دستور نيوز
أصدر الشاعر المغربي مخلص الصغير ديواناً شعرياً جديداً بعنوان “الأرض الحمراء” عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر في بيروت، في 174 صفحة. ويتضمن عشرين قصيدة تشكل امتداداً لمشروع شعري بدأه بديوان “الأرض الموبوءة”، يواصل من خلالها تتبع تحولات العالم في سياق تتسارع فيه الأزمات وتتغير أشكال التهديدات التي تواجه الإنسانية، من الأوبئة الصحية إلى الحروب المفتوحة، في مرحلة انتقالية تعكس طبيعة المرحلة التي يقرأها الشاعر من زاوية إنسانية وشعرية متقاطعة.
يبدأ هذا العمل من لحظة زمنية أعقبت انحسار الأوبئة التي شغلت العالم في السنوات الأخيرة، حيث سرعان ما دخلت موجة جديدة من الصراعات المسلحة، يرصدها الديوان كاستمرار لمطاردة الموت للإنسان، ولكن بأدوات مختلفة، إذ تحل الحرب محل المرض، وتتغير الوسائل ويبقى التأثير على حاله، وهو توسيع دائرة الفقد والدمار، في قراءة تحمل الإنسان مسؤولية ما يحدث على هذه الأرض التي تتحول في النص إلى فضاء مشترك من العنف والمعاناة.
تتوزع قصائد المجموعة على جغرافيا واسعة تمتد من المغرب إلى الأندلس وتونس ومصر والعراق والأردن، وصولاً إلى شواطئ بحيرة طبرية، حيث يأخذ السفر شكلاً دلالياً يتجاوز الحركة المكانية ليصبح أول كتابة على وجه الأرض، في إشارة واضحة إلى علاقة الشاعر بالمكان كحامل للذاكرة والألم في آن واحد. وتظهر هذه الحركات كمحاولة لرصد تأثير الحروب في الفضاءات المختلفة، مع الحفاظ على وحدة التجربة الإنسانية التي توحد هذه الأماكن رغم اختلاف سياقاتها.
وفي القصيدة المركزية التي تحمل عنوان المجموعة، تتكثف صورة «الأرض الحمراء» من خلال معجم لوني يهيمن عليه اللون الأحمر، إذ يتحول هذا اللون إلى إشارة شاملة تحيط بكل شيء، من البحر إلى الجبل، ومن السماء إلى تفاصيل الحياة اليومية، في مشهد شعري يرصد تداخل الدم مع الحياة، ويجعل من اللون الأحمر مؤشرا على العنف المستمر. عناصر مثل صفارات الإنذار وسيارات الإسعاف والأكفان حاضرة أيضًا، في سياق لغوي يعكس طبيعة الواقع الذي تتناوله المجموعة، دون اللجوء إلى التعميم أو البنائية.
يعتمد مخلص الصغير في هذا العمل على تنويع واضح في البنية الإيقاعية، فهو يجمع بين الوزن الخليلي والوزن وقصيدة النثر، وأحيانا ضمن نص واحد. وهو اختيار يعكس الوعي بتعدد أدوات التعبير وضرورة توظيفها حسب طبيعة الموضوع. ويظهر هذا التوجه في قصائد مثل «القيروان» و«الفلسطيني» و«شما»، حيث تتداخل الأشكال الشعرية دون أن تفقد النصوص تماسكها، بل تمنحها مرونة تتيح التقاط تفاصيل التجربة بشكل أدق.
وفي عدد من النصوص، هناك محاولة لمقاربة التفاصيل اليومية للحرب، كما في قصيدة «أهلاً؟». يبني مشهده على حوار يبدو عاديا في البداية، قبل أن ينكشف تدريجيا واقع القصف وفقدان الأحبة، حيث تتحول اللغة إلى أداة لنقل تجربة إنسانية مباشرة، بالاعتماد على تفاصيل صغيرة تكشف حجم المأساة دون الحاجة إلى كلام مباشر أو أوصاف عامة، ما يضفي على النص بعدا مؤثرا واضحا.
كما أن البعد الفلسفي حاضر في الديوان من خلال أسئلة تتعلق بالهوية والمصير، حيث يتأمل الشاعر علاقة الإنسان بالأرض والزمان، ويطرح تساؤلات حول معنى الوجود في ظل الكثير من الحروب، مع الإشارة إلى التحولات الجديدة التي تؤثر على وضع الإنسان نفسه، كما يظهر في قصيدة “حوار صريح مع الذكاء الاصطناعي” التي تفتح النقاش حول دور التكنولوجيا في إعادة تشكيل العالم، وتأثيرها المحتمل على العمل والإبداع والحياة اليومية، في معالجة. مما يضع هذه الظاهرة ضمن سياق أوسع من التحولات المعاصرة.
ولا تقتصر المجموعة على رصد الواقع، بل تسعى إلى إعادة صياغته شعريا من خلال لغة تميل إلى التكاثف دون فقدان الوضوح، وهو ما أشار إليه النقاد في أعمال الشاعر السابقة، حيث وُصفت تجربته بأنها تجمع بين السلاسة والعمق، مع القدرة على توسيع المعنى من خلال الطاقة اللغوية المتجددة، وهو ما يستمر في هذه الطبعة التي تركز على المآسي التي أحاطت بالعالم في السنوات الأخيرة، دون أن تفصلها عن بعدها الإنساني العام.
يمثل «الأرض الحمراء» محطة جديدة في مشروع شعري يسعى إلى تتبع تحولات العالم من خلال رمز الأرض، حيث تنتقل التجربة من رصد الأوبئة إلى تحليل آثار الحروب، مع الحفاظ على خيط منظم يعتمد على التشكيك في الواقع الإنساني في لحظاته الأكثر حدة، مما يمنح هذا العمل مكانه ضمن سياق شعري معاصر ينشغل بتحولات كبرى دون أن يفقد ارتباطه بالتجربة الفردية.
#الشاعر #الشاب #يطأ #قدمه #الأرض #الحمراء
الشاعر الشاب يطأ قدمه “الأرض الحمراء”
– الدستور نيوز
اخبار منوعه – الشاعر الشاب يطأ قدمه “الأرض الحمراء”
المصدر : www.hespress.com
