.

أخبار منوعة – نسيم حداد: «العيطة المغربية» تراث فني حي يعبر الحدود ويحفظ الذاكرة

الفن و الفنانينمنذ ساعة واحدة
أخبار منوعة – نسيم حداد: «العيطة المغربية» تراث فني حي يعبر الحدود ويحفظ الذاكرة


دستور نيوز

يواصل الفنان والباحث المغربي نسيم حداد ترسيخ حضوره كأحد أبرز الشخصيات التي تراهن على إعادة تقديم فن العيطة برؤية تجمع بين الولاء للأصول والانفتاح على آفاق جديدة، مما يجعل من هذا التراث الفني مشروعا ثقافيا متكاملا يتجاوز حدود الأداء الغنائي نحو البحث والتوثيق والحفاظ على الذاكرة التقليدية.

ونجح حداد خلال السنوات الأخيرة في لفت الأنظار إلى العيطة المغربية من خلال مقاربة تجمع بين الأصالة والابتكار، واضعا نصب عينيه تقديمها كجزء لا يتجزأ من الهوية الثقافية المغربية ووعاء لذاكرة جماعية تشكلت على مدى قرون من التراكمات الإنسانية والاجتماعية.

ومؤخرا، تمكن الفنان الشعبي المغربي من تحقيق إنجاز ثقافي جديد لفن العيطة بعد إدراج هذا التراث الغنائي المغربي في السجل الذهبي لمدينة مونتريال الكندية، في خطوة تعكس المكانة التي يتمتع بها هذا الشكل الفني الآن كأحد أبرز أشكال التراث والتعبير الثقافي في المغرب، وقدرته على الوصول إلى الفضاءات العالمية دون المساس بخصوصيته وهويته.

في هذه المقابلة مع هسبريس، يتحدث نسيم حداد عن أصداء جولته الفنية الأخيرة في كندا، ورؤيته لمستقبل العيطة المغربية، وكيفية الجمع بين البحث الأكاديمي والممارسة الفنية. كما يكشف عن ملامح مشروعه الثقافي الهادف إلى توثيق التراث غير المادي والحفاظ على الذاكرة الشفوية، بالإضافة إلى مواضيع أخرى.

كيف تقيمين نجاح جولتك الفنية الأخيرة بكندا، خاصة على مستوى تفاعل الجالية المغربية مع عروض العيطة في الفضاءات والمسارح الكبرى مثل الأولمبيا؟

ومن المؤكد أن هذه الجولة ستبقى راسخة في وجداني، إذ عشنا لحظات استثنائية، بدءا من إحياء أمسيتين متتاليتين على مسرح أولمبيا بمونتريال، مرورا بالإقبال الجماهيري الكبير والتفاعل المؤثر الذي رافق مختلف محطات الجولة، وصولا إلى لحظات رمزية أعتز بها كثيرا، مثل التوقيع على الكتاب الذهبي لمدينة مونتريال، والاستقبال الذي حظينا به في البرلمان الكندي، وهي لحظات تحمل قيمة رمزية كبيرة لأنها تعكس المكانة التي يمكن أن يتمتع بها التراث المغربي. تصل عندما تعرض عليها رؤية تؤمن بها.

لكن التقييم الحقيقي لأي جولة فنية لا يقاس فقط بعدد الحضور أو بحجم القاعات، بل بما يكشفه من قدرة الثقافة على عبور الحدود دون أن تفقد معناها، وهذا بالنسبة لي هو الجانب الأهم.

ما أثار اهتمامي بكندا لم يكن وجود الجالية المغربية فحسب، بل الشعور بأن الصوت المولود في سياقات محلية محددة لا يزال قادرا على إحداث نفس التأثير على الأشخاص الذين يعيشون في مساحات جغرافية وثقافية مختلفة تماما. وهنا لا يصبح السؤال: كيف وصلت العيطة إلى كندا؟ بل: ما هي التجربة الإنسانية التي يحملها العيطة والتي تجعله قادرا على قطع هذه المسافة؟

هل تعتبرين هذا الطلب مؤشرا على أن فن العيطة أصبح قادرا على تجاوز حدوده المحلية نحو جمهور عالمي أوسع؟

ومن المؤكد أن هذا الطلب مؤشر إيجابي وحافز كبير للاستمرار في هذا الطريق، لكني أعتقد أن العالمية لا تتحقق عندما تخرج الفنون من حدودها المحلية، بل عندما تصل إلى هذا العمق الذي يجعل الآخرين يتعرفون على جزء من أنفسهم فيها.

ولمست ذلك في تفاعل عدد من الحضور الأجانب، وفي فضولهم حول هذا الفن، وفي إعجابهم بالعلاقة بين المغاربة والعيطة. كان جميلًا رؤية أشخاص لا يفهمون اللغة بالضرورة ولكنهم كانوا متناغمين مع الإيقاع، ويتابعون العرض بشغف، ويشعرون بأن شيئًا إنسانيًا كان يصل إليهم.

كل الفنون الكبرى كانت محلية في بداياتها، وما يمنحها القدرة على الحركة ليس التخلي عن خصوصيتها، بل على العكس تماما. في جوهرها، الأغنية ليست مجرد تعبير عن منطقة أو جماعة أو مرحلة تاريخية، ولكنها أيضًا وسيلة لسرد العالم بالصوت، ومن هنا تأتي قدرتها على مخاطبة الآخرين أينما كانوا.

أنت تجمع بين البحث الأكاديمي والممارسة الفنية. كيف ينعكس هذا التقاطع على رؤيتك في تقديم العيطة؟

ولعل تدريبي العلمي جعلني أقل ميلاً للتعامل مع التراث كشيء ثابت أو كامل. في العلم، نتعلم أن كل ظاهرة معقدة هي نتيجة لشبكة من العلاقات والتفاعلات، وينطبق الشيء نفسه على الثقافة.

ولذلك فإنني لا أتعامل مع العيطة باعتبارها مجرد ألحان أو نصوص، بل باعتبارها نظاما ثقافيا حيا تتفاعل فيه اللغة والإيقاع والذاكرة الجماعية وأنماط الحياة والخيال الرمزي.

ومن هذا المنطلق، فإن عملي الفني اليوم لا يقوم على تحديث المنزل أو تجميده، بل على محاولة فهم منطقه الداخلي، بحيث يأتي التجديد من داخله، وليس مفروضاً عليه من الخارج.

ما أبرز التحديات التي واجهتك في تقديم هذا التراث الموسيقي لجمهور متعدد الثقافات؟

التحدي الأكبر برأيي هو تحقيق التوازن بين الحفاظ على العمق الأصلي للتراث وجعله قابلاً للتفاوض خارج مجاله الأساسي. عندما تنتقل ثقافة ما من سياق إلى آخر، يكون هناك دائمًا إغراء لتبسيطها وتحويلها إلى صورة سهلة الاستهلاك.

ولهذا أحاول دائما تقديم العيطة كتجربة ثقافية كاملة، وليس مجرد مادة فنية للعرض، لأن احترام الجمهور يبدأ باحترام ذكائه، واحترام التراث يبدأ بالحفاظ على تعقيده وغناه.

إلى أي مدى ساهمت مواقع التواصل الاجتماعي في إعادة الأضواء إلى فن العيطة؟

وفي اعتقادي أن مواقع التواصل الاجتماعي ما هي إلا امتداد لسلسلة طويلة من الوسائط التي استخدمتها المجتمعات للحفاظ على أصواتها وقصصها وتجاربها. يبحث الإنسان دائمًا عن طرق الحفاظ على تجاربه ونقلها إلى الآخرين، وقد وفرت المنصات الرقمية مساحة واسعة لهذا الأمر.

قد تساهم التكنولوجيا في تغيير سرعة انتقال الثقافة ومدى انتشارها، لكن يجب ألا تغير طبيعة حاجة الإنسان إلى الثقافة نفسها.

أنت تتحدث عن مشروع لإحياء التراث غير المادي.. كيف يترجم هذا المشروع خارج إطار العروض الفنية؟

لقد بدأت أتجنب كلمة «إحياء»، لأن التراث ليس شيئاً ميتاً يجب علينا إحياؤه، بل هو كيان ثقافي حي يتغير باستمرار.

المشروع الحقيقي بالنسبة لي هو ضمان استمرارية هذا الإرث في عالم مفتوح يتغير بسرعة كبيرة.

ولهذا لا يقتصر المشروع على العروض الفنية فقط، بل يشمل التوثيق والبحث والكتابة والأرشفة، من موسوعة العيطة، إلى مشروع المتحف الصوتي، إلى جمع ما تبقى من الذاكرة الشفهية المهددة بالانقراض، لأن العرض الفني، مهما بلغ نجاحه، يبقى لحظة عابرة، لكن التوثيق هو ما يسمح للذاكرة بالاستمرار من بعدنا.

وهي كلها آليات ترافق العروض الفنية، وتؤسس لمشروع جولة عيتا العالمية كمشروع ثقافي ممتد، وليس مجرد سلسلة حفلات.

لأنني أؤمن أن الثقافة التي لا توثق نفسها معرضة لخطر فقدان جزء من ذاكرتها مع كل جيل جديد.

هل تعتقدين أن هناك جيلاً جديداً قادراً على مواصلة هذا المسار؟

يعلمنا التاريخ أن الثقافات لا تحيا بفضل الأفراد، بل بفضل قدرتها على إنتاج حامليها باستمرار، وأعتقد أن التحدي اليوم لا يتعلق فقط بوجود جيل جديد مهتم بالعيطة، بل بطبيعة العلاقة التي سيبنيها هذا الجيل مع تراثه.

غالبًا ما ظلت علاقة ممارس العيتا دون تغيير عن عباءة أسلافه، لكن السياقات تغيرت، والعالم تغير، ومن الطبيعي أن تتغير طرق التفاعل مع الثقافة أيضًا.

وعلينا أن نبني علاقة جديدة مع العيطة، ليس فقط كشكل موسيقي من التراث المغربي، بل كجزء من الذاكرة الإنسانية المتراكمة عبر أجيال طويلة من التجارب والأصوات والقصص.

ومن هنا، أعتقد أن الأجيال القادمة ستكون قادرة على مواصلة هذا المسار، وربما الارتقاء به إلى مستويات أعلى مما نتصوره اليوم.

ما هي الرسالة التي توجهها إلى الجمهور المغربي داخل وخارج الوطن؟

وهي قبل كل شيء رسالة شكر ومحبة وامتنان.

أراهن على الجمهور المغربي، وما زلت أؤمن بقدرته على إدهاش العالم. في كل مدينة نزورها، داخل الوطن أو خارجه، أجد نفس الحماس، وأسمع نفس الصرخة، وأشعر أن العيطة لا تزال قادرة على جمع الناس حول ذاكرة مشتركة.

أعتقد أن الأمم لا تقاس فقط بما تمتلكه من موارد أو بالإنجازات المادية التي تحققها، بل أيضا بالذاكرة التي تنجح في الحفاظ عليها.

وأقول لكل المغاربة إننا نحمل ذاكرة ضاربة في عمق التاريخ الإنساني، تشكلت عبر قرون طويلة من التراكمات الإنسانية والثقافية، والحفاظ على هذه الذاكرة ليس مسؤولية جيل واحد، بل مسؤولية جماعية تجاه المستقبل.

#نسيم #حداد #العيطة #المغربية #تراث #فني #حي #يعبر #الحدود #ويحفظ #الذاكرة

نسيم حداد: «العيطة المغربية» تراث فني حي يعبر الحدود ويحفظ الذاكرة

– الدستور نيوز

اخبار منوعه – نسيم حداد: «العيطة المغربية» تراث فني حي يعبر الحدود ويحفظ الذاكرة

المصدر : www.hespress.com

.