.

قراءة في كتاب الثقافة والسلطة والإعلام…

دستور نيوز27 يوليو 2024
قراءة في كتاب الثقافة والسلطة والإعلام…

دستور نيوز

“إن الحوارات حول دور المثقف ينبغي أن تنتقل من عالم المجاملات إلى عالم الصراحة.”
وفي كتابه «قراءات في الثقافة والسلطة والإعلام»، يغوص في تراثنا العربي منذ أقدم العصور إلى يومنا هذا.أضف إعلانا

ومن خلاله يحاول الدكتور خالد الكركي دراسة هذا التراث برؤية ناقدة وبصيرة ثاقبة.
ويحدثنا عن العلاقة بين المفكر والعالم وسلطة عصره، إذ «قد يلتقيها في بلاطها، وقد يلتقيها في سجونها» (المرجع السابق ص 16).
قد يلتقيها إذا تخلى عن مسؤوليته الأخلاقية والاجتماعية وبدأ يبرر لها الظلم والفساد، فيصور الظلم والقهر على أنهما عدل وإنسانية!
إن المثقف إذا تجرأ على فضح ظلمها وجورها فإنه على الأرجح “يلتقيها في سجونها”. ويستقي هذا الباحث من نماذج التراث التي تدين فساد عصورها. ومن لا يذعن لهذا الحاكم أو ذاك ولا يحرق البخور في حضرته فإنه يهمش أو يحارب في معيشته. أما إذا عارض السلطة فإن ميتة شريرة تنتظره. والسيف ينتظره! وهناك استثناءات بالطبع عندما يتم إصلاح الحكومة، وفي هذه الحالة يكون المثقف ناصحاً وداعماً.
وبدوري أتساءل هل يختلف عصرنا الحالي عن تلك العصور التي سادها قمع السلطة للشعوب؟ وهل العلاقة اليوم بين المثقفين والسلطات في العالم العربي علاقة محمودة أم أنها «علاقة يحكمها الشك وعدم الثقة»؟
وإلى “الشك” و”الافتقار إلى الثقافة” أضيف “الخوف” من وحشية الحاكم أو السلطان. وكم من كلمات الحق ظلت حبيسة أفواه لا تجرؤ على النطق بها خوفاً من الظلم.
“وقد تأخذ هذه العلاقة بين المثقف والحاكم شكل “التآزر” وقد تتحول إلى “التناقض”، وقد تأخذ شكل السلطة التي تحتضن المثقف تحت شعارات مضللة، منها “المصلحة العليا”، و”الرسالات الثقافية الوطنية”، و”المساهمة في التغيير والتجديد”. وقد يقبل المثقف هذا الدور دون رؤية واضحة.” (المرجع السابق، ص 36).
ومن المؤسف أن بعض المثقفين قد يقبلون هذا الدور، وهم يعلمون أنه ضد الجماهير، ويفعلون ذلك طمعاً في الشهرة والمال والجاه!
أنا أستثني المثقفين الذين هم على استعداد للتضحية من أجل القيم الإنسانية التي يدافعون عنها، أي أنهم على استعداد لحمل أرواحهم بين أيديهم حتى تنتصر هذه القيم، وللأسف فإنهم قلة!
اقرأ كتاب الدكتور خالد الكركي تجد أنه سيحذف من التراث العربي القديم الأقوال التي تدل على الحكم المطلق الذي لا يقيم وزناً للقيم الإنسانية، مثل القول المنسوب للخليفة الأموي عبد الملك بن مروان حين تولى الخلافة: “والله لا يأمرني أحد بتقوى الله بعد منصبي هذا إلا ضربت عنقه”.
«والله لا آمر أحداً أن يخرج من المسجد من الأبواب، فيخرج من الباب الذي يليه، إلا ضربت عنقه».
كم من “بلاء” حلّت على الفقهاء والعلماء الذين لم يسكتوا عن “عار” عصرهم فساقوا إلى المشنقة!
ماذا حدث للحلاج وابن حنبل وغيلان الدمشقي وابن رشد عندما خرجوا ضد ظالم عصرهم؟
وهذه المحن -للأسف- ما زالت تتكرر في عصرنا الحالي، وأقبية السجون العربية تشهد على ذلك.
ومن المؤسف أن تتم محاربة “الإبداع” عندما يمس الخرافات والوعي السطحي، ويدعم ذلك رجال القانون الذين يدخلون الدين في الأعمال الإبداعية بهدف مصادرتها!
الدكتور خالد الكركي كمثقف ملتزم يتألم للانحدار الذي وصلت إليه ثقافتنا العربية، انحدار ناجم عن غياب الديمقراطية التي يخشاها هذا النظام أو ذاك.
وبحسه الوطني والعربي والإنساني يدعو إلى الالتزام بمفهوم واحد هو «سلطة الثقافة، وليس ثقافة السلطة»، «شرط أن تكون الثقافة خارج أي أفكار شمولية أو ظلامية، وأن يتميز أهلها، وأن يُزاح من صفوفها العاطل والمتردد والخامل والناكر للجميل».
قبل أن أختم حديثي، لا بد لي من الإشادة بأناقة اللغة التي يتمتع بها هذا المفكر والعالم.
إن أناقة لغته تأسر القارئ، وبلاغته تبهره وتسليه حقاً.

قراءة في كتاب الثقافة والسلطة والإعلام…

– الدستور نيوز

.