دستور نيوز
عمان – “أنفق ما في جيبك يأتيك ما في الغيب”. وتحت مظلة هذا المثل الموروث، يتجه الكثير من الشباب الأردني إلى الإفراط في الاستهلاك إلى حد الإسراف، دون حكمة أو نظرة مستقبلية لادخار بعض المال، إما لادخاره «لمزالق الزمن» أو لاستثماره. لمشروع مستقبلي يدر الدخل.
ولعل «نشوة الشباب» تخيم على أعينهم في مقتبل العمر، إذ لا يرون في أغلب الأحيان إلا أن يعيشوا لحظتهم دون التفكير في المستقبل. كيف لا يستطيعون ذلك؟ وكل الثقافات الغربية السطحية المستوردة من حولهم تشجعهم على ثلاثة أشياء: الاستهلاك، ثم الاستهلاك، ثم الاستهلاك.
ومع أن الإنفاق أمر مرغوب فيه وأقرب إلى فطرة الإنسان من أجل إبقاء عجلة الحياة تدور وفتح أبواب الرزق، إلا أن مد اليد بالكامل يؤدي إلى نفق مسدود يتربص في نهايته الفقر.
وفي أغلب الأحيان، بعد مرور سنوات، يستيقظ الشباب على فظاعة ما ارتكبوه من توسع في الإنفاق دون أن يدركوا ذلك، فيقول بعضهم: «ليتني فهمت.. ليتني كنت أفكر. .. أتمنى لو أنني أنقذت.
وهناك إحصائيات رسمية تشير إلى تراجع نسبة البالغين الذين يدخرون أموالهم رسمياً في حساب من 9.35% المسجلة عام 2017 إلى 4.35% المسجلة عام 2022.
وبلغت نسبة الأردنيين 15 سنة فما فوق الذين شملتهم الدراسة ادخار المال بأي شكل من الأشكال في الأردن حوالي 14.7% في عام 2022.
يقول الشاب محمد البشير: “أعمل منذ حوالي 6 سنوات.. لم أنجح خلالها في توفير أي مبلغ من دخلي حتى الآن، ولم أخطو حتى الآن خطوات نحو أي حياة مستقبلية مثل كالزواج أو السكن.”
وأضاف محمد، الذي عاش 26 عاماً، “في السنوات الماضية، كان دخلي كله يذهب لمصاريف شخصية من المصاريف اليومية التي تتضاعف من يوم لآخر”. وأضاف: «كنت مفرطاً بعض الشيء في مواكبة الموضة، وشراء الهواتف الذكية واستبدالها، والخروج يومياً للتسوق والترفيه».
وتابع محمد: “في نهاية العام الماضي فكرت في الزواج، لكن لم أجد في جيبي ما يدفعني لذلك، فاستيقظت على حجم المشكلة التي كنت أواجهها، وأهمية الادخار من أجلها”. المستقبل.” بعد ذلك خلقت لنفسي مسار استهلاك مختلف، وحوالي ربع دخلي ذهب للادخار.
بدوره يقول عمر الخليل البالغ من العمر ثلاثين عاماً: “أواجه صعوبة في الادخار منذ أن بدأت العمل منذ ما يقرب من 9 سنوات، بسبب الظروف المعيشية الصعبة وتزايد تكاليف المعيشة ومساعدة عائلتي”.
محمد وعمر مثالان لآلاف الشباب الذين يعيشون في بلد ارتفع فيه التضخم بنسبة 2.08% العام الماضي، وعانى من البطالة بنسبة 22.4% خلال العام نفسه.
وتابع عمر، الذي يعمل مدرسا، أنه لم يعط أهمية للادخار أو يفكر فيه في بداية سنوات عمله، حيث كان الهدف دائما هو تغطية النفقات الشخصية ودعم الأسرة ماديا.
وأضاف: «في لحظة تفكير في المستقبل بعد 4 سنوات من العمل، اتضح لي أنني تأخرت في التخطيط له، وتحولت إلى الادخار حتى خلال 3 سنوات تمكنت من اتخاذ أول خطوة مستقبلية، الذي كان يكمل درجة الماجستير.”
وتابع المعلم عمر: “رغم تعقيد الأوضاع المعيشية في الآونة الأخيرة إلا أنني لا أزال حريصاً على الادخار، خاصة أنني قطعت شوطاً طويلاً في رحلة حياتي، الأمر الذي يتطلب البحث عن الاستقرار والتخطيط للزواج”.
أما الشابة نهى علي فتقول: «ارتفاع الأسعار وزيادة متطلبات الحياة اليومية، سواء لنفسي أو لعائلتي، لا يسمحان لي بممارسة ثقافة الادخار، على الأقل في الوقت الحاضر». ”
وتضيف نهى التي تحمل درجة البكالوريوس في الأعمال: “إن المسافة بين مكان سكني خارج العاصمة عمان ومكان عملي دفعتني في ظل أزمة المواصلات العامة وظروفها إلى اللجوء إلى البنوك للحصول على تمويل لشراء سيارة تأخذني إلى عملي اليومي.
وقالت: “هذه الخطوة أهدرت أي فرصة للإنقاذ”.
إلى ذلك، يقول قاسم الحموري، أستاذ الاقتصاد في جامعة اليرموك: “إن تراجع ميل الشباب والمواطنين إلى الادخار يعود إلى ارتفاع تكاليف المعيشة وتآكل الأجور التي لم ترتفع منذ سنوات طويلة”. . فدخل قطاع كبير من المواطنين لا يكاد يغطي احتياجاتهم ومتطلباتهم”. “معيشة.”
وأضاف الحموري أن “الوضع الاقتصادي الصعب للمواطنين يخلق اعتقادا لدى الكثير من الشباب بعدم قدرتهم على تحقيق أهدافهم من خلال الادخار كالزواج أو شراء منزل وغيرها، الأمر الذي أدى إلى ردود فعل سلبية لدى الشباب”. الناس نحو الإسراف، وحرصهم على عيش اللحظة، واستبعاد المستقبل من خططهم.
كما أرجع الحموري تراجع ثقافة الادخار إلى التحولات الحياتية التي طرأت على المجتمع خلال العقد الماضي مع انتشار الأجهزة الإلكترونية كالهواتف الذكية، فضلا عن التجارة الإلكترونية، وتنامي ظاهرة الخروج إلى المطاعم. والمقاهي بشكل كبير، حيث انعكس كل ذلك على نمط الاستهلاك، خاصة بين فئات الشباب. وهذه الفئات أكثر ميلاً إلى إشباع رغباتها الاستهلاكية على حساب الادخار، مقارنة ببقية المجتمع.
وأشار الحموري إلى أن الواقع اليوم هو عكس التقليد الشعبي الذي يحث دائما على الادخار والادخار “خبي فلسك الأبيض ليومك الأسود” وهو ما تردد بين الناس، إذ كانت ثقافة الادخار حاضرة وبصحة جيدة. راسخة في المجتمع.
وبهدف تشجيع الشباب على اكتساب ثقافة الادخار، دعا الحموري إلى ضرورة ممارسة هذه الثقافة من خلال الحرص على الالتزام بادخار أي مبلغ شهريا مهما كان صغيرا على أن لا يقل عن 25 دينارا بالإضافة إلى ضرورة اكتساب مهارة ترشيد الاستهلاك والابتعاد عن حوافز التسوق الإلكتروني، إضافة إلى ذلك دعا الحكومة إلى تخفيض ضريبة المبيعات التي تعتبر مرتفعة بهدف التخفيف من وطأة الأزمة. الظروف المعيشية القاسية للأسر والأفراد، مما يمكّنهم من تحسين ظروفهم، ويتيح لهم ادخار مبلغ بسيط على الأقل من دخلهم للحالات الطارئة.
“”ليتني أنقذت””… عبارة لا فائدة منها عندما يفوت الأوان…”
– الدستور نيوز