.

تتبع مجرى النهر من المنبع إلى المصب: نهر اليرموك ومطالبات شعب الكولي

دستور نيوز25 أغسطس 2024
تتبع مجرى النهر من المنبع إلى المصب: نهر اليرموك ومطالبات شعب الكولي

دستور نيوز

ومنذ عام 1982، أعلن الأردن خالياً تماماً من الكوليرا وفقاً لتقارير منظمة الصحة العالمية، ولم تسجل أي حالة كوليرا في البلاد منذ ذلك الحين، مما يعكس نجاح النظام الصحي الأردني في رصد ومنع انتشار المرض. وتعززت هذه الجهود بتطوير بروتوكول الكوليرا الذي أطلقته الحكومة الأردنية في عام 2015، والذي يتضمن مراقبة صارمة لجودة المياه، والتفتيش الدوري لحالات الإسهال في المراكز الصحية، حيث يتم فحص 20% من هذه الحالات للتأكد من خلوها من الكوليرا. وقد ساهم هذا الالتزام المستمر بالرصد والوقاية في إبقاء الأردن خالياً من هذا المرض لأكثر من أربعة عقود.أضف إعلانا

الكوليرا مرض إسهالي حاد تسببه بكتيريا ضمة الكوليرا. يتميز المرض بظهور مفاجئ للإسهال المائي الحاد والقيء وتشنجات الساق. في الحالات الشديدة، يؤدي فقدان السوائل السريع إلى الجفاف، والذي يمكن أن يكون مميتًا إذا لم يتم علاجه على الفور. تنتقل الكوليرا في المقام الأول عن طريق تناول المياه أو الطعام الملوث، وخاصة في المناطق التي تعاني من نقص معالجة المياه، وسوء الصرف الصحي، وممارسات النظافة غير الكافية.
في الأسابيع الأخيرة، زعمت الحكومة الإسرائيلية أن نهر اليرموك، الذي يمتد على طول الحدود بين سوريا والأردن والأراضي المحتلة، ملوث بالكوليرا، مما أدى إلى توقف واردات الخضراوات من الأردن. لفهم صحة هذا الادعاء، من الضروري تتبع مسار النهر من منبعه في سوريا، عبر الأردن والأراضي المحتلة، إلى قناة الملك عبد الله، وفحص نقاط التلوث المحتملة على طول الطريق.
المصدر في سوريا
ينبع نهر اليرموك من سوريا، حيث سُجِّلت مؤخراً حالة تفشي للكوليرا. إلا أن هذا التفشي تركز في الأجزاء الشمالية من سوريا، مثل إدلب وحلب والحسكة إلى الشرق، لكن هذه المناطق تبعد أكثر من 400 كيلومتر عن نهر اليرموك. وعلى الرغم من العدد الكبير من الحالات المسجلة – أكثر من 300 ألف حالة – فإن المسافة والفصل الهيدرولوجي والتضاريسي يجعلان من غير المرجح أن تصل بكتيريا الكوليرا إلى النهر من هذه المواقع.
ومن أقرب القرى السورية إلى نهر اليرموك قرية الشجرة التي تبعد نحو 25 كيلومتراً عن نقاط التلوث المزعومة. وكغيرها من القرى المجاورة، بنيت هذه القرية على مساحات منبسطة بعيدة عن الوديان التي تصب في نهر اليرموك، وعلى تربة طينية سميكة، معروفة بعدم نفاذيتها للمياه، مما يقلل إلى حد كبير من خطر تسرب بكتيريا الكوليرا إلى النهر. وهذا يجعل من غير المرجح أن يكون تلوث الكوليرا من هذه المنطقة قد وصل إلى مجرى المياه.
المرور عبر الأردن
عندما يدخل نهر اليرموك إلى الأردن، فإنه يمر عبر سد الوحدة على الحدود بين الأردن وسوريا. ويحجز السد المياه ويخزنها، مما يساعد على تهدئة تدفق المياه والحد من سرعة أي ملوثات ميكروبية محتملة. بالإضافة إلى ذلك، تساعد النباتات الكثيفة على طول مجرى النهر بعد السد في الحد من التلوث الميكروبي، حيث تميل البكتيريا، بما في ذلك بكتيريا الكوليرا، إلى الالتصاق بأجزاء النبات القريبة من الماء، مما يعزز عملية التنقية الطبيعية.
ومع استمرار تدفق نهر اليرموك، فإنه يمر عبر قرية الحمة الأردنية، التي يبلغ عدد سكانها نحو 3000 نسمة. ويعتمد سكانها على خزانات الصرف الصحي لإدارة مياه الصرف الصحي في منازلهم، وهي الطريقة التي قد لا تكون مثالية ولكنها لم تؤد إلى أي حالات إصابة بالكوليرا في القرية. كما تتمتع المنطقة بمياه ساخنة وحمضية وكبريتية تقتل البكتيريا بشكل فعال.
المرور عبر فلسطين المحتلة
ثم يتدفق النهر على طول الحدود مع الأراضي المحتلة حيث تقع أقرب قرية وهي قرية حماة غدير والتي تضم منطقة سياحية كبيرة ومزرعة تماسيح مجاورة للنهر. ومن غير المرجح أن تكون هذه المزرعة مصدراً لتلوث الكوليرا، ولكن مياه هذه المزرعة إذا ما تم إطلاقها في النهر وكانت تحتوي على مواد عضوية، سوف تساعد في خلق بيئة مناسبة لبقاء الميكروبات لفترة أطول.
التحليل الفني: مصادر الكوليرا في مياه النهر
يمكن أن تنتقل الكوليرا إلى نظام المياه من خلال عدة طرق، بما في ذلك تصريف مياه الصرف الصحي غير المعالجة، أو تلوث المياه الزراعية، أو الإدخال المباشر من الأشخاص المصابين. وفي حالة نهر اليرموك، يبدو أن مصادر التلوث المحتملة قليلة. وتعمل التربة الطينية في القرى السورية الواقعة على طول النهر في المجرى العلوي كحاجز طبيعي يمنع البكتيريا من دخول المياه. بالإضافة إلى ذلك، يشير غياب حالات الكوليرا في قرية الحمة الأردنية، على الرغم من اعتمادها على حفر الصرف الصحي، إلى أن النهر لم يكن ملوثًا في هذه المرحلة.
كما أن الجزء السفلي من نهر اليرموك مغطى بغطاء نباتي كثيف يعمل كعامل تنقية طبيعي للمياه، حيث تميل البكتيريا المسببة للأمراض، بما في ذلك بكتيريا الكوليرا، إلى الالتصاق بأجزاء النبات القريبة من المياه، مما يقلل من وجودها في المياه المتدفقة. ويساهم هذا الغطاء النباتي بشكل فعال في الحد من التلوث الميكروبي، إن وجد، ويعزز جودة المياه في النهر.
ورغم مخاوف الاحتلال من التلوث بالكوليرا، فإن الاختبارات الميكروبية التي أدت إلى وقف واردات الخضراوات من الأردن قد لا تقدم صورة كاملة. فهذه الاختبارات شديدة الحساسية، ومن المهم أن ندرك أن عينة واحدة من موقع واحد لا ينبغي أن تستخدم لإصدار أحكام عامة حول جودة المياه في جميع أنحاء النهر.
وفي الختام، تشير الأدلة إلى أن خطر تلوث نهر اليرموك بالكوليرا منخفض للغاية، حيث لا تدعم البيانات المتاحة والنظام الهيدرولوجي للحوض فكرة التلوث الواسع النطاق للنهر. فرحلة النهر من سوريا إلى مصبه في وادي الأردن تمر عبر مناطق خالية من الكوليرا منذ عقود، بالإضافة إلى الإجراءات الصحية العامة الصارمة في الأردن، مما يدفعنا إلى التأكيد على أن ادعاء التلوث قد يكون مبالغا فيه أكثر من كونه حقيقيا.
إن هذه الحادثة تدفعنا إلى إعادة النظر في النهج المتبع في مراقبة جودة المياه في حوض نهر اليرموك من أجل التوصل إلى قرارات تستند إلى الأدلة. وينبغي أن يشمل ذلك نظاماً إقليمياً شاملاً لمراقبة جودة المياه في جميع أنحاء الحوض، مدعوماً بنظام فعال للإنذار المبكر وأدوات الإدارة الإقليمية. ومن شأن مثل هذا النظام أن يساعد في الكشف المبكر عن التلوث المحتمل، وتمكين اتخاذ قرارات مستنيرة استناداً إلى بيانات دقيقة، وضمان سلامة الموارد المائية وصحة المجتمعات التي تعتمد على هذه المياه.

تتبع مجرى النهر من المنبع إلى المصب: نهر اليرموك ومطالبات شعب الكولي

– الدستور نيوز

.