دستور نيوز
وطردت الحرب الآلاف من منتجي الصمغ العربي من مناطقهم، ودمرت مساحات واسعة من غابات الهشاب والسنط، فيما أصبحت إحدى أهم السلع الاستراتيجية التي يتصدرها السودان في الإنتاج العالمي، محط تحذيرات دولية من استغلال إيراداته لتمويل الصراع. وبينما يواجه العالم معضلة تتبع تجارة الصمغ العربي، يعيش المنتجون السودانيون مأساة مختلفة، بعد أن فقدوا أراضيهم ومحاصيلهم ومصادر عيشهم، مع انتقال الكثير منهم من الإنتاج إلى النزوح والاعتماد على المساعدات الإنسانية.
تعمل عايدة حسن في إنتاج الصمغ العربي في ولاية النيل الأزرق منذ أكثر من خمسة عشر عاماً، وهي المهنة التي توارثتها عائلتها جيلاً بعد جيل. وبفضل إيراداتها المربحة، تمكنت الأسرة من توفير المال والتوسع في زراعة الغابات والمزارع، قبل أن تقلب الحرب حياتهم رأساً على عقب، وتحولهم من منتج يعتمد على عملهم إلى نازح ينتظر المساعدات الإنسانية.
وتعيش عايدة منذ عام ونصف في مركز للنازحين بمدينة الدمازين بولاية النيل الأزرق، بين مئات الأسر التي تعتمد على المساعدات الإغاثية المحدودة التي تصل على فترات متقطعة. وقالت لـ«الشرق الأوسط»: «توارثنا هذه المهنة من الأب إلى الجد، ولا نعرف غيرها، وكنا نقتصد منها ونوسع مزارعنا، لكن حياتنا تغيرت ودخلنا في دوامة الفقر».
وتروي عايدة أن رحلة نزوحها بدأت بعد اقتحام قوات الدعم السريع منطقة بوت بولاية النيل الأزرق، حيث تم نهب محاصيل الأسرة وآلاتها الزراعية وممتلكاتها، مما اضطرها إلى السير مع أفراد أسرتها لمدة عشرة أيام متتالية للوصول إلى مدينة الدمازين هرباً من القتال. وأضافت بصوت منخفض: “ما نعيشه الآن هو قطعة نار، وليس لدي سوى دموعي لأطفئ حرارتها”.
قصة عايدة لا تمثل حالة فردية، بل تعكس واقع آلاف المنتجين الذين أجبرتهم الحرب على ترك حزام الصمغ العربي الممتد عبر ثلاث عشرة ولاية سودانية. ويتركز الجزء الأكبر من الإنتاج في منطقتي كردفان ودارفور، إلا أن مساحات واسعة منهما أصبحت تحت سيطرة قوات الدعم السريع أو تحولت إلى مناطق مواجهة عسكرية، مما أدى إلى توقف الإنتاج في العديد من المناطق ونزوح المزارعين وفقدانهم مصادر رزقهم.
ويستخرج الصمغ العربي بشكل رئيسي من شجر الهشاب والسنط، ويعتبر من أهم المواد الخام المستخدمة في الصناعات الغذائية والأدوية ومستحضرات التجميل والمشروبات الغازية، فيما يوفر السودان، بحسب مسؤولين في القطاع، نحو 80 بالمئة من الإنتاج العالمي. لكن استمرار الحرب يهدد هذه الوضعية التاريخية، في وقت تعمل دول أخرى على توسيع إنتاجها في محاولة للاستفادة من انقطاع الإمدادات السودانية.
وقال رئيس منتجي الصمغ العربي بشمال دارفور أبكر أدوما أحمد لـ«الشرق الأوسط» إن القتال أدى إلى تراجع إنتاج الإقليم إلى أقل من ثلاثين ألف طن، بعد أن هجر معظم المنتجين مناطق الحزام بسبب تدهور الأوضاع الأمنية، واضطروا إلى الفرار أو اللجوء بعد أن فقدوا ممتلكاتهم. وأضاف: “الحرب دمرت بورصة الصمغ العربي، وأزالت مساحات من الغابات المنتجة، وأحدثت أضراراً كبيرة في طرق نقل المحاصيل إلى الأسواق”.
ويقدر رئيس اتحاد منتجي الصمغ العربي عوض الله إبراهيم عدد العاملين في هذا القطاع بنحو مليون شخص ينتظمون في خمسة آلاف جمعية إنتاجية. وقال لـ«الشرق الأوسط» إن السودان ينتج نحو عشرين نوعا من الصمغ العربي، ويعتبر الهشاب وصمغ السنط من أجود الأنواع في العالم. وبحسب إبراهيم فإن ولايات دارفور تنتج سنويا أكثر من ثلاثين ألف طن، فيما تنتج كردفان نحو أربعين ألف طن، إضافة إلى كميات تقديرية من ولاية النيل الأزرق. إلا أن الحرب أدت إلى انخفاض إنتاج بعض مناطق كردفان إلى نحو عشرة آلاف طن فقط، فيما فقد آلاف المنتجين كامل مصادر دخلهم.
واضطر منتجو الفول النهود وأولاد بخيت بولاية غرب كردفان، والدبيبات والقوز بجنوب كردفان، إضافة إلى مساحات واسعة بشرق دارفور، إلى النزوح إلى ولايات أكثر أمنا أو اللجوء إلى دول مجاورة، بعد أن تحولت مناطقهم إلى ساحات قتال.
وفي جنوب كردفان، قال عضو اتحاد المنتجين عثمان بقادي لـ«الشرق الأوسط»، إن الإنتاج توقف في محليات كادقلي والدلنج وهبيلة، وهي ثلاث محليات من أصل سبع محليات تنتج الصمغ العربي، فيما نزح عدد كبير من المزارعين إلى مدينة الأبيض. وأوضح بقادي أن مدينة أبوجبيهة تحولت إلى السوق الرئيسي للصمغ العربي بعد تعطل عدد من الأسواق بشمال كردفان، وتوجه الشركات إلى هناك لشراء المحصول. لكن العديد من المزارعين امتنعوا عن العودة إلى المناطق التي استعادها الجيش بسبب قلة مياه الشرب وبعدها عن أماكن النزوح. كما توقف الإنتاج في المنطقة الممتدة من غرب الأبيض إلى النهود التي تضم أكثر من ثلاثمائة قرية اشتهرت بإنتاج أجود أنواع الصمغ العربي.
وفي منطقة النيل الأزرق، قال المنتج والتاجر شاكر قنديل لـ«الشرق الأوسط»، إن قوات الدعم السريع هاجمت مناطق لم تشهد أي اشتباكات، ونهبت نحو 60 في المئة من المحصول، موضحاً أن المناطق الأكثر تضرراً كانت شمال مدينة الكرمك وجنوب محلية باو والمنطقة العربية بمحافظة التضامن.
من جهتها، قالت مديرة إدارة الصمغ الطبيعي بالهيئة القومية للغابات، فاطمة محمد رملي، لـ«الشرق الأوسط»، إن الحرب دمرت غابات بأكملها، وأن المساحات المستغلة حالياً لا تتجاوز 40 في المئة من حزام الصمغ العربي، مشيرة إلى أن الهيئة تعتزم توزيع مليون شتلة في ولايات كردفان لإعادة زراعة المناطق المتضررة واستعادة الغطاء الغابوي.
ولا يقتصر تأثير الحرب على تراجع الإنتاج فحسب، بل يمتد إلى عمليات النهب والتهريب التي تهدد مكانة السودان في الأسواق العالمية. واتهم مسؤولون سودانيون قوات الدعم السريع بنقل كميات من الصمغ العربي إلى دول الجوار، وهو ما أشار إليه أيضا تقرير للأمم المتحدة تحدث عن نقل كميات كبيرة من المناطق الخاضعة لسيطرة قوات الدعم السريع إلى دول العبور المجاورة، قبل إعادة تصديرها كمنتجات محلية، مما يجعل من الصعب تتبع مصدرها الحقيقي. ولم يستجب المتحدث باسم حكومة ائتلاف «الإقامة» أحمد نقد لطلب «الشرق الأوسط» التعليق على هذه الاتهامات.
ويجمع العاملون في قطاع الصمغ العربي على أن وقف الحرب، رغم أهميته، لن يكون كافياً لإعادة القطاع إلى سابق عهده. وتتطلب استعادة الإنتاج برنامج إعادة إعمار متكامل، يتضمن تمويل المنتجين الذين فقدوا محاصيلهم وآلاتهم الزراعية، وتأمين مناطق الإنتاج، وتوفير المياه والخدمات الأساسية، وإعادة تأهيل الطرق والأسواق، إضافة إلى حماية غابات الهشاب والطلح ومنع قطع الأشجار، ليتمكن السودان من الحفاظ على مكانته كأكبر منتج ومصدر للصمغ العربي في العالم.
المصدر: الشرق الأوسط
مواصلة القراءة
#الصمغ #العربي #السوداني.. #ثروة #تنزف #بين #الحرب #والنزوح
الصمغ العربي السوداني… ثروة تنزف بين الحرب والنزوح
– الدستور نيوز
اخبار العرب – الصمغ العربي السوداني… ثروة تنزف بين الحرب والنزوح
المصدر : www.i3lam-al3arab.com
