.

أخبار منوعة – من أنبياء الحكمة إلى مسوقي الطمأنينة… تقلص العقل واتسع المدرب.

أخبار منوعة – من أنبياء الحكمة إلى مسوقي الطمأنينة… تقلص العقل واتسع المدرب.


دستور نيوز

كيف تمكنت البشرية من البقاء على قيد الحياة كل هذه القرون قبل ظهور التدريب؟ كيف تجرأ أفلاطون وابن خلدون وديكارت على إضاعة حياتهم في التفكير، طالما أمكن ضغط سر الكون بأكمله في فيديو مدته دقيقة ونصف؟ فهل كان الفلاسفة حقا ساذجين إلى هذا الحد عندما ظنوا أن الحكمة تحتاج إلى القراءة والتأمل والخبرة، في حين يكفيهم الهاتف الجيد والإضاءة المناسبة؟ ثم كيف لم تدرك الحضارات السابقة أن الفقر مجرد فكرة سلبية، وأن القلق هو سوء استخدام للطاقة، وأن تاريخ البشرية كله لم يكن ينقصه إلا مدرب ماهر في النظر إلى الكاميرا بثقة نبوية؟ أليس من المدهش أن المشاكل الإنسانية الأكثر تعقيدا اليوم لا يتم حلها في الجامعات ولا في الكتب، ولكن في دورة عاجلة مع مدرب لم يكتب ورقة واحدة في حياته؟

وعندما استقال العقل وتكفل المدرب بالباقي

في العصور القديمة، كان الناس، عندما يضيعون، يبحثون عن فيلسوف. اليوم تم حل المشكلة بشكل نهائي: يكفي أن تفتح هاتفك، ويقفز إليك “المدرب الكوني الشامل” الذي يفهم كل شيء دفعة واحدة: النجاح، الفشل، العلاقات، الاقتصاد، تربية الأبناء، الحفاظ على الروح، وحتى طريقة ترتيب الكواكب حول طموحك الشخصي. إنه كائن معرفي عجيب يستطيع أن يشرح لك في ثلاثين ثانية سر الكون، بشرط أن تضغط على زر الإعجاب أولا، وتشارك في الدورة الذهبية التي ستجعلك في سبعة أيام فقط، نسخة محسنة من نفسك، وربما من البشرية جمعاء. والشيء المضحك هو أن هذا المدرب لا يكلف نفسه عناء الشك. يتحدث بيقين نادر، وكأن الحقيقة نفسها قد تدربت معه. يرفع سبابته أمام الكاميرا ويقول بثقة: «غير رأيك ستغير حياتك»، وكأن التاريخ نفسه لا يحتاج إلا إلى جلسة تحفيزية قصيرة لحل مشكلاته. هنا يتحول العالم إلى مسرح مضحك: يتم التعامل مع الأزمات الاقتصادية بعبارة إيجابية، ويتم اختزال تعقيدات النفس البشرية في تمرين التنفس العميق، والفلسفة التي عذبت العقول البشرية لعدة قرون تذوب بسهولة في ثلاث خطوات عملية، مع موسيقى خلفية ملهمة.

لكن الأروع من المدرب نفسه هو الجمهور الذي ينظر إليه بامتنان صادق. العالم مرهق، والحياة معقدة، والناس يريدون وصفة سهلة مثل القهوة سريعة التحضير: ملعقة أمل، ورشّة من الطاقة الإيجابية، وفنجان كبير من الوهم الدافئ. وهكذا تزدهر هذه الصناعة الغريبة: صناعة بيع اليقين الجاهز. ولعل أعظم إنجاز للمدرب هو أنه أقنع الملايين بأن الحكمة ليست رحلة طويلة في الشك والخبرة، بل هي اشتراك شهري… مع خصم خاص لمن يسجل اسمه في الدورة قبل منتصف الليل.

النصيحة بديلاً عن الفكر

مع مرور الوقت، تطور التدريب بشكل مذهل، حتى أصبح أشبه بجسم معرفي خارق للطبيعة لا يقتصر على التخصصات. في الصباح يشرح لك أسرار الاستثمار، وفي فترة ما بعد الظهر يقدم لك وصفة توازن العلاقات الزوجية، وفي المساء يقدم لك مفاتيح التنوير الروحي. إنه عقل موسوعي، متحرر من عبء الدراسة الطويلة، ومن ملل الكتب، ومن تلك التفاصيل الصغيرة التي أطلق عليها القدماء “البحث” أو “التحقيق”. المعرفة، في عصر المدرب، أصبحت أخف بكثير: ثلاث جمل جيدة البناء وأربع كلمات إنجليزية رائعة، ويتحول الإنسان العادي إلى مشروع عبقري مؤجل.

وبالتالي، فإن المدرب لا يدربك فقط، بل يعيد تشكيل الكون من حولك. يخبرك بكل ثقة أن الفشل ليس سوى فكرة سيئة في رأسك، وأن النجاح ينتظرك فقط أن تغير زاوية تفكيرك. ولو استمع التاريخ إلى نصيحته لأنقذ نفسه من حروب وثورات كثيرة. وكان يكفي أن يجتمع زعماء العالم في ورشة تدريبية بعنوان: «كيف تفكر بإيجابية في أوقات الأزمات». ربما غادروا بابتسامة كبيرة وصورة جماعية مذهلة. لكن عبقرية المدرب الحقيقية لا تكمن في كلماته، بل في لغته السحرية. مفردات تبدو عميقة، لكنها في الحقيقة خفيفة كفقاعة الصابون، يستقبلها الجمهور بجدية، وكأنها اكتشاف فلسفي يعادل اختراع النار.

لكن لا يمكن إنكار أن المدرب قدم خدمة جليلة للإنسانية: فقد حرر الإنسان من عناء التفكير الطويل. ولم يعد المرء بحاجة إلى قراءة الفلاسفة، أو التأمل في التجربة الإنسانية المعقدة. ويكفيه أن يتابع بثاً مباشراً لمدة عشر دقائق، وسيتلقى جوهر الحكمة الإنسانية، مع وعد إضافي: إذا لم تنجح في حياتك بعد هذا، فالمشكلة ليست في النصيحة… بل أنك لم تؤمن بها بما فيه الكفاية. وهنا يكمن السر الأعظم في صناعة التدريب: الحقيقة دائماً صحيحة، وهي الحقيقة التي تحتاج إلى المزيد من التدريب.

التدريب باعتباره وهمًا معاصرًا

في صباح أحد الأيام، أحد تلك الصباحات التي لم تعد بالكثير، قمت بتشغيل الراديو بدافع الفضول، لا أكثر، وخرج صوت واثق من مكبر الصوت كما لو أنه اكتشف للتو قانونًا جديدًا للجاذبية. وقال بصوت مهيب: “صباح الطاقة الإيجابية يا أبطال.. اليوم سنتحدث عن سر النجاح الذي لم يخبركم به أحد”. ثم أصبحت أكثر انتباهاً قليلاً. ويبدو أن التاريخ البشري كله، من الفلاسفة إلى العلماء، قد أخفى هذا السر بعناية حتى ظهر أخيرًا في برنامج إذاعي بين نشرة الوقاية من حوادث المرور وتوقعات الطقس. بدأ المدرب بالشرح بثقة لا تتزعزع. وقال إن المشكلة ليست في العالم، بل في طريقة تفكيرنا. البطالة؟ الفكر السلبي والقلق؟ قلة الامتنان. ثم بدأ بتوزيع النصائح كما يوزع الحلوى: استيقظ مبكراً، ابتسم في المرآة، وقل لنفسك ثلاث مرات أنك رائع. مع تقدم الحلقة، بدأ المدرب يصبح أكثر سخونة. لكن اللحظة الأجمل جاءت عندما فتح المدرب خطوط الهاتف للمستمعين. اتصل رجل متعب الصوت وقال إنه جرب كل النصائح لكنه ما زال يشعر بالضياع. ورد المدرب بحنان مشرق: “أخي العزيز المشكلة أنك لم تؤمن بنفسك بما فيه الكفاية”. وهنا أدركت عبقرية هذه الفلسفة: النصيحة دائماً صحيحة، وإذا لم تنجح فالمشكلة ليست فيها، بل في إيمانك بها. وهي نظرية دقيقة، أشبه بالدائرة المغلقة التي لا تقبل الشك.

أطفأت الراديو بعد انتهاء الحلقة وأنا أشعر بشعور غريب بين الدهشة والضحك. اعتقدت أنه ربما لم يتغير العالم كثيرًا منذ زمن الحكماء القدماء، لكن الفارق الوحيد هو أن الحكيم يحتاج إلى عمر كامل ليقول جملة واحدة عميقة، بينما يقول المدرب الحديث ألف جملة في ساعة واحدة… وكلها عميقة بما يكفي لتطفو فوق الحقيقة مباشرة.

بلاغة الفراغ

فماذا يبقى بعد ذلك من الكتب، ومن الفكر، ومن التجربة، ومن تلك الحيرة النبيلة التي خلقت أعظم شيء في الإنسان؟ إذا كان المدرب قد اختصر العالم كله إلى وصفة جاهزة، فهل أنقذ الناس فعلاً.. أم أنه أنقذهم فقط من عناء التفكير؟ هل نحن أمام عصر جديد من الوعي أم أننا أمام سوق أنيقة تبيع الأوهام في صناديق لامعة؟ إذن، أليس السؤال الأكثر سخافة هو أن الحقيقة، بعد كل هذا الضجيج، لا تزال صعبة للغاية بحيث لا يمكن تحويلها إلى شعار، وثقيلة للغاية بالنسبة للمدرب الذي لم يحمل بين يديه كتابا واحدا لكي يفهمه؟

دعونا نتأمل؛ وإلى حديث آخر.

#من #أنبياء #الحكمة #إلى #مسوقي #الطمأنينة.. #تقلص #العقل #واتسع #المدرب

من أنبياء الحكمة إلى مسوقي الطمأنينة… تقلص العقل واتسع المدرب.

– الدستور نيوز

اخبار منوعه – من أنبياء الحكمة إلى مسوقي الطمأنينة… تقلص العقل واتسع المدرب.

المصدر : www.hespress.com

.