.

السباحة في بحر عاصف مكلفة للغاية

دستور نيوز22 يوليو 2024
السباحة في بحر عاصف مكلفة للغاية

دستور نيوز

وهذا ما ذكره الكاتب الروسي المعاصر أ. ن. أوتكين في كتابه المترجم بعنوان “النظام العالمي للقرن الحادي والعشرين”، مشيراً إلى وجهة نظر “الأمميين الليبراليين” القائلة بأن “التعاون الدولي الناجح وفقاً للقواعد، وليس السباحة الحرة في بحر عاصف، هو الذي يمكن أن يضمن لأميركا مكانة خاصة في العالم لفترة طويلة”. (النظام العالمي للقرن الحادي والعشرين، ترجمة يونس كامل ديب والدكتور هاشم حمادي، الناشر: المركز الثقافي للطباعة والنشر 2007). أضف إعلانا

وينقل المؤلف عن أحد هؤلاء “الأمميين الليبراليين” المدعو هـ. كابشين قوله: “لو استعدت أميركا مسبقاً للنزول من القمة، لكان ذلك في مصلحتها العليا، ولكانت أكثر حكمة وأقل خطورة”. (المصدر نفسه، ص 166).
هناك قدر كبير من الحقيقة في ما يقوله هذا الرجل من مجلس العلاقات الخارجية: إن أميركا قد تكون غير قادرة على “مواجهة التحديات الجديدة للتنمية العالمية”.
إن “التطور العالمي” كما تنبأت به المتغيرات العالمية التي قلبت “الطاولة” على الإمبرياليين لن يرحم بعد الآن نوايا أولئك الذين اعتادوا على مر السنين على الأمر والطاعة! وعليه فليس من مصلحة الدول الإمبريالية أن تظل فخورة بقدرتها على الهيمنة والتحكم في مصائر الشعوب، وخاصة شعوب المجتمعات النامية. لقد تغير الوضع، والدليل على ذلك ما حدث ويحدث في الشرق الأوسط والقارة الأفريقية. صحيح أن هذه الإمبريالية استطاعت تقسيم “السودان” بعد توحيده، وتثبيت موطئ قدم لإسرائيل في جنوبه وفي دول أفريقية أخرى. لكن الحقيقة أن هذا الوضع لن يدوم إلى الأبد. فالثورة ضد الظلم والانقسام ليست غائبة عن المجتمعات العالمية، حتى عندما تأتي اللحظة المناسبة، سوف تصحح المسار بشجاعتها وتضحياتها!
في مقال له في مجلة الشؤون الخارجية في إبريل/نيسان 1999 كتب فريد بيرجشتاين: “أميركا وأوروبا: صراع بين الجبابرة”. “يتعين على الولايات المتحدة أن تكتشف ما الذي تفعله في ظل الظروف الجديدة: إما أن تنضم إليهم أو تنخرط في عمل دفاعي طويل الأمد ومكلف وغير مجد، كما فعلت بريطانيا لعقود من الزمان بعد أن زعزعت زعاماتها”. (انظر أيضاً النظام العالمي في القرن الحادي والعشرين، ص 165).
إن ما قاله بيرجشتاين في مقاله خطير للغاية وله دلالات عميقة تفرضها الظروف العالمية الجديدة التي لم تعد تقبل الهيمنة والوصاية على الشعوب المتطلعة إلى الحرية والاستقلال الحقيقي.
إن المساعدات الإنسانية التي تفوح منها رائحة الهيمنة المقنعة لم تعد تجدي نفعاً مع الشعوب التي طورت وعيها من خلال تجارب مريرة. إن “السباحة في بحر عاصف” ستكون مكلفة حقاً.
لقد قلت إن الوضع الراهن لن يستمر إلى الأبد، وهذه حقيقة أثبتها التاريخ البشري نفسه، ومن هنا يجب على أميركا أن تتعلم من دروس التاريخ، فلا ينبغي أن تستمر غطرسة القوة في بلد قامت ثورته على العدل والحرية والمساواة، ولا ينبغي أن تظل كلمات المسؤولين الأميركيين المتفائلة في وادٍ، بينما تكون أفعالهم في وادٍ آخر!
ولنتأمل على سبيل المثال ما قالته ذات مرة مادلين أولبرايت، وزيرة الخارجية الأميركية السابقة: “لا ينبغي لنا أن نكون مجرد مستمعين عالميين، بل يتعين علينا أن نكون مبدعين للتاريخ البشري”. (المرجع نفسه، ص 167).
أتساءل هنا كيف “يُصنع التاريخ البشري”؟ هل هو “سباحة في بحر عاصف” أم في بحر هدأت عواصفه؟

السباحة في بحر عاصف مكلفة للغاية

– الدستور نيوز

.