهو عبد الله بن أريقط، لضمان سلامة الرحلة. وأشار إلى أن استقبال النبي محمد صلى الله عليه وسلم في المدينة المنورة كان مثالاً آخر على البعد الاتصالي للهجرة، حيث تم التنسيق مع الأنصار من قبيلتي الأوس والخزرج لضمان استقبال حار يعكس الوحدة والترحيب، وقد أسس هذا الاستقبال القوي قاعدة شعبية ودعماً اجتماعياً قوياً للنبي وأصحابه، مما ساهم في بناء مجتمع متماسك وقوي. وركز النادي على أهمية التخطيط الاتصالي في الخطوات الدقيقة التي اتبعها النبي في الهجرة، ووضع خطط اتصال مسبقة لأي حدث محتمل. ويمكننا أن نستنتج من الهجرة بعداً اتصالياً مثل ضرورة الحفاظ على سرية المعلومات الحساسة لحماية الخطط من الفشل، بالإضافة إلى البعد الاجتماعي الذي يتطلب بناء شبكات اجتماعية قوية وموثوقة لتحقيق الأهداف، والتواصل الفعال والسريع يضمن النجاح في الأوقات الحرجة، واستخدام التواصل لبناء دعم اجتماعي قوي يعزز فرص النجاح، ويوفر رؤى قيمة لتطبيقها في حياتنا اليومية، وفي إدارة الأزمات والمشاريع الكبرى. وقال رئيس قسم أصول الدين في الجامعة الأردنية الدكتور علاء الدين محمد أحمد عدوي: “إن هجرة النبي -صلى الله عليه وسلم- من مكة إلى المدينة قصة انتصار عظيم يقرأها الفرد، فيأخذ منها العبرة، ويستخلص منها منهجاً نبوياً رحيماً يتغلب من خلاله المسلم على التحديات، ويزيل العقبات والعوائق، وتشرق معها شمس الأمل بأن المصائب والصعوبات يعقبها الإيمان والصبر والعمل، والفرج والنور الذي ينير حياة المسلم كلها، ويحول المحن إلى نعم، ويزرع الإيمان والصبر في نفوس المسلمين”. وأضاف عدوي: “لقد هاجر النبي -صلى الله عليه وسلم- من أحب البلاد إليه لأنه واجه الاضطهاد والظلم والرفض من أهل مكة، ولما واجهه من المشقة والأذى من أجل إيصال رسالة الرحمة للعالمين، وكانت الهجرة بسبب قبول أهل المدينة وإيمانهم برسالة الإسلام. “هاجر، وهاجر المسلمون معه، قلوبهم مملوءة بالإيمان، وألسنتهم مملوءة بالدعاء بأن يحفظ الله الإسلام وأهله، وأن ينعم الناس بالهداية والإيمان بنجاتهم، وقد ضرب المسلمون في هجرة النبي صلى الله عليه وسلم المثل في الإيمان والقوة والصبر والثقة بوعد الله عز وجل”. وأشار إلى أن هذه الرحلة لم تكن سهلة، بل كان طريقها مليئاً بالخوف والخطر والسعي والمطاردة، وقد صدقه الصديق -رضي الله عنه- فيها وعنوانها: “لا تحزن إن الله معنا”، وفيها الحث على اتخاذ التدابير اللازمة والرضا بقضاء الله تعالى، والتوكل عليه، والحرص على حفظ إيمان العباد وهداهم، وفيها الحفاظ على ما يأتيهم به الإسلام من خير الدنيا والآخرة. وأكد أن الهجرة تمثل معنى قوله تعالى: (إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا) الشرح: الآية 6، وأن الشدائد والمصاعب اختبار من الله لقوة إيمان العبد واختبار له، وأنها من سنن الله في الكون والحياة، وما فيها من بذل وعطاء وتضحية دليل صدق وحب للدين، وأشار إلى أن الهجرة تحمل في أحداثها معاني الأخوة والصدق مع الله ورسوله؛ فالنصرة والأخوة والترحيب والوحدة والقوة والتأييد الذي قدمه الأنصار للمهاجرين بكل أشكاله من الأمثلة النادرة في التاريخ، فقد جعلها الله -عز وجل- مثالاً يُضرب به المثل لما فيها من معاني عملية تطبيقية واقعية للوقوف مع إخوة الإيمان في أوقات الشدة، وذلك لأن شريعة البلاء باقية في هذه الأمة، ويتعامل معها المؤمن بيقين راسخ وإيمان لا يتزعزع بنصر الله لعباده المؤمنين ووقوفه معهم. وفي محبة الصحابة -صلى الله عليه وسلم- له، وتأييدهم له ومعاونتهم له، وصدقهم معه في رحلة الهجرة، من أروع وأسمى الأمثلة على إيمانهم العظيم بوعد الله ونصرته للحق وفرجه القريب بعد كل عسر. (بترا)
دروس في الصمود والإرادة والمثابرة والتغلب على الصعوبات و…
– الدستور نيوز