.

أخبار منوعة – فيلم “معركة تلو الأخرى”: شرود الفرد وقدسية المقاومة في معضلة الليبرالية

أخبار منوعة – فيلم “معركة تلو الأخرى”: شرود الفرد وقدسية المقاومة في معضلة الليبرالية


دستور نيوز

الكاميرا كمشرط للروح

عندما تصل السينما المعاصرة إلى ذروة التكييف الإبداعي، فإنها لا تكتفي بمجرد السرد، بل تتحول إلى مرآة مصقولة «تشتت» فيها كسور النفس البشرية في مواجهة التحولات الحضارية الكبرى، وما خلفته من عواقب وخيمة على الإنسانية وقيمها النبيلة. فيلم «معركة بعد معركة» (تأليف وإخراج بول توماس أندرسون، بطولة ليوناردو دي كابريو) يفرض نفسه، للوهلة الأولى، باعتباره «نسيجاً» سينمائياً نادراً ما يكون معقداً، يُخضع المشاهد الفطن إلى تشريح مجهري لأزمة معنى الوجود في مجتمع يعيش عصر «الإقطاع الرقمي». مدفوعًا برؤية سلطوية للصورة، يرفع المخرج الإطار المكاني ليجعل منه ممثلًا دراميًا قائمًا بذاته وبنية من القمع تُسكت شخصياته.

طاقم الممثلين، بقيادة الأداء الرائع، يتجاوز مجرد التجسيد ليصبح نوعاً من الحالة الوجودية. يتبنى البطل نهج «اقتصاد الأداء»، حيث يصبح الصمت أبلغ من الكلمات، تاركاً نظراته للمهمة الهائلة المتمثلة في ترديد تراتيل الخيبات المتراكمة. هذا النهج الإخراجي – الذي يؤثر على تسلسل الخطة وعمق المجال بحذر شديد ودقة – يؤكد من جديد قدسية الإطار في مواجهة التلوث البصري الرقمي.

بحثا عن الشعارات المفقودة

يتطلب فهم جوهر هذا العمل استلهام “التحليل المقدس”، وهو تيار نقدي أنجلو أمريكي وأوروبي لا يتعامل مع الفيلم باعتباره منتجًا تجاريًا، بل باعتباره “نصًا لاهوتيًا دنيئًا”. وهنا يستكشف الفيلم جوهر الروح الإنسانية في عالم فقد سحره.

ويكشف هذا النهج أن «المعارك» التي يخوضها البطل ليست جسدية بقدر ما هي ميتافيزيقية، إذ إنها تشكل «طقوسًا تعبدية يومية» من المحاولات المجهضة لإقامة علاقة حقيقية مع الآخر ومع الذات. وكما يؤكد ورثة «أنطولوجيا الصورة» في المدرسة الأوروبية، فإن الفيلم يعيد الزمن السينمائي إلى بعده الداخلي. ويذوب الفرد هناك في بوصلة تصطدم فيها الرغبة في المطلق بالمادية الصلبة والجافة. ثم تتحول الكاميرا إلى أداة «تنقية» (كاثارتيك)، تكشف زيف الواقع لتكشف حقيقة الوجود العارية، في ظل مجتمع ليبرالي متطرف وصل إلى حد فقدان الأرواح والعقول.

لقد ضاع هايدجري في الغابة الخرسانية

يتحرك بطل «معركة بعد معركة» ككائن «ضائع» بالمعنى الهايدجري للكلمة (وهو باختصار ضائع بلا بوصلة في عوالم التكنولوجيا، متناسيا السؤال الجوهري حول معنى «الوجود»). إنه ليس مجرد مقيم في مدينة كبيرة، بل هو كائن هنا (الدازاين) يختبر ثقل الوجود باعتباره عبئًا وجوديًا. يجسد الفيلم هذا التجوال عبر الرحلات الليلية الطويلة ومشاهد الصمت العميق في «لاأماكن» الحداثة (محطات المترو، ردهات المطارات)، حيث تذوب الهوية الفردية في غفلة الجمهور. ويطرح الفيلم سؤالا فلسفيا ملتهبا: كيف يمكن للذات أن تصوغ معناها الخاص وهي مختزلة في مجرد متغير إحصائي في معادلة الإنتاج؟

يهرب البطل من معركة لينغمس في أخرى، بعيدًا عن ملاحم الماضي الغربية البطولية. إنها صراعات «رغبات محبطة» وتطلعات عزيزة، وبحث عن اليقين في عالم «سائل» وحداثة بلا روح، لا يكون فيها الفرد أكثر من صرخة مكتومة في فراغ واسع، يحاول جمع شظايا نفسه التي بعثرتها ضرورات الحياة المعاصرة.

زقاق الليبرالية وسحق النبلاء

ثم يغمرنا الفيلم في تشريح سوسيولوجي عميق للمجتمع الليبرالي الغربي، إذ يكشف التناقض الصارخ بين الشعارات الإنسانية للمجتمع الحديث (الحرية، الفردية، الحقوق غير القابلة للتصرف…) وواقع نظام “يطحن” الإنسان ويجعله سلعة نبله الداخلي. ويظهر الاغتراب المؤسسي في مشاهد تدور أحداثها داخل الهياكل البيروقراطية، مما يكشف عن قوة نظام يدعي حماية الفرد بينما يجرده من إنسانيته. ويكشف الفيلم كذبة الازدهار التكنولوجي، حيث يعاني البطل من وحدة شديدة رغم انتشار أدوات الاتصال. يلتهم المنطق الرأسمالي كل ما هو غريزي أو نبيل (تشييء الروح)، ويستبدله بعقلانية الأداء والمنافسة الشرسة، ومن هنا عنوان الفيلم: معركة تلو الأخرى.

باختصار، يرسم المخرج صورة لمجتمع يدوس القيم الأخلاقية باسم الكفاءة – ولمصلحة من؟ في هذا الكون يصبح نبل الروح عائقا، والصدق ثغرة، والبحث عن المعنى يشخص على أنه اضطراب نفسي يعالج بالعقاقير الطبية بدلا من الفلسفة، يجد نفسه، كما في “الأزمنة الحديثة” لشارلي شابلن، منخرطا في معركة متجددة ضد “الوسطية”، والعفوية “المصطنعة”، وضراوة الروح الإقطاعية التقنية الجديدة.

فلسفة الظل والنور

يعتمد الهيكل البصري للفيلم على “clair-obscur” الذي يرمز إلى التقسيم الداخلي للشخصية. تهيمن الألوان الباردة (الأزرق الفولاذي، والرمادي الإسمنتي) على مشاهد الأحداث والمساحة العامة، مما يعزز الاغتراب الاجتماعي. على العكس من ذلك، تتسلل لمسات دفء الألوان إلى لحظات التأمل، كبقايا «نور إلهي أو بشري» يحاول البطل جاهداً الاحتفاظ به.

إن استخدام “المساحة السلبية” – التي توظف المساحة لسرد شيء ما على النقيض من التركيبة الكلاسيكية التي تسعى إلى التوازن – أمر رائع. غالبًا ما يُنزل البطل إلى زاوية الإطار، تاركًا مساحة شاسعة من الفراغ تحيط به. وهذا يوحي بأن الفراغ هو الحقيقة الملموسة الوحيدة، وأننا مجرد عابرين في صمت الكون. وتتلاقى هذه الجمالية مع ما يسميه النقد الأوروبي “سينما الصمت الوجودي”، حيث تكتسب الصورة السيادة المطلقة على الكلمة – وهو أمر نادرا ما يستخدم في أفلامنا!

الصراع بين الشعار والممارسة: التدمير الذاتي المبرمج

“الذروة الفلسفية”، أو العقدة الأخلاقية للسرد، تحدث عندما يدرك البطل أن “حريته” الظاهرة ليست سوى سجن بقضبان غير مرئية. فالشعارات ترفعه إلى مرتبة “سيد مصيره”، في حين تقلله الممارسة إلى مجرد “ترس في الآلة”. ويتجلى هذا التناقض في الحوارات الجوفاء مع ممثلي النظام الاجتماعي، حيث تكون لغة «تطوير الذات» بمثابة طلاء للتغطية على قبح الاستغلال.

يُظهر الفيلم، المستوحى من أطروحات مدرسة فرانكفورت، كيف أنه من المستحيل أن يكون الإنسان كائنًا “أحادي البعد” (بحسب هربرت ماركوز). لكن الجمالية تكمن في “المقاومة السلبية” للبطل. باختياره التجوال، يرتكب عملاً ثوريًا ضد المجتمع الذي يفرض الوضوح والمنفعة والإنتاجية مع ضمان حرية خيالية للجميع.

معنى وراء الهزيمة

وينتهي فيلم «معركة تلو الأخرى» دون تقديم عزاء أو حلول زائفة. بل يؤكد على أن المعنى ليس وجهة نهائية، بل هو فعل المقاومة في حد ذاته. يتركنا الفيلم مع صورة البطل وهو يسير نحو أفق مجهول (نتذكر مرة أخرى تشارلي شابلن في «الزمن الحديث»)، مذكراً إيانا بأن الوجود الفردي سيستمر في النضال، معركة تلو الأخرى، ليس من أجل النصر النهائي، بل لعدم الاستسلام للعدمية التي تنتجها الحداثة.

“معركة تلو الأخرى” هي صرخة جمالية – بالمعنى البنيوي للكلمة – ضد عالم/مجتمع حديث فقد بوصلته الأخلاقية. ويثبت الفيلم أن الفن السابع لا يزال قادرا على إنتاج تحليل مقدس للواقع، يجمع بين دقة علم الاجتماع وعمق الميتافيزيقا وروعة الشكل. ويظل الفرد، رغم كل شيء، هو المركز العصبي للبحث عن النبل المفقود تحت عجلات الحداثة السائلة التي لا ترحم.

#فيلم #معركة #تلو #الأخرى #شرود #الفرد #وقدسية #المقاومة #في #معضلة #الليبرالية

فيلم “معركة تلو الأخرى”: شرود الفرد وقدسية المقاومة في معضلة الليبرالية

– الدستور نيوز

اخبار منوعه – فيلم “معركة تلو الأخرى”: شرود الفرد وقدسية المقاومة في معضلة الليبرالية

المصدر : www.hespress.com

.