.

أخبار منوعة – فيلم «القمة» يطرح سؤال البقاء بين الخوف والعزلة وجراح الذاكرة

الفن و الفنانينمنذ 20 دقيقة
أخبار منوعة – فيلم «القمة» يطرح سؤال البقاء بين الخوف والعزلة وجراح الذاكرة


دستور نيوز

في فيلم Apex، لا يبدأ الرعب مع ظهور القاتل، بل منذ تلك اللحظة التي يكتشف فيها الإنسان أنه أصبح وحيدًا أمام نفسه، مجردًا من الضجيج، ومن المدن، ومن الأوهام التي أخفت هشاشته. هنا، وسط برية أستراليا المقفرة، ليست الأشجار مجرد أشجار، ولا الصخور مجرد تضاريس صامتة، بقدر ما تتحول الطبيعة إلى محكمة كونية تختبر قدرة الناس على الصمود، ومواجهة ذكرياتهم الثقيلة، وخوفهم البدائي، وجراحهم التي لم تلتئم. وما معنى البقاء عندما يكون العدو الحقيقي مختبئاً في النفس؟ هل يمكن للإنسان أن يهرب من حزنه إذا كانت الطبيعة نفسها تردد آلامه في كل خطوة؟

الفيلم، الذي أخرجه بالتاسار كورماكور، ليس مغامرة صيد وقنص تقليدية، بل هو تأمل فلسفي خانق في العزلة وحدود الإنسان عندما يُدفع إلى حافة الانهيار. ومن خلال أداء تشارليز ثيرون الناري، تتحول البطلة إلى صورة إنسان يركض في البرية محاولاً إنقاذ ما تبقى من نفسه. ويبقى السؤال: هل البرية حقا مكان للهروب أم أنها المرآة القاسية التي تكشف حقيقتنا العارية؟ هل يتحول الخوف في مرحلة ما إلى شكل آخر من أشكال الحرية؟

أبيكس/ “القمة” ليس مجرد فيلم تشويق، بإيقاعات وأسلوب السينما الغربية، بقدر ما هو رحلة في الظلام الإنساني، حيث يصبح البقاء سؤالا أخلاقيا ووجوديا، وليس مجرد انتصار جسدي على الموت.

سينما “البطل الجريح”

في فيلم القمة/ «الذروة» (2026/ 96 دقيقة) للمخرج الأيسلندي، لا تبدو الطبيعة الأسترالية مجرد خلفية بصرية لمغامرة عابرة، بل تتحول إلى كائن هائل يراقب الشخصيات ويختبر هشاشتهم النفسية والجسدية. منذ اللحظات الأولى، يضع المخرج بالتازار كورماكور، بطلة الفيلم ساشا، التي تلعب دورها تشارليز ثيرون، داخل مساحة برية قاسية، حيث تمتزج العزلة بالخوف، ويتحول الحزن الشخصي إلى رحلة وجودية للبقاء. البطلة لا تمثل مجرد امرأة تهرب من الماضي الأليم، بل شخصية تنتمي إلى تقليد «البطل الجريح» في سينما المغامرات الحديثة، الشخص الذي يدخل الطبيعة محاولا إنقاذ نفسه قبل الهروب من الخطر الخارجي.

حضور البطلة في الفيلم مبني على التناقض بين الضعف والقوة. تحمل جرحًا داخليًا عميقًا نتيجة فقدان عزيز، لكن هذا الانكسار يتحول تدريجيًا إلى مصدر للمقاومة. وتقول: “عندما تفقد كل شيء، يصبح الخوف بلا معنى”. هذه العبارة تلخص الروح الفلسفية للفيلم، حيث المعركة الرئيسية ليست فقط ضد القاتل، بل أيضاً ضد الانهيار النفسي والذاكرة الثقيلة. الشخصية هنا ترفض أن تختزل في صورة الضحية، وبالتالي تتحول مطاردة القاتل إلى مواجهة معاكسة، يصبح فيها المفترس مهددا من فريسته نفسها.

أما شخصية القاتل تومي، الذي يلعب دوره إريك بانا، فيظهر كتجسيد للعنف المختبئ داخل الطبيعة البشرية. إنه رجل يعتقد أن البرية تكشف “الحقيقة الأصلية” للإنسان، إذ يقول ببرود مخيف: “في الغابة لا توجد قوانين، هناك فقط من يتحمل أطول”. هذه الرؤية تجعل الفيلم قريباً من أفلام المطاردة النفسية التي تستكشف العلاقة بين القوة والخوف، حيث تتحول الطبيعة إلى مختبر أخلاقي يختبر حدود الإنسان.

الفيلم يدعو بوضوح إلى فكرة مقاومة الاستسلام. فهو لا يقدم البطولة كقوة خارقة للطبيعة، بل كقدرة على الاستمرار رغم الانكسار. لذلك فإن العلاقة بين البطلة والطبيعة تتغير تدريجياً. في البداية تبدو الأشجار والجبال والوديان مساحات معادية، ثم تتحول إلى حلفاء خفيين يمنحونها القوة والمعرفة. وهنا يقترب الفيلم من تقاليد سينما الطبيعة التي ظهرت في أعمال مثل The Revenant وInto the Wild، حيث تصبح البرية مرآة داخلية تكشف حقيقة الشخصيات.

كما يعيد الفيلم روح أفلام المغامرات الكلاسيكية المرتكزة على العزلة والصراع من أجل البقاء، لكنه يضيف لها بعدًا نفسيًا معاصرًا. المغامرة هنا لا تشكل بحثاً عن الكنز أو اكتشاف أرض مجهولة، بل هي محاولة لاستعادة الذات المكسورة. ولهذا يبدو الأداء الجسدي والنفسي لشخصية (بن) التي يؤديها ثارون إرغتون في دوره الداعم، عنصرا مهما في بناء التوتر، خاصة عندما يقول للبطلة: «الطبيعة لا تنقذ أحدا، لكنها تكشف من نحن حقا».

بصريًا، يعتمد الفيلم على اتساع المناظر الطبيعية وفترات الصمت الطويلة التي تجعل أصوات الرياح والحيوانات جزءًا من السرد. البرية في Apex ليست زخرفة، بل هي شخصية إضافية تشارك في خلق الرعب والتشويق. ومن خلال هذا المزج بين الإثارة النفسية وسينما الطبيعة، ينجح الفيلم في تقديم قصة عن إنسان يضطر إلى مواجهة تطرفه، وعندما يكتشف أن البقاء على قيد الحياة ليس دائمًا انتصارًا جسديًا، بل القدرة على الوقوف مرة أخرى وسط الدمار.

ثلاثية الخوف والعزلة والمقاومة

ومما يمنح فيلم «القمة» قوته البصرية، العمل الدقيق على المشاهد التي تتحول فيها الصورة إلى لغة نفسية كاملة. لا يبني المخرج التشويق من خلال المطاردات فقط، بل من خلال لحظات صامتة تبدو فيها الطبيعة تتنفس مع الشخصيات وتراقب انهياراتها الداخلية. هناك مشهد حاد للغاية عندما تظهر البطلة ساشا بمفردها على هضبة صخرية مع غروب الشمس الأحمر القاسي، بينما تعصف الريح بملابسها ووجهها المتعب. الكاميرا هنا لا تصور امرأة ضائعة فحسب، بل إنسانة تقف على الحافة بين الرغبة في الاستمرار والاستسلام التام، وتقول بصوت مكسور: “أشعر وكأن العالم يختبر ما بقي مني”. وهو لا يعبر عن حالتها النفسية وحدها، لكنه يلخص فلسفة الفيلم بأكمله.

المشهد الثاني هو لحظة اكتشاف البطلة للآثار الأولى للقاتل داخل الغابة. ولا يعتمد المشهد على الموسيقى الصاخبة، بل على الصمت الثقيل وأصوات الحشرات والخشب المتكسر تحت الأقدام. هنا تتحول الطبيعة إلى مساحة من الرعب البدائي، حيث يصبح كل ظل احتمالاً للموت. تكمن براعة الفيلم في جعله خوفاً يتولد من الفراغ نفسه، ومن المساحات الشاسعة التي تبدو بلا نهاية. عندما يظهر القاتل تومي بوضوح لأول مرة، فإنه لا يظهر كوحش تقليدي، بل كرجل هادئ بشكل مخيف. ويجلس بالقرب من النار وينظر إليها بثبات قائلاً: “الناس لا يخافون من الموت، بل يخافون من أن يُتركوا وحدهم معه”. وهذا القول يمنح الشخصية بعدًا فلسفيًا يجعله أقرب إلى الصياد النفسي الذي يعتقد أن العزلة تكشف جوهر الإنسان.

كما يعمل الفيلم على جمالية الجسد المنهك. كل جرح تصاب به البطلة يصبح علامة مرئية لمعركة داخلية أعمق. وفي واحد من أكثر المشاهد المؤثرة، تنهار بالقرب من جدول بعد مطاردة طويلة، ثم تنظر إلى انعكاس وجهها الملطخ بالطين والدم وتقول: “لم أعد أعرف من أنا بعد الآن، لكنني أعلم أنني لن أركع”. وهنا يتحول الجسد إلى فضاء للمقاومة، ويصبح البقاء فعل تحدي وجودي وليس مجرد غريزة البقاء.

نحو بناء صورة بدائية

ومن المشاهد التي لها بعد سينمائي لافتا، المواجهة الليلية داخل الكهف، حيث يستخدم المخرج الظلام والنار لبناء صورة بدائية للصراع بين الإنسان والخوف. ضوء النار المرتعش يجعل الوجوه نصف مرئية، وكأن الشخصيات تتحرك داخل كابوس بدائي يعود إلى العصور الأولى للصيد والطيران، عندما يقول تارون إيغرتون: “عندما يختفي الضوء، يبدأ الوحش الحقيقي في الكلام”. تكشف هذه العبارة كيف يتحول الظلام في الفيلم إلى كناية عن الذاكرة والألم والرغبات المكبوتة.

وتحمل النهاية أيضًا واحدة من أقوى الصور، عندما تقف البطلة فجرًا بعد نجاتها، بينما تبدو الطبيعة هادئة لأول مرة. لا موسيقى منتصرة، ولا خطاب بطولي مباشر، بل فقط صمت طويل يحمل معنى القيامة، أي أن الشخصية خرجت من البرية مختلفة تماما، وكأنه مر بطقوس وجودية أعادت تشكيله. وهكذا تنجح Apex في تحويل المغامرة إلى تأمل بصري في آلام الإنسان، وفي جعل المشهد السينمائي مساحة فلسفية يتقاطع فيها الخوف والطبيعة والبقاء.

ورغم قوته البصرية، تعرض الفيلم لعدة انتقادات، خاصة فيما يتعلق ببطء وتيرته واعتماده المفرط على الصمت والمشاهد التأملية الطويلة. وهناك من يرى أن المخرج أعطى الجانب الفلسفي والنفسي مساحة أكبر من الحبكة التشويقية، وهو ما جعل بعض المقاطع تبدو ممتدة أكثر من اللازم. كما اتجهت التعليقات إلى بناء شخصية القاتل، إذ ظلت الشخصية رغم حضورها المرعب غامضة بما يقلل من عمق دوافعه الإنسانية. يستعير الفيلم أيضًا العديد من عناصره المرئية والوجودية من أفلام مثل The Revenant وInto the Wild، دون أن يترك دائمًا بصمته الخاصة بشكل كامل. لكن هذه الانتقادات تبقى محدودة في مواجهة الإشادة الواسعة بأجوائه المشحونة وأداء أبطاله.

ختاماً

يتجاوز Apex حدود فيلم المغامرة التقليدي ليصبح تجربة نفسية وفلسفية مشبعة بالتوتر البصري والإنساني. لا يكتفي المخرج ببناء مطاردة داخل الطبيعة، بل يصوغ مواجهة عارية بين الإنسان وخوفه وذاكرته وانكساره الداخلي. ومن خلال أداء الممثلة تشارليز ثيرون، يتحول الألم إلى طاقة مقاومة، وتصبح البرية مرآة تكشف هشاشة الإنسان وقوته في نفس الوقت. وهو فيلم يؤكد أن البقاء ليس دائما انتصارا على الموت، بل هو قدرة نادرة على الوقوف مرة أخرى بعد أن ينهار كل شيء في الداخل.

#فيلم #القمة #يطرح #سؤال #البقاء #بين #الخوف #والعزلة #وجراح #الذاكرة

فيلم «القمة» يطرح سؤال البقاء بين الخوف والعزلة وجراح الذاكرة

– الدستور نيوز

اخبار منوعه – فيلم «القمة» يطرح سؤال البقاء بين الخوف والعزلة وجراح الذاكرة

المصدر : www.hespress.com

.