.

وليد دقة.. بين الحياة والولادة..

دستور نيوز17 أبريل 2024
وليد دقة.. بين الحياة والولادة..

ألدستور

“نحن جزء من التاريخ، والتاريخ كما هو معروف هو حالة وفعل ماضٍ انتهى، ولكننا ماضٍ مستمر لا ينتهي… نخاطبكم منه في الحاضر حتى يكون لا يصبح مستقبلك.” اضافة اعلان الشهيد الاسير وليد دقة. عام 1986، اعتقل الرفيق وليد دقة بعد اختطاف واغتيال الجندي موشيه تمام. وحكم عليه وقتها بالإعدام، ثم تم تحويل الحكم إلى السجن 37 عاما. وفي عام 2018، تم إضافة عامين آخرين إلى العقوبة بعد اكتشاف تورطه في تهريب الهواتف المحمولة للسجناء داخل السجن. المقالات والشروحات عن حياة وليد وعمله النضالي لا تنتهي، لكن يبقى السؤال: كيف يمكن اختزال حياة ما يقرب من 40 عامًا في الكلمات؟ أو الكتب؟ أو حتى المجلدات؟ ومن عنده قاموس لغوي بليغ ليقول: أحدثكم عن وليد؟ أعطيك معلومات صافية عن أبو ميلاد؟ طوال السنوات التي مرت، كان وليد هو من يقدم لنا الإجابات التي كنا نبحث عنها، وأبهرنا ببلاغته وعناده الجبارة وإصراره الدائم… إنه الوليد فينا. الوليد والقلم – أينما وجدت طريق النضال فاسلكه. “أكتب لأتحرر من السجن على أمل تحريره مني.. وإلى كل الأطفال الذين أصبحوا رجالاً ونساءً بالغين قبل أوانهم”. – قصة سر الزيت . وخلال السنوات التي قضاها الشهيد دقة في سجن الاحتلال حصل على درجة الماجستير في العلوم السياسية. ألف عددا كبيرا من الكتب والروايات، وكتب العديد من المقالات حول الواقع الفلسطيني والمشهد السياسي والنسيج الاجتماعي الفلسطيني بشكل خاص في ظل الاحتلال. ومن بين هذه الكتابات تبرز «قصة سر النفط» لتظهر أهمية الكلمة عندما نضعها في سياقها الصحيح. وبعد كتابته، تعرض وليد لانتهاكات وإجراءات قمعية في السجن. ومُنعت عنه الزيارات العائلية، وفرضت عليه غرامات مالية. انتهى به الأمر في الحبس الانفرادي، عقاباً له على جريمة بسيطة: خلق الوعي لدى الفئة الأكثر رعباً من الاحتلال، وهم الأطفال. قصة «سر الزيت» تخاطبهم بلغة بسيطة يفهمونها، مما يخلق في نفوسهم العديد من الأسئلة، أولها عن الكاتب وظروف كتابته للقصة. لا يعرفون وليد دقة فحسب، بل يتطور لديهم وعي كامل بماهية السجن والسجان، وتنشأ بينهم وبين الواقع علاقة صحية مبنية على رفض الظلم. النضال والاستمرارية، وهو بكلمات بسيطة الكابوس الحقيقي الذي يخشاه الاحتلال. وفي عام 2016، عندما عُرضت مسرحية “الزمن الموازي” للكاتب وليد دقة على مسرح “الميدان” في حيفا المحتلة، أغلق الاحتلال المسرح، وأعقبتها حملة تحريض واسعة ضد وليد من قبل وسائل الإعلام الإسرائيلية. تتناول المسرحية حياة السجناء بشكل خاص، وتطرح قضيتهم على الطاولة، وتقول للعالم: حرية الإنسان الحقيقية تكمن خلف القضبان، ثمناً لحالة لا ثمن لها. المسرحية تعيد إنسانية الأسرى، حيث تتحدث عن أحلامهم البسيطة، كالذهاب إلى السينما أو زيارة البحر، وهي أنشطة عادية، إذا كانت نقاط التفتيش وساعات التفتيش وبنادق “الجيش” تسمح لك بذلك. يمر. الذين لم يقبلوا أن تسلب منهم كرامتهم، ورفضوا الحاجز والتفتيش وصوب البندقية إليهم، دفعوا ثمناً باهظاً خلف الزنازين، وحرموا من إنسانيتهم. دقة المسرحية كتبها السجين البشري الذي يشتاق للهواء النظيف وصوت الأمواج، وهناك رمزية مهمة في ذلك وهي تخلي السجين – الإنسان – عن ترف الحياة الطبيعية والطبيعية. الإنسانية، من أجل قضية أهم، وهنا عرف وليد كيف يخاطب الإنسان العادي أيضاً، الذي دفع ثمن التذكرة. جلس على كرسيه وشاهد المسرحية كأي عمل فني آخر. إلا أن وليد أصر على ألا تنتهي المسرحية في ذهن المشاهد عندما يسدل ستار المسرح، بل أن تظل في ذهنه حتى بعد أن يتركها ويعود لتناول العشاء، حتى يتمكن من التفكير في الحياة الطبيعية، وثمنها، في بلد لا توجد فيه حياة طبيعية. مولود الإنسان: النظر إلى السياسي الفلسطيني كضحية ثانوية للاحتلال هو ضرب من الجنون. نعم، يطمح الاحتلال إلى تدمير الوعي السياسي في النسيج الفلسطيني بشكل خاص، لينقذ نفسه من جبهة حرب كاملة. واستخدم في هذا الصدد عدة أساليب، أبرزها توطين المؤسسات الثقافية والتعليمية في إسرائيل والضفة الغربية، بدءا من المناهج التعليمية في المدارس والجامعات، وصولا إلى الأيديولوجية المعتمدة. وهذا كله صحيح وواقعي للغاية. لكن وليد لديه رؤية أكثر شمولاً. كان وليد منتسباً إلى العمل المقاوم الفدائي، وبالضرورة السياسي، طوال حياته قبل السجن. كما عمل في الكتابة السياسية أثناء الاعتقال، لكنه كان يعتقد أن الاحتلال يريد قتل الإنسان الموجود فينا قبل كل شيء. وقد تختلف المجموعة في تفسير الهدف، لكنني أعتقد أنه كان مقتنعا بأن الاحتلال يريد التخلص من الوجود الفلسطيني ككل. سواء أمضيت حياتك في مكاتب سياسية أو في مكتب محاسبة، سواء كنت تنتمي إلى فصيل أو لا تعرف معنى كلمة فصيل على الإطلاق، سواء كنت ترى القضية وطنية أو أيديولوجية أو سياسية أو وجودية أو سواء كنت تركت البلاد والقضية خلفك وسافرت إلى ما وراء النهرين، فأنت مستهدف. . أنتم مستهدفون لأنكم تحملون دماء الشهداء من أجدادكم، ولأنكم تحافظون على وجود الإنسان الفلسطيني على هذه الأرض. كان طموح دقة خلال سنوات 38 هو الحفاظ على إنسانيته التي لم يمنح الاحتلال فرصة لإهانتها أو استغلالها. حتى أن الإنسان البسيط، ابن البلد، المزارع الفلسطيني الذي يحمل سلة الزيتون على رأسه في موسم القطف والعصر في تشرين الأول، علامة وجود، يصعب نسيانها، ويصعب محوها. الولادة، بالمعنى الكامل، هي قصة ميلاد يتم الحديث عنها في كل مكان. الطفلة الصغيرة التي حولت اسمه إلى عبارة مفيدة وأعطته المعنى الكامل: «ولادة وليد دقة». قام وليد بتهريب الحيوانات المنوية من السجن، ليكون ميلاد المعجزة الحقيقية التي لم تستأذن السجان في الظهور. وهي أيضًا ابنة الناشطة سناء سلامة، وقد خرجت إلى الحياة معلنة تمردها على الواقع عام 2020. وتصف سناء سلامة تجربة النطاف المهربة بالنضال الحقيقي. قبل ولادته، كان لدى ميلاد ملف لدى الشاباك الإسرائيلي، مما يجعلها الطفلة الوحيدة، والإنسانة الوحيدة أيضًا، التي لديها ملف لدى الشاباك قبل ولادته. بعد أن عاد ميلاد إلى الحياة، بدأت جولة أخرى من التعذيب ضد سناء ووليد، عقابًا لهما على تحديهما رغبة السجان. ورفضت سلطات الاحتلال تسجيل ولادة باسم والدها، مما اضطر سناء إلى خوض حروب مع وزارة الداخلية وحكومة الاحتلال للحصول على الأوراق الثبوتية. النموذج الذي ابتكرته هذه الطفلة البالغة من العمر أربع سنوات يصف الموقف الفلسطيني في مواجهة الاستعمار على مدى العقود الماضية. ويعبر عن إرادة وليد وعناده في مواجهة غطرسة الاحتلال بكل قوانينه غير الشرعية والتهجير والانتهاكات والدبابات والمحاكم الرسمية والسجون العديدة في أنحاء الوطن والمداهمات والإعدامات. وكأن وليد يقول عبر ميلاد: لا الزنازين ولا القيود تمنعني من العيش، ولا سنوات الاعتقال تسلبني حقي في الحياة. عندي ولادة جديدة، تدخل القلب، وتعرف والدها من خلف الزجاج، لكنها تعيش، لكي أعيش لسنوات عديدة، حتى تتمكن من رواية قصتي، وحتى أتمكن من الاستمرار مع نفس الروح في جسد آخر. الوداع يا وليد. «أعترف الآن، وأنا في العام العشرين من الأسر، أنني مازلت لا أجيد الكراهية، ولا القسوة والفظاظة التي قد تفرضها الحياة في السجن. أعترف أنني مازلت إنساناً متمسكاً بحبه، متمسكاً به كأنه جمر، وسأظل ثابتاً على هذا الحب، فالحب هو انتصاري”. المتواضع والوحيد هو سجاني.” – رسالة إلى الشهيد وليد دقة بعد 20 عاما من الأسر. رحل عنا وليد دقة في 7 نيسان 2024، بعد صراع مع مرض السرطان استمر لسنوات، وإهمال طبي متعمد من قبل الاحتلال، حتى استشهد في مستشفى “عساف هروفة”. يتمتع وليد بإرث لا نهاية له، وحياة غنية، وروح خالدة. ترك لنا مجموعة من الأعمال المهمة، مثل يوميات المقاومة في مخيم جنين 2002، اندماج الوعي أم إعادة تعريف التعذيب، قصة سر النفط، عودة الشهداء إلى رام الله، بالإضافة إلى العديد من المقالات أبرزها: ميلاد : اكتب لطفل لم يولد بعد، حرر نفسك. والسيطرة على الوقت. في كل مرحلة من حياة الفلسطيني هناك تضحيات، لكن تضحية وليد كانت عظيمة. منذ نحو أربعين عاماً لم ير شمس الحرية، ولم يصافح رفاقه، ولم يعانق ميلاد خارج الزنزانة. إنها الحياة التي اختارها ودفع ثمنها بحياته، تاركًا الحشود وراءه في حيرة من أمره. كيف نجترئ أحزاننا ونستمر؟ كيف نضغط على الجرح ليصل إلى النهاية؟ ومن يستطيع أن يستمر وهو يحمل على أكتافه العبء الثقيل من دماء وتضحيات الشهداء؟ ويأتي صوته إلينا بوضوح بين الأسئلة: «قصتنا لم تنتهي. كل القصص لها بداية ونهاية، إلا قصتنا؛ ولم نكتب بعد نهاية لذلك. عندما يتحول بلد بأكمله إلى سجن ويكتفي الناس بالمشاهدة، نخشى أن نصبح مشهدا وصندوق عجب يعيد نفسه، ويصبح المشاهدون خلايا متنقلة، حتى لو كانوا يعتقدون أنهم أحرار، فكن حذرا حتى لا تصبح نفسك خلايا مغلقة.” فتخسر…ونخسر كل ما تم. (الميادين) إقرأ أيضاً: استشهاد الأسير في سجون الاحتلال وليد دقة نتيجة الإهمال الطبي. “عدالة” يطالب الاحتلال بالإفراج عن جثمان الشهيد وليد دقة

وليد دقة.. بين الحياة والولادة..

– الدستور نيوز

.