.

في غزة…الواجب الإنساني للأطباء والمسعفين يسمو فوق الألم الصامت…

دستور نيوز7 نوفمبر 2023
في غزة…الواجب الإنساني للأطباء والمسعفين يسمو فوق الألم الصامت…

دستور نيوز

وتحت أصوات القصف والحرب والدمار، ترتفع أصوات الإنسانية، من الأطباء والمسعفين ومراسلي الصحف، الذين يواصلون عملهم رغم كل الصعاب، لتقديم المساعدة لمن هم في أمس الحاجة إليها. أضف إعلانا

وفي الأماكن التي تمتلئ الآن بالجثث والجرحى تحت الأنقاض، يخرج الأطباء والمسعفون للبحث عن المصابين، ويعملون في ظروف بالغة الصعوبة، ويواجهون الموت في كل لحظة.
كما أنها جزء أساسي من حكايات الحرب المروعة؛ وهم وهم يعالجون الجرحى والمصابين في المستشفيات، يفاجأون أمام أعينهم بأفراد أسرهم على أسرة الإسعاف، سواء شهداء أو جرحى، لتتضاعف كمية الألم والعذاب، ومع ذلك يواصلون أداء واجبهم الإنساني. الواجب قبل دفن أحبائهم.
وتقف الفرق الطبية لعلاج الجروح ووقف النزيف وإنقاذ الأرواح التي عادت إليها الحياة من جديد.
القمع في كل زاوية، والأصوات المخنوقة بالدموع تحكي معاناة شعب يكافح من أجل حماية أرضه. الجميع هناك جريح ولم يسلم منهم أحد، لكنهم رغم ذلك صامدون وصامدون، يحملون أرواحهم على أكفهم من أجل أسرهم ومهنتهم الإنسانية. وهذه المهن على وجه الخصوص ليس فيها مجال للتفكير أو الخوف.
جرائم وحشية بشعة يرتكبها الاحتلال الإسرائيلي في غزة، وما زال حتى يومنا هذا يبيد ويقتل عائلات بأكملها. وتوثق مشاهد كثيرة من الميدان جرائمهم وإصرارهم على إسكات صوت الحقيقة، من خلال استهداف الصحفيين، كما حدث مع عائلة زميلنا وائل الدحدوح، عندما حاولوا إسكاته بقتل 4 من أفراد عائلته، وبدلا من أن ينهار أو يضعف ظل قويا في ألمه وحزنه بعد أن دفنهما. عاد ليستأنف عمله الميداني ويواصل تغطية ما يحدث على الأرض بشفافية رغم كل شيء.
لقد انتهكت هذه الحرب الشرسة كافة القوانين الدولية والإنسانية. كما أن هناك العشرات من الصحفيين الذين استشهدوا دفاعاً عن صوت الحق.
آلام صامتة يعيشها كل من على الأرض في غزة، وخاصة كل من له علاقة مباشرة بالميدان، فيضطرون إلى تأجيل حزنهم لأن الإنسانية في هذه المواقف الصعبة هي سيدة الموقف في مواساة الجرحى والتخفيف عنهم. رغم أن الألم واحد والخسارة طالت كبيرها وصغيرها بلا رحمة. ستبقى المآسي عالقة في الذاكرة سنوات طويلة، وستبقى مشاهد الدم محفورة في النفس بصمت.
ويرى الخبراء والمتخصصون أن من عايش الحرب في غزة سيواجه مشاكل نفسية كبيرة، من بينها الأرق والكوابيس والصدمات النفسية والاكتئاب. ولذلك، بعد انتهاء الأحداث، سيحتاجون إلى مرحلة طويلة من التعافي النفسي قد تمتد لسنوات.
وفي هذا الصدد، يرى الاختصاصي النفسي الدكتور موسى مطرنة أن الأطباء والمسعفين والمراسلين الصحافيين الميدانيين هم أشخاص ينتمون إلى مهن إنسانية تقوم على التضحية بالوقت والجهد والأعصاب في سبيل خدمة الإنسان والإنسانية. وفي الحروب، يتحمل هؤلاء بشكل خاص عبئاً كبيراً، لأنهم البلسم والشافي للجرحى والمتألمين. وهم التركيز الأساسي في مثل هذه الأزمات والظروف الصعبة هو تضميد الجراح وتسكين الآلام ونقل الحقيقة كما هي بالصوت والصورة من قلب الميدان.
وسط القتل والتهجير والقصف المستمر، يكبتون مشاعرهم وأحزانهم ويقفون صامدين لأداء واجبهم الإنساني على أكمل وجه. وغالباً ما يتحملون أكثر مما يمكنهم تحمله، بل ويضحون بأنفسهم من أجل الأرض والكرامة. لا يوجد أحد في غزة لم يفقد أخا أو أبا أو ابنا أو أختا أو زوجة أو قريبا. الجميع ينزفون ألماً على أحبائهم وبيوتهم، لكن ما يعزيهم هو أن الوطن أغلى من كل شيء.
ويقول الأساقفة إن عملهم المتواصل ليل نهار، ويعيشون الأحداث لحظة بلحظة، ويخاطرون بأنفسهم في سبيل أهلهم وشعبهم، كل هذا يجعل منهم أبطالاً يؤمنون بقضيتهم وحقهم في الأرض. وما يفعلونه على الأرض دليل على القوة والصمود.
ويشير إلى أن العاملين في مثل هذه المهن الإنسانية يتعرضون لحروق نفسية بسبب تعرضهم المباشر لمشاهد الدماء ومعالجة الجرحى. كما أنهم مسؤولون عن إنقاذ حياة كل جريح، على الرغم من أنهم قد لا يتمكنون في بعض الأحيان من إنقاذ الكثيرين، بما في ذلك أولئك الذين يموتون على أيديهم.
وبحسب الأساقفة فإن قوة هؤلاء وصمودهم تنبع من إيمانهم بالله وقضيتهم وواجبهم الإنساني وشعورهم بالمسؤولية تجاه وطنهم وأمتهم.
وبحسب الأساقفة، لا يجوز الإضرار بالعاملين في المهن الإنسانية النبيلة، كالطب والإعلام والدفاع المدني وغيرها، وحمايتهم واجبة في كافة المواثيق والقوانين والأعراف الدولية، وتعريضهم للقتل، كما هو الحال. ما يحدث اليوم في غزة، يعتبر جريمة إنسانية ودولية يعاقب عليها القانون.
ويشير إلى أن القوة والصبر والشعور بالمسؤولية التي خلقها الله فيهم هي الأشياء التي تدفعهم لتحمل كل ذلك التعب، لذا فهم بحاجة إلى الدعم والدعم النفسي للتغلب على كل الأحداث المؤلمة التي عاشوها في الميدان والتي أرهقتهم. لهم جسديا ونفسيا.
وتشير خبيرة علم الاجتماع فادية إبراهيم إلى أن المسعفين والأطباء والمراسلين في غزة يقومون بأعمال ومهام تتجاوز الحد الطبيعي أو المحتمل لأي شخص أو إنسان يمارس تلك المهام. إنهم يعيشون في وضع استثنائي للغاية من الدرجة الخاصة لتلك الوظائف.
بالإضافة إلى أنهم مطالبون بأداء مهام وقدرات جسدية وعقلية وعاطفية تتجاوز الحد الطبيعي لقدرة الإنسان، وذلك لحجم الدمار والموت والقتل والألم والألم والدماء التي يرونها كل يوم.
المحزن في كل ذلك، بحسب إبراهيم، أنهم لا يملكون الوقت للتوقف أو التعب أو الانهيار. يحملون أجسادهم وقلوبهم وأرواحهم طاقة ربما انتهت أو نفدت منذ أيام، لكن رغم ذلك مستمرون وصامدون.
وهذه الطاقة مستمدة من حبهم لوطنهم وشعبهم وإخلاصهم في عملهم. أن تكون فلسطينياً يعني أن تكون استثنائياً، بغض النظر عن مهنتك أو طبيعة عملك، وهذا واقع، ناهيك عن هذه الظروف الصعبة التي يعيشها قطاع غزة.
ووراء هذا الصمود، يتعرضون لصدمات نفسية كبيرة ومؤلمة. فينتقلون من دائرة الشعور إلى دائرة اللاوعي، ومن دائرة الوعي إلى دائرة اللاوعي. إنهم يكبتون آلامهم وغضبهم ومشاعرهم الإنسانية الحقيقية. لا يمكنهم الصراخ أو البكاء أو الانهيار. ويطلب منهم إنقاذ الآخرين وتضميد جراحهم.
ويشير إبراهيم إلى أن القمع يعد إحدى آليات الدفاع التي يستخدمونها للتخلص من القلق والتوتر الذي قد يعيق عملهم. ويتعرضون كل يوم لصدمات نفسية قوية، ولا يستطيعون فهم مشاعرهم. ويضطرون إلى التكيف مع الضغوط النفسية الناتجة عن الصدمة.
وهذا يتطلب، بحسب إبراهيم، حاجة ملحة، بعد توقف الأحداث، إلى مرحلة طويلة من التعافي النفسي، قد تمتد لأسابيع أو أشهر أو حتى سنوات، لأن ما شاهدوه وواجهوه أثناء قيامهم بعملهم كان قاسيا وقاسيا. مؤلمة وقد تسبب لهم الأرق والكوابيس والاكتئاب. وهم بحاجة إلى الدعم والمساعدة النفسية والاجتماعية. عليهم من المحيطين بهم والمقربين منهم أن يهتموا بأنفسهم حتى يتجاوزوا كل ما مروا به. ورغم كل ذلك ينبغي أن نفخر بهم وعليهم أن يفخروا بأنفسهم أنهم قاموا بواجبهم على أكمل وجه، وإذا انتهت هذه الحرب بالنصر إن شاء الله، فإن جزءا كبيرا من التعب والألم سوف يزول، وسوف يزولون. يشعرون أنهم في أفضل حالة على الرغم من كل ما مروا به.

في غزة…الواجب الإنساني للأطباء والمسعفين يسمو فوق الألم الصامت…

– الدستور نيوز

.