دستور نيوز
كلنا نعول على أن الموت بعيد عنا وعن أحبابنا، إلا في غزة، إلا أهل غزة الذين يشمون رائحة الموت ولو لم يفاجئهم بعد. إنهم مألوفون به وهو مألوف لديهم، وليس بعيدًا عنهم أن يرسموا له صورة أو حجمًا أو لونًا.
هذه قاعدة ثابتة في غزة مثل أهلها، ولأن لكل قاعدة استثناء، اضطر المغتربون الغزيون البعيدون عن أهلهم في قطاع غزة إلى حجب حاسة الشم لديهم وطرد رائحة الموت من أهلهم. لقد كسروا إطار صورة الموت المحفورة في مخيلتهم، وصمدوا طوال الـ 36 ساعة الماضية دون انقطاع. اتصالاتهم مع أهلهم، مع فكرة أن أهلهم بخير… هم بالتأكيد بخير.
36 ساعة مرت على قطع شبكات الاتصال والإنترنت عن غزة بسبب إحدى ممارسات الاحتلال الإجرامية هناك. مثل مرور الموت البطيء، ضاعف الاحتلال بالنسبة للمغتربين الغزيين غربتهم وبعدهم عن حضن أهلهم، مرارة شعور الغربة، ليتركهم في دوامات حرب نفسية تحوم حولهم علامات استفهام كثيرة، كلها تبحث لإجابة واحدة على السؤال: “هل لا يزال والداي على قيد الحياة؟”
ولأن الذي يده في الماء ليس هو نفسه الذي يده في النار، لا نستطيع أن نلمس الشعور الذي يراود المغتربين الغزيين خلال يوم ونصف من قطع الاتصال مع أهاليهم في غزة الذين يعيشون في منطقة تمارس فيها الإبادة الجماعية الصهيونية، ولكن لأن الخيال شيء لا ضرر فيه في مثل هذه الظروف. ولا ضرر من تخيل بعض ما عايشوه، خاصة أن تغريداتهم ودعواتهم على مواقع التواصل الاجتماعي سهلت علينا تكوين صور لحالتهم النفسية.
كيف قاوموا النعاس الذي كاد أن يغمرهم؟ ومن المؤكد أنهم قاوموا ذلك، كما كانوا على يقين من أن عائلاتهم ستقاوم كل عمليات القصف فوق رؤوسهم. هل غطوا أنفسهم وهم يشاهدون الأخبار الشحيحة عن غزة بسبب قطع التواصل مع الكوفية الفلسطينية كوسيلة لشم رائحة أمهاتهم وآباءهم؟ أم أنهم ارتدوا بطانية خيطتها الجدة بالخطافات والصوف ذكرى تأخذها معها لحفيدتها المغتربة في بلد بعيد؟
من يقرأ تغريدة الشباب والشابات الغزيين المغتربين بعد عودة الإنترنت والاتصالات في غزة صباح اليوم، سيتذكر لا إرادياً صوت فيروز في أغنية “سيدتي يا سيدتي” وهي تكافح من أجل الإمساك بالخط لسماعها صوت امرأة من بعيد وتقول: أهلا كحلون؟ سيدتي؟ سيدتي، سيدتي، اشتقت لك. يا سيدتي، لي صوتك، صوتك بعيد، أتيت من الكرم، أتيت من التفاح، صوتك يشبه الشمس، وهو لون التين والزيتون.
تسمع صوت فيروز في “مدينتي”، وتقرأ تغريدة المغتربة الغزية نور بعلوشة، من سكان بجليكا، عندما غردت: “اتصلوا يا جماعة حاولوا ترنوا الخط. استجابت لي أمي يا أمة الله”.
أما المغتربة رواند حلس، فكتبت عبر صفحتها على فيسبوك: “صباح الخير عائلتي على قيد الحياة!”، فيما غردت المغتربة إيناس سلطان التي تعيش في النرويج: “كم نحن حزينون، كم بعدنا. لكن الحمد لله عائلتي بخير”.
ولأن معركة طوفان الأقصى تحمل الكثير من المفاجآت بكل تفاصيلها، فإن سكان غزة اليوم، بعد عودة الإنترنت، فاجأوا العالم بقلب المعايير والأعراف، إذ كانوا يترقبون أي تساؤلات حول سلامتهم وسلامة أرواحهم خلال 36 ساعة من الانقطاع، وطمأنوا العالم على ذلك بمبادرة منهم، من خلال نشر تغريدات وصور تثبت ذلك. إنهم ما زالوا على قيد الحياة.
مثل الناشط المصور الغزي محمد عودة الذي غرد مباشرة بعد عودة الإنترنت: “الحمد لله مازلنا على قيد الحياة”، وكذلك الصحفي معتز العزايزة الذي نشر صورة لنفسه وهو يحمل الدبدوب الأحمر الشهير وسط أنقاض مباني غزة، أكتب فوقها: “الناجون”.
ونشر الناشط أحمد الدردساوي تغريدة، أرفقها صورة مع طفليه وهو يبتسم، وكتب فيها محادثة دارت بينه وبين طفليه: “الشبكة رجعت يا ولد؟ لقد عاد يا قلبي.”
حسنًا، لنلتقط صورة لطمأنتهم.
“عائلتي لا تزال على قيد الحياة!” مغتربو غزة يطمئنون العالم بعد عودة…
– الدستور نيوز