.

أخبار منوعة – لعبة الرعب في فيلم “الهوس”.. الرومانسية تتحول إلى متاهة نفسية

الفن و الفنانينمنذ ساعة واحدة
أخبار منوعة – لعبة الرعب في فيلم “الهوس”.. الرومانسية تتحول إلى متاهة نفسية


دستور نيوز

هناك أفلام ترعبنا بما نراه، وأفلام أخرى ترعبنا بما تكتشفه فينا. “الهوس” ينتمي إلى الفئة الثانية. تلك الأعمال النادرة التي لا تطرق باب الخوف من الخارج، بل تتسلل إلى غرف الروح المغلقة، حيث تختبئ الرغبات المنسية، والهشاشة التي نخجل من الاعتراف بها، والحاجة العميقة إلى المحبة مهما كان الثمن. يضعنا الفيلم منذ لحظاته الأولى أمام مرآة قاسية لا تعكس وجوه شخصياته فقط؛ لكنه يعكس وجوهنا أيضاً، ويجبرنا على مواجهة أسئلة لا مفر منها: متى يتحول الحب إلى سجن؟ متى يصبح التعلق والتملك شكلاً من أشكال العنف المهووس؟ هل يمكن أن تتحول الرغبة في الحفاظ على من نحب إلى لعنة تلتهمنا من الداخل؟

لا يقدم هذا الفيلم الرعب كوحش يخرج من الظلام، بل كفكرة تنمو ببطء داخل القلب، كجذر مخفي يمتد إلى أعماق الروح حتى يخنقها. هنا لا تبدو الشخصيات مجرد ضحايا لقوة غامضة؛ لكنهم ضحايا احتياجاتهم العاطفية وجوعهم الوجودي للاعتراف بهم والاحتواء. ومع تطور الأحداث يتحول السؤال من: ماذا سيحدث للشخصيات؟ إلى: ماذا يحدث للإنسان عندما يخلط بين الحب والتملك، وبين القرب والسيطرة، وبين الخوف من الخسارة والرغبة في السيطرة؟

لا يمكن اعتبار فيلم «الهوس» مجرد قصة عن لعنة، بقدر ما هو مرثية مؤلمة لوحدة الإنسان المعاصر، وتأمل نقدي ثاقب في هشاشة المشاعر عندما تفقد حريتها. إنه فيلم يثير المزيد من القلق، ويترك المشاهد في مواجهة حقيقة مزعجة؛ وهو أن الأشباح الأكثر رعباً ليست تلك التي تسكن المنازل المهجورة، بل تلك التي تسكن أعماقنا، ونسميها الحب.

لعبة الافتراس والرعب النفسي

في فيلم الهوس/ «الهوس» أو «الحيازة» (المدة: 108 دقيقة/ 2026/ إنتاج أميركي بريطاني) للمخرج الأميركي كاري باركر، لا يبدو الرعب مجرد ظلال تتحرك داخل منزل مظلم، ولا مجرد لعنة خارقة للطبيعة تزحف من شجرة أمنيات غامضة. بل يتحول الرعب إلى سؤال وجودي عميق حول معنى الرغبة نفسها، وعن الثمن الذي يدفعه الإنسان عندما يحاول إجبار العالم على منحه الحب بالقوة.

منذ اللقطة الأولى، يغرس المخرج إحساساً خانقاً بالوحدة، حيث تظهر شخصية «الدب» (التي يؤدي دورها مايكل جونستون) كشخصية محطمة عاطفياً، شاب يتحرك داخل مساحات باردة، يختبئ خلف الموسيقى والنظرات المشوشة والكلمات غير المكتملة. الكاميرا لا تلاحقه كبطل، بقدر ما تلاحقه ككائن هش يجر خلفه خوفه من الرفض والعار الكبير، وكأن الفيلم يريد أن يقول إن الرعب الحقيقي يبدأ قبل ظهور الوحش، داخل القلب نفسه.

يبني الفيلم قصته على مبدأ بسيط ولكنه مرعب: كل رغبة محققة تحمل في داخلها بذرة خرابها. عندما يكسر بير غصن شجرة الصفصاف ذات الرغبة الواحدة، لا يحدث الانفجار الدرامي على الفور، بل يبدأ تسلل اللعنة البطيء إلى تفاصيل الحياة اليومية. وهنا تكمن عبقرية السيناريو. الرعب لا يأتي من الخارج. بل ينمو تدريجياً ضمن العلاقة العاطفية نفسها. لا تتحول شخصية «نيكي فريمان» (التي تلعب دورها الشابة عناد نافريت) فجأة إلى كائن مرعب؛ لكنه يبدأ بالارتباط المرضي، بالمراقبة، بالخوف من الخسارة، ثم بالهيمنة. وهكذا يصبح الحب نفسه شكلاً من أشكال الافتراس.

ومن أكثر المشاهد هوساً في الفيلم هو المشهد الذي تجلس فيه نيكي أمام المرآة ليلاً بينما ينعكس وجهها في زجاج النافذة بشكل مزدوج. وفي تلك اللحظة يختفي الفرق بين العاشق والشبح. المشهد لا يعتمد على دماء أو صراخ، بل على تركيبة بصرية باردة وصمت طويل يجعل المشاهد يشعر بأن هناك شيئاً يتآكل داخل الشخصية. وهنا يتجلى ذكاء المخرج في بناء الرعب النفسي. إنه رعب مبني على التوتر الداخلي، وعلى الشعور بأن المشاعر نفسها يمكن أن تصبح مرضاً قاتلاً.

الهبوط إلى الهاوية

تتحرك قصة الفيلم وكأنها انحدار بطيء إلى الهاوية. يبدو كل مشهد وكأنه امتداد عضوي للمشهد الذي قبله، وكأن السيناريو ينسج شبكة خانقة حول الشخصيات دون منحهم فرصة البقاء على قيد الحياة. يبدو أن الحوارات مكتوبة بلغة تبدو عادية؛ لكنها محملة بإشارات تهديد مستترة. عندما تقول نيكي: “أريدك لنفسي وحدي”، تبدو العبارة محملة بلمسة رومانسية في البداية. لكنه يتحول فيما بعد إلى إعلان رعب كامل. هذا التحول الدلالي هو ما يمنح الفيلم قوته؛ لأن الكلمات العاطفية نفسها تصبح أدوات للاختناق النفسي.

يعتمد السيناريو على تفاصيل دقيقة بين الرغبة والخوف، بين العلاقة الحميمة والعنف، بين الواقع والهلوسة. هناك مشهد محوري عندما يكتشف بير أن اللعنة لا تمنح الحب الحقيقي، بل تخلق نسخة مشوهة منه. في تلك اللحظة، تنهار الفكرة الرومانسية التقليدية للفيلم، ويتحول العمل إلى تأمل مظلم في الأنانية العاطفية. فالرغبة هنا لا تمثل الخلاص، بل هي لعنة وجودية. لأن الإنسان عندما يحاول أن يمتلك آخر بشكل كامل فإنه يدمره ويدمر نفسه معه.

يلعب الفضاء البصري للفيلم دورًا سرديًا حاسمًا. الألوان الفاتحة والإضاءة الخافتة والممرات الطويلة داخل المنزل تعكس الحالة النفسية للشخصيات. تأتي الموسيقى كالهمسات البعيدة، لا تهاجم المشاهد بشكل مباشر أبدًا؛ لكنها تزحف ببطء إلى أعصابه. في بعض الأحيان، يبدو الفيلم وكأنه قصيدة حزينة عن الوحدة أكثر من كونه فيلم رعب تقليدي.

من أكثر لحظات الفيلم قسوة وشاعرية هي نهاية الفيلم، حيث لا يقدم الفيلم خلاصاً أخلاقياً واضحاً؛ لكنه يترك شخصياته غارقة في دمارهم العاطفي. تبدو النظرة الأخيرة في عيون شخصية «الدب» بمثابة اعتراف متأخر بأن الإنسان لا يستطيع أن يختزل الحب إلى التملك، وأن الحب الذي ينتزع بالقوة يتحول دائماً إلى شكل آخر من أشكال الموت.

لا يمكن اعتبار الفيلم لعنة غامضة بقدر ما هو تعبير عن هشاشة الإنسان عندما يصبح أسيراً لرغباته. إنه عمل يحول الرومانسية إلى متاهة نفسية خانقة، ويجعل الحب نفسه أكثر الأشياء رعباً على الإطلاق.

في مخاطر العزلة العاطفية

تنتمي شخصية “الدب” إلى ذلك النوع من الأبطال الذي لا يمتلك قوة خارقة، ولا يمتلك يقينًا أخلاقيًا راسخًا. لكنه يعيش في هشاشته، وكأنه يمشي على زجاج مكسور. إنه بطل القلق الوجودي في سينما الرعب النفسي، الشخصية التي لا تحارب الوحش الخارجي فحسب؛ لكنها تعاني من الفراغ العاطفي الذي يلتهمها من الداخل. ولذلك يبدو حضوره أحياناً باهتاً ومتردداً وبنظرة منكسرة، وكأن الفيلم يحاول عمداً أن يسحب من بطله كل سمات البطولة التقليدية لكي يجعله أقرب إلى الإنسان المعاصر. كائن يخاف من الوحدة أكثر من الموت.

لا يدافع بير عن الحب بقدر ما يدافع عن حاجته إلى أن يكون مرئيًا داخل العالم؛ وهذه هي حساسيته الكبرى. يخاف أن يمر بالحياة دون أن يترك أثراً في قلب أحد. ولذلك تتحول رغبته العاطفية إلى كناية عن جوع الإنسان للاعتراف والاحتواء. وحين يقول في أحد المشاهد: «أردت فقط أن أشعر بأنني مهم لدى شخص ما»، تبدو العبارة كاعتراف جيل كامل يعيش عزلة عاطفية خانقة رغم ضجيج العالم الرقمي.

وفي هذا النوع من السينما، لا يمكن اعتبار البطل منقذًا، بل ضحية وممثل في نفس الوقت. إنه ينتمي إلى ما يسمى بـ “البطل في الأزمة”، الشخصية التي تسقط لأنه يحمل في داخله بذرة سقوطه. كل خطوة يخطوها الدب نحو الحب تدفعه نحو الخراب أكثر. وهنا تتجلى قسوة الفيلم، فهو لا يعاقب الشرير فحسب، بل يعاقب الرغبة الإنسانية نفسها عندما تتحول إلى حيازة.

أما “نيكي” فلا يمكن اعتبارها إنسانة ممسوسة باللعنة؛ لكنها مرآة مظلمة لفكرة الحب المشروط بالخوف. يمنحها الفيلم حساسية معقدة. إنها لا تريد الأذى بقدر ما تخشى الهجر. كل عنفها ينبع من رعبها الداخلي. لذلك تصبح شخصيتها أكثر مأساوية من الشر. وفي إحدى اللحظات الخانقة تقول وهي تبكي: «لو تركتني سأختفي». هنا يفهم المشاهد أن الرعب الحقيقي ليس الدم، بل ذلك الخوف البدائي من أن يتحول الإنسان إلى العدم في ذاكرة من يحب.

والشخصيات الثانوية بدورها لا تعمل كديكور سردي، بل كأصوات تحاول مقاومة الانهيار النفسي للبطل. يمثل “إيان” (الذي يلعب دوره كوبر توملينسون) العقلانية المذعورة، الشخص الذي يرى الكارثة قبل وقوعها؛ لكنه عاجز عن منعها. حضوره داخل الفيلم يشبه صوت الضمير الراحل، فيما تتحول «سارة» (التي تلعب دورها ميغان لوليس) إلى شاهد حزين على تفكك العلاقات الإنسانية عندما تدخل في الهوس.

في معنى الصدوع الداخلية للإنسان

الفيلم لا يدافع عن الحب الرومانسي، بل عن الحرية العاطفية للإنسان، ويدين الرغبة في امتلاك الآخرين، ويكشف كيف يمكن للمشاعر الجميلة أن تتحول إلى أدوات ناعمة للقمع. فالحب هنا لا يمثل الخلاص، بل يمثل اختبارًا أخلاقيًا قاسيًا. بسؤال عميق: هل تستطيع أن تحب شخص دون أن تحبسه داخل خوفك؟

لم تعد سينما الرعب النفسي الحديثة، كما قدمها فيلم «الهوس»، تبحث عن الوحوش التقليدية؛ يتعلق الأمر بالانقسامات الداخلية للإنسان الحديث. الوحش الحقيقي في الفيلم لا يمثل اللعنة؛ لكن الفراغ العاطفي هو الذي يجعل الإنسان مستعداً لتدمير العالم حتى لا يبقى وحيداً. لذلك، يبدو «الدب» مشابهاً لأبطال سينما القلق والغربة. تتحرك الشخصيات داخل المدن والعلاقات وهي تحمل هشاشتها كالجرح المفتوح.

لا يخرج المشاهد خائفًا من الشجرة الملعونة، بل من نفسه. ومن تلك اللحظة قد يمتزج الحب بالخوف ورغبة الهيمنة والحاجة إلى التدمير. وهنا ينجح الفيلم في خلق أعظم رعب فيه؛ لجعل الشخص يشك حتى في أنقى مشاعره.

التكرار العاطفي

ورغم أن “الهوس” حظي بإشادة واسعة النطاق بسبب جوه النفسي الثقيل وحساسيته البصرية، إلا أن العمل لم يسلم من انتقادات انتقادية متعددة. وقع الفيلم في انسيابية وفي بعض الأحيان بطء سردي مبالغ فيه، خاصة في الوسط، حيث تتحول المشاهد التأملية الطويلة إلى حالة من التكرار العاطفي الذي يضعف إيقاع التوتر. كما اعتمد السيناريو على فكرة معروفة داخل سينما الرعب، وهي تقوم على «تحقيق الرغبة الملعونة»، من دون تقديم ثورة جذرية في هذا القالب الكلاسيكي.

كما أن بناء شخصية «نيكي» وتحولها النفسي نحو الهوس والعنف يحتاج إلى عمق أكبر، حتى لا تبدو اللعنة بمثابة تفسير جاهز لكل تصرفاتها. في المقابل، يبالغ الفيلم في شاعريته البصرية على حساب الرعب المباشر، إذ يفضل الصمت والرمزية بدلا من المواجهات الصادمة التي يتوقعها جمهور الرعب التقليدي.

إلا أن معظم الانتقادات نفسها تحولت إلى جزء من تفرد الفيلم؛ لأنه اختار أن يكون دراسة نفسية للحب المريض والمشروط بدلاً من فيلم رعب تجاري سريع الوتيرة.

ختاماً

“الهوس” يترك وراءه علامة تشبه الندبة أكثر من كونها ذكرى. إنه فيلم لا ينتهي عند المشهد الأخير؛ لكنه يبدأ بداخله، في تلك المنطقة المظلمة حيث تمتزج الرغبة بالخوف والحب بالتملك. قوتها الحقيقية لا تكمن في اللعنة أو الرعب النفسي وحده، بل في قدرتها على كشف هشاشة الإنسان عندما يحاول امتلاك ما لا يستطيع امتلاكه. ورغم بعض تعثراتها السردية وبطء وتيرتها أحياناً، إلا أنها تنجح في تحويل المشاعر إلى ساحة صراع وجودي مؤلم. إنه عمل يهمس بالحقيقة القاسية وهي أن الوحوش الأكثر فتكاً ليست تلك التي تسكن في الظلام؛ لكنها هي التي تنمو بصمت داخل القلب.

#لعبة #الرعب #في #فيلم #الهوس. #الرومانسية #تتحول #إلى #متاهة #نفسية

لعبة الرعب في فيلم “الهوس”.. الرومانسية تتحول إلى متاهة نفسية

– الدستور نيوز

اخبار منوعه – لعبة الرعب في فيلم “الهوس”.. الرومانسية تتحول إلى متاهة نفسية

المصدر : www.hespress.com

.