.

أخبار منوعة – “كأس العالم” يدخل صالات السينما.. أزمة ثقافية أم ضرورة اقتصادية؟

الفن و الفنانينمنذ ساعة واحدة
أخبار منوعة – “كأس العالم” يدخل صالات السينما.. أزمة ثقافية أم ضرورة اقتصادية؟


دستور نيوز

في مشهد جديد يعكس التحولات التي يشهدها قطاع السينما بالمغرب، بدأت بعض قاعات السينما الوطنية، مع انطلاقة بطولة كأس العالم 2026، برمجة بث مباريات هذه البطولة العالمية على شاشاتها الكبرى، في خطوة وصفت بالخروج عن الدور التقليدي لقاعة السينما كمساحة مخصصة للفن السابع، وتحولها إلى فضاء مفتوح أمام أنشطة ترفيهية بديلة ذات طابع تجاري بحت.

وتأتي هذه الخطوة في سياق يتسم بتزايد الضغوط الاقتصادية التي تواجهها قاعات السينما، في ظل التحولات التي تفرضها المنصات الرقمية وتغير أنماط الاستهلاك الثقافي لدى الجمهور، الأمر الذي دفع عددا من الممثلين إلى البحث عن صيغ جديدة لتنويع العرض وجذب فئات أوسع من المتابعين.

هذا التوجه الذي يتخذ ظاهريا طابعا تجاريا بحتا مرتبطا بحدث كروي عالمي يحظى بمتابعة جماهيرية واسعة، أثار جدلا في الأوساط السينمائية والثقافية بين من يعتبره خيارا اقتصاديا مشروعا يتوافق مع منطق السوق، ومن يرى فيه مؤشرا على تراجع الوظيفة الثقافية لقاعات السينما وانحرافها تدريجيا عن رسالتها الأصلية.

وفي هذا السياق، برزت تساؤلات حول حدود هذا التحول ومدى تأثيره على نظام العرض السينمائي داخل المغرب، خاصة أن بعض القاعات تعتمد أسعارا تتراوح بين 150 درهما للكبار و100 درهم للأطفال دون سن 12 عاما، وهو ما يضيف بعدا تجاريا أوضح لهذه الخطوة، ويثير بدوره نقاشا أوسع حول العلاقة بين الثقافة والربح ضمن فضاءات يفترض دعمها وتأطيرها ضمن سياسات عمومية تهدف إلى دعم الصناعة السينمائية الوطنية وضمان ازدهارها. الاستمرارية.

كما أعادت هذه التطورات إلى الواجهة مشاكل تتعلق بطريقة إدارة البرمجة السينمائية وتوازنات العرض داخل القاعات، في ظل شكاوى متكررة من المهنيين في القطاع بشأن ممارسات يعتبرونها تمس بشفافية الاستغلال، وهو ما يجعل قرار تبديل الشاشات لبث مباريات المونديال أكثر من مجرد اختيار ظرفي، بل مدخل لفتح نقاش أعمق حول مستقبل قاعة السينما في المغرب وحدود قدرتها على الحفاظ على هويتها الفنية في ظل منطق السوق وضغوط الربحية.

رسائل سلبية

وقال الناقد المغربي عبد الرحيم الشافعي إن هذا التوجه “يبعث برسالة سلبية لصانعي الأفلام والمنتجين والموزعين الذين يستثمرون أموالا وجهودا كبيرة لإيصال أعمالهم إلى الجمهور”، مضيفا: “بدلا من دعم الأفلام المعروضة ومنحها فرصة عادلة لتحقيق النجاح، يتم تقليل حضورها لصالح أحداث رياضية مؤقتة تضمن دخلا سريعا”.

وأضاف الشافعي أن من حق أي مؤسسة أن تسعى إلى الربح، لكن عندما تتحول قاعة السينما إلى فضاء يفضل أي نشاط مربح أكثر على الفيلم نفسه، فإن ذلك يطرح تساؤلا جوهريا حول مدى التزامها برسالتها الأساسية في خدمة الفن السابع ودعم الصناعة السينمائية، مبرزا أن هذه القاعات تستفيد أساسا من دعم المركز السينمائي المغربي، وهو ما يطرح، على حد تعبيره، “السؤال حول كيفية تعامل لجنة الدعم مع هذا السلوك”.

وأكد المتحدث أن المشكلة لا تتوقف عند برمجة مباريات كرة القدم على حساب الأفلام، بل تمتد إلى طريقة تنظيم العروض السينمائية، مشيراً إلى أن عدداً من المخرجين والمنتجين يشكون منذ سنوات من ممارسات يعتبرونها غير شفافة، منها نقل الأفلام بين القاعات أو تغيير مواعيد عرضها دون التشاور المسبق مع أصحاب الحقوق، ما قد يؤثر على معدلات الطلب والدخول.

كما أشار الشافعي إلى أن نظام التذاكر المعتمد بدوره يثير تساؤلات مهنية. وفي بعض الحالات لا يتضمن اسم الفيلم المعروض بشكل واضح، ما يعقد عملية التتبع والمراقبة، مضيفا أن صناع الأفلام المستقلين يشكون من صعوبة الحصول على بيانات دقيقة حول مبيعات التذاكر، وهو ما يفتح نقاشا حول الشفافية في قطاع الاستغلال السينمائي، ومستقبل العلاقة بين المنتجين والموزعين وأصحاب القاعات.

حدود البراغماتية

وقال الناقد المغربي إدريس القاري، في تصريح لهسبريس، إن قرار بعض صالات السينما بوقف عرض الأفلام خلال مباريات مونديال 2026 والتعويض ببث المباريات بأسعار مختلفة أثار أكثر من مجرد نقاش حول حرية المستثمر في تسيير مشروعه، مضيفا أنه “أعاد إحياء سؤال قديم يتجدد كلما اشتدت الضغوط الاقتصادية على الثقافة: أين تنتهي البراغماتية ويبدأ الاستغلال؟ وأين يتوقف الذكاء التجاري وتبدأ الانتهازية”.

وأوضح القاري أن الظروف الصعبة التي تعيشها قاعات السينما «لا يمكن إنكارها»، مشيراً إلى تأثير المنصات الرقمية وتغير عادات المشاهدة وتراجع الطلب على القاعات، ما يجعل البحث عن مصادر دخل إضافية أمراً طبيعياً لضمان الاستمرارية.

وتابع أن ما يحدث خلال المونديال «يتجاوز مجرد تنويع الأنشطة»، موضحا أنه لو أضيفت المباريات إلى البرمجة العادية للأفلام لما أثار الأمر كل هذا الجدل، لكن وقف عروض السينما «يكشف أن الفيلم لم يعد ينظر إليه باعتباره المنتج الأساسي خلال هذه الفترة بل وأقل ربحية من المباراة».

وفي هذا السياق، استذكر الناقد السينمائي مقولة للفيلسوف الألماني تيودور أدورنو، مفادها أن «صناعة الثقافة تجعل من الثقافة سلعة كأي سلعة أخرى»، معتبرا أن ما يحدث اليوم يعكس هذا المنطق، إذ لم يعد الفيلم أو المباراة يقاس بقيمتهما الثقافية أو الفنية، بل بمقدار الدخل الذي يمكن تحقيقه.

وأضاف أن قاعة السينما لم يتم بناؤها لتكون مقهى رياضي ضخم، بل مساحة للفن والخيال والسرد البصري، مستشهدا بقول المخرج الإيطالي فيديريكو فيليني إن «السينما هي الحلم الذي نحلم به جميعا معا»، مبرزا أن تعليق هذا الحلم لصالح عرض رياضي أكثر ربحية يحمل دلالات رمزية عميقة.

وأشار إلى أن الظاهرة لا تكشف فقط عن أزمة القاعة، بل تعكس تحولا أوسع في علاقة المجتمع بالثقافة، حيث أصبحت القيمة تتحدد وفق منطق العرض والطلب، نقلا عن الفيلسوف غي ديبور الذي كتب أن “مجتمع المشاهدة يحول كل شيء إلى عرض”.

وختم القاري حديثه مع هسبريس بالقول إن المشكلة لا تتعلق فقط بقرار تجاري ظرفي، بل برسالة أعمق مفادها أن منطق الربح السريع على الاعتبارات الثقافية قد يثير تساؤلات جوهرية حول مستقبل السينما نفسها ومدى قدرتها على الحفاظ على مكانتها كفن مستقل داخل المجتمع.

#كأس #العالم #يدخل #صالات #السينما. #أزمة #ثقافية #أم #ضرورة #اقتصادية

“كأس العالم” يدخل صالات السينما.. أزمة ثقافية أم ضرورة اقتصادية؟

– الدستور نيوز

اخبار منوعه – “كأس العالم” يدخل صالات السينما.. أزمة ثقافية أم ضرورة اقتصادية؟

المصدر : www.hespress.com

.