دستور نيوز
ولا تزال غزة تشهد تصاعداً في أعمال العنف غير المسبوقة ضدها، ومأساة إنسانية، وحصاراً مستمراً. وقد تجاوز عدد الشهداء 30 ألف شهيد، أغلبهم من الأطفال والنساء والشيوخ. ولا يقتصر العدوان على قتل الأبرياء فقط، بل يشمل أيضا تدمير المرافق والمستشفيات ومراكز إيواء النازحين. إن هذا الدمار غير المسبوق، والانتهاك الواضح لحقوق الإنسان والمواثيق الدولية، وصمت العالم، ودعم الدول الغربية -الديمقراطية- والمنادية دائماً بحقوق الإنسان- لآلة الحرب الإسرائيلية، سيجعل العالم قريباً يعيش في حالة من الفوضى. عقدة تسمى “عقدة غزة”، بحيث تتسبب هذه العقدة في تغير المفاهيم، وتعثر الإيمان ببعض البديهيات -مثل حقوق الإنسان-، وتذبذب الثقة في الغرب وبعض دول العالم. والحقيقة أن العالم المفتون بالحرية والحضارة الغربية هناك، سيكتشف أنه كان يعيش -في الأغلب- في الأكاذيب التي فضحتها غزة وجعلتها تظهر على حقيقتها أمام العالم.
الأمر بالنسبة لأميركا -الراعي الأول لحقوق الإنسان- في العالم محير، ولم يعد لدى الناس تفسير لما يحدث، في ظل الدعم الأميركي المطلق لإسرائيل، والأسلحة الأميركية التي تقتل الأطفال، وبها المستشفيات وقصف المدارس والمساجد والكنائس. لكن ردود الفعل حول… هذا الأمر بارد، وهذا سيجعل كل ما يقال عن الإنسانية وحقوق الإنسان والحرية هراء، غير مثمر، لا متقدم ولا متأخر.
لن نصف ما يحدث في العالم بأنه مجرد صمت، بل مشاركة فعلية في مذبحة الشعب الفلسطيني، لأنه من الواضح أن القوى العظمى تشارك بشكل أو بآخر في هذا العدوان، والصدمة الأخرى. يأتي من بعض المنظمات الحقوقية التي التزمت الصمت، أو أصدرت بيانات تحدثت فيها. وعن القتل والدمار، لكنها لم تذكر الجلاد، وكأن ما يحدث في غزة هو غزو أجنبي، ومن المعروف أن تجاهل مرتكب الجريمة في سياق الحديث عن جريمة ما هو بلا شك تضليل.
وفي السياق نفسه، لم تظهر المنظمات النسوية الغربية قدرًا كافيًا من المواقف الدالة على وقوفها إلى جانب المرأة المضطهدة في غزة. هذه المنظمات -في حال تعرضت امرأة- لعنف لفظي بسيط، تقدر الدنيا ولا تشلها، لكنها مع نساء غزة ولا تتدخل، وكأننا لسنا جزءا من العالم. نساء العالم، وكذلك الأمر بالنسبة للأطفال.
ومن المتوقع أن تؤدي هذه الأحداث إلى ظهور عقدة غزة، حيث سيشعر العالم -بعد أن تتغير الحقائق، وربما بمجرد انتهاء الحرب- بالخجل والصدمة عندما يتحدث عن الكارثة الإنسانية في غزة، وسوف يتساءل ماذا كان يفعل؟ أو لماذا لم يتدخل في الوقت المناسب؟
ومن ناحية أخرى فإن أزمة غزة قد تؤدي إلى التطرف الذي قد يغزو أماكن كثيرة في العالم. القاعدة في حياة الإنسان تقول أن لكل فعل رد فعل مناسب، ولا نعرف مدى هذا التطرف، ولا شكله، ولا عواقبه. إن ما يحدث هناك أعظم مما يتصوره العقل البشري، والصور التي تختزنها أذهان الشباب والأطفال ستتحول مع مرور الوقت إلى أفعال قد لا نتوقعها، وأخشى أن خطورة ذلك وهذا لن يتوقف عند معاقبة الجلاد، بل قد تضرب نيرانه الأصدقاء.
التطرف الإسرائيلي ليس له حدود، ومهما حاول حلفاء دولة الاحتلال تبييض صورتها، فإن لون الدم لا يمكن إزالته، وقد أثبتت الحقائق التاريخية أن العنف يؤدي إلى نتائج غير مرغوب فيها. ولا أعلم كيف يستطيع المعتدلون – ونحن منهم – محاربة التطرف وبأي لغة سنتحدث، وعن أي عالم كاذب سندافع عنه، والنتيجة السريعة التي سنصل إليها هي أن العالم كله سيدفع الثمن ثمن باهظ لما يحدث في غزة، وأن ما تم تعلمه في كل مكان عن الاعتدال والتسامح قد عفا عليه الزمن، حيث أصبح الكثير من الناس – وخاصة في العالم العربي والإسلامي – يدركون أن التطرف من قبل القوى العالمية يعني شيئا واحدا: أن تكون عربي أو مسلم أو معادي لمصالح الغرب أو يطالب بحقوقك.
وعلى الجانب العربي، ستؤدي عقدة غزة إلى تساؤلات مفاجئة لدى الشباب العربي الذي يتساءل عن دور الحكومات العربية ومواقفها في مواجهة العدوان الإسرائيلي. وقد تؤدي هذه الأحداث إلى زيادة الانقسامات الداخلية في الدول العربية، وتعزيز ظهور الحركات المتطرفة والمتطرفة، وزيادة عقدة الشعور بالدونية تجاه الآخرين.
وعلى المستوى الإنساني، ستنشأ أسئلة وجودية لدى العديد من المثقفين والإنسانيين حول جدوى مئات السنين من فلسفة الحرية وحقوق الإنسان القائمة على المطالبة، وستظل الإشارة دائماً إلى المحك الذي كشف الوجه الحقيقي للعالم. .
ومن الواضح أن العقد المقبل في غزة سيكون له تأثيرات واسعة النطاق على العالم، سواء على المستوى السياسي أو الاجتماعي أو الاقتصادي. وقد تكون هذه الأحداث نقطة تحول في الصراع الإسرائيلي الفلسطيني، وتؤدي إلى إعادة النظر في السياسات والمواقف الدولية تجاه القضية الفلسطينية.
إذا دفعت بعض الدول الأوروبية ثمن ما حدث في المحرقة اليهودية، فإنها قد تدفع ثمنا باهظا لما يحدث في غزة، وسنرى قريبا مراجعات على المستويين الفردي والدولي لما حدث، ولن تكون النتيجة لمصلحة دولة الاحتلال والدول الاستعمارية الداعمة لها، وسنبدأ جميعاً بالبحث. عن عالم أكثر عدلا وإنسانية وصدقا.
عقدة غزة القادمة..
– الدستور نيوز