.

أخبار منوعة – فيلم “الخطاة”: سينما التعرض وطريق الذات من الضياع إلى الخلاص

أخبار منوعة – فيلم “الخطاة”: سينما التعرض وطريق الذات من الضياع إلى الخلاص


دستور نيوز

في فيلم «الخطاة» لا تنطفئ الأضواء فحسب، بل ينطفئ شيء مخبأ في داخلنا، وكأن الفيلم لا يبدأ على الشاشة بل في أعماق ذكرى قديمة ظننا أنها اختفت. منذ اللحظة الأولى، يتدفق عمل المخرج رايان كوجلر مثل اعتراف طويل، مثل الحنين المؤلم لشيء لم نعد نستطيع تسميته، حيث يصبح الخوف مرآة، والماضي ظل يسير معنا، وليس خلفنا. لا يعود التوأم إلى المكان، بل إلى أنفسهم، إلى ذلك الصدع الأول الذي لم يلتئم، وذلك الجرح البعيد، وإلى تلك اللحظة التي لم تعاش بالكامل وبقيت معلقة في مثلثات الزمن.

ما هي الذاكرة التي تتحول إلى بيت نعيش فيه بدلا من أن نعيش فيه؟ أي خطيئة هذه التي تنمو بصمت حتى تصبح هوية؟ هل نختار طرقنا أم أن طرقنا القديمة تعيد اختيارنا؟ ما الذي يجعل الإنسان يهرب لسنوات طويلة ثم يعود إلى نفس النقطة، وكأن الزمن دائرة مغلقة لا مفر منها؟ إذًا هل يستطيع الإنسان أن يواجه نفسه دون أن ينكسر، أم أن الانكسار هو الشكل الوحيد للحقيقة؟

في هذا المناخ المشبع بالحنين الداكن، تتسلل العبارة وكأنها جاءت من قلب الذاكرة نفسها: «كل طريق سلكته بعيدًا عنك.. قرّبني إليك»، جملة تشتعل بالحنين والألم، وتكشف أن القصة ليست عن رعب يُرى، بقدر ما هي شعور يُستعاد، عن نفس تلاحق نفسها في مرايا لا ترحم، وعن فيلم لا يُشاهد فقط، بل يُعاش كندبة لا تزول. لذلك استحق جائزة أفضل ممثل رئيسي لمايكل بي جوردان في دور مزدوج بصفته مريضًا نفسيًا وفي حفل توزيع جوائز الأوسكار الثامن والتسعين (مارس 2026).

السينما هي مساحة للتعرض

في اللحظة التي يبدأ فيها عام فيلم الخطاة/ «الخطاة» (137 دقيقة/ 2025)، يتسلل بشكل واضح إلى وعي المشاهد أن هذا ليس فيلم رعب تقليدي، بل تجربة سينمائية مشبعة بالقلق الوجودي وذاكرة مليئة بالخطيئة والتجاوزات. لا يثير المخرج رايان كوجلر الخوف فحسب، بل يعيد تعريفه كحالة أخلاقية ونفسية، حيث يصبح الخوف انعكاسًا داخليًا لندوب الماضي، وليس مجرد تهديد خارجي.

منذ المشهد الافتتاحي، عندما يعبر التوأم إيليا وإيزايا (الذي يلعب دوره مايكل بي. جوردان) طريقًا ريفيًا ضبابيًا باتجاه مسقط رأسهما، تنشأ لغة بصرية من التوتر الصامت. الكاميرا لا تتبع الجسد بقدر ما تتبع الذاكرة، والضوء الخافت يخلق الشعور بأن كل زاوية تخفي سراً. في هذا المشهد يهمس أحد الإخوة: «لم نغادر حقًا.. لقد أجلنا المواجهة فحسب»، وهي جملة تلخص الموضوع الرئيسي للفيلم: لا مفر من الماضي، لكن لا بد من إعادة تمثيله.

ومن أجمل المشاهد ذات التعبيرات البصرية التي تتميز بجماليات رائعة، تنكشف لحظة الدخول إلى منزل العائلة المهجور. صرير الباب وكأنه يرفض العودة، ويبدو أن الجدران تحبس أنفاس سكانها السابقين. وهنا يتجسد الرعب كذاكرة حية، ويتحول المكان إلى كائن واعي. تقول إحدى الشخصيات: «لا أحد يعيش في هذا المنزل.. نحن من نعيش داخله»، في انقلاب دلالي يجعل الإنسان ضيفاً على ماضيه، وليس سيداً عليه.

ثم مشهد المرآة الذي يشكل ذروة بصرية وفلسفية في نفس الوقت. يقف أحد التوأمين أمام انعكاس صورته، لكنه لا يرى نفسه، بقدر ما يرى نسخة أخرى منه، أكثر قتامة وأكثر ذنبًا بالخطيئة. لا يُستخدم التأثير البصري هنا كخدعة، بل كأداة للتحليل النفسي، حيث يتم تجزئة “الأنا” إلى هويات متضاربة. وفي لحظة صادمة يقول: «أنا لست خائفاً منك.. أنا خائف مما أعرفه عنك»، وكأن الفيلم يعيد صياغة الرعب باعتباره معرفة مؤلمة لا يمكن التراجع عنها.

أما المشهد الليلي في الغابة فهو من أقوى اللحظات على مستوى الإخراج. الظلام لا يمثل غياب الضوء، بل يمثل الحضور المكثف للتهديد. تتداخل الأصوات، وتتحرك الظلال ككائنات مستقلة. وهنا يفقد الزمن خطيته، وتتحول المطاردة إلى طقوس تطهير. “إذا كان هذا عقاباً.. فأنا أستحقه”، يصرخ أحد الإخوة، اعترافاً صريحاً بأن الرعب لا يفرض من الخارج، بل يأتي من الداخل.

ولا يمكننا أن نتجاهل المشهد الختامي الذي يعتبر من أجمل النهايات وأكثرها غموضا في السينما، عندما يعود التوأم إلى النقطة التي بدأا منها، لكنهما ليسا نفس الأشخاص. تدور الكاميرا ببطء، فيتسلل الضوء كعلامة غامضة على الخلاص، أو ربما وهم. وتقول الشخصية الأخيرة: «الخطيئة لا تنتهي.. نتعلم فقط كيف نتحملها»، وهي عبارة تضع المشاهد أمام سؤال أخلاقي مفتوح بدلاً من الإجابة النهائية.

إن نجاح «الخطاة» في حصد هذا العدد القياسي من الترشيحات، متجاوزاً أعمالاً مثل «تيتانيك»، و«كل شيء عن إيف»، و«لا لاند»، وفوزه بجائزة أفضل ممثل رئيسي، لا يعود فقط إلى تقنياته العالية، بل إلى قدرته على إعادة صياغة الرعب كخطاب فكري وجمالي. إنه فيلم يزعزع يقين المتلقي ويجبره على مواجهة نفسه، حيث تصبح الشاشة مرآة، والمشهد اعترافا، والسينما مساحة للتعرض وليس للهروب.

ابحث عن الخلاص

في الخطاة، لم يتم بناء البطل كمركز للقوة، بل ككائن هش متصدع من الداخل، تتعارض مع ذاكرة مضطربة وشعور خفي بالذنب يظهر كلما حاول النسيان. فالتوأم هنا لا يمثلان مجرد شخصيتين متضادتين، بل تجسيد لانقسام داخلي عميق، حيث يتحول كل منهما إلى مرآة مظلمة للآخر، تعكس ما لا يقال وما لا يطاق. في هذا العالم المتضارب والمتشابك، لا يوجد بطل بالمعنى الكلاسيكي، بل هناك ذات متأزمة تبحث عن معنى وسط أنقاضها.

يمنح المخرج رايان كوغلر شخصياته كثافة نفسية تجعلهم يتنفسون داخل الصورة، وليس فقط يتحركون. يبدو أحد الأخوين (إيزايا) أكثر صمتًا، لكنه يحمل بداخله ضجيجًا لا يحتمل، بينما الآخر (إيلايا) يتكلم كثيرًا وكأنه يحاول دفن خوفه بالكلمات. يقول في لحظة انكسار: «كل ما أخفيته أصبح أثقل مني.. وكأنني أحمل نفسي على كتفي»، وتتحول العبارة إلى اعتراف ثقيل يكشف أن الصراع ليس مع العالم، بل مع النفس التي لا تغتفر.

ولا تقل الشخصيات الثانوية عمقا، إذ تظهر كامتداد رمزي للبطل. المرأة (إيلا) التي تظهر في المنزل المهجور ليست مجرد حضور عابر، بل ذكرى مجسدة، وكأنها ماضٍ يرفض الموت. تقول بصوت خافت: “لا تعود إلى الأماكن.. هي الأماكن التي تستدعيك”. تفتح هذه العبارة باباً تفسيرياً يجعل الشخصيات محكوماً بالدعوة الخفية، لا بالقرارات الواعية. وهنا يتحول المكان إلى قوة فاعلة، ويصبح الإنسان مجرد مستجيب.

وفي مشهد المرآة يصل بناء الشخصية إلى ذروته، حيث ينكشف البطل أمام نفسه دون أقنعة. لا يعود الانقسام إلى مجرد فكرة، بل يتحول إلى مواجهة حقيقية بين صورتين، بين ما كان وما أصبح، كما يقول أحدهما وهو يحدق في تفكيره: «ظننت أنني نجوت.. لكني لم أغير سوى مظهري»، فتتكثف الفكرة الأساسية للفيلم، أن البقاء وهم، وأن التحول لا يعني التحرر. فالشخصية هنا لا تتطور بقدر ما تنكشف، ولا تتغير بقدر ما تنكشف.

أما في الغابة، حيث تذوب الحدود بين الواقع والهلوسة، فتتحول الشخصيات إلى كائنات مسكونة بنفسها. الجسد يركض، لكن الروح تتوقف عند لحظة قديمة لم تحل بعد. يهمس أحد الإخوة وهو يلهث: «هناك شيء بداخلي يعرف الطريق.. لكنه دائماً يقودني إلى الخطأ»، وكأن الشخصية تعترف بعدم قدرته على الخلاص، بسبب علاقته الغامضة بمصيره. لم يعد البطل ممثلاً، بل ينجرف في تيار خفي.

لا يقدم الفيلم خلاصاً واضحاً لشخصياته، بل يتركهم معلقين بين الوعي والعجز. يبدو أن التوأم قد توصلا إلى تفاهم، لكن هذا التفاهم لا يحررهما. تقول الشخصية الأخيرة بنبرة هادئة: “نحن لم نتعافى من أنفسنا… بل أصبحنا أكثر قدرة على التعايش معهم”، وهي عبارة تلخص مسار البطل بأكمله، من محاولة الهروب إلى قبول الأخطاء.

وهكذا، يعيد الخطاة تعريف الشخصية السينمائية على أنها مجال للصراع الداخلي وليس أداة للسرد. الشخصيات ليست مركبات للسرد، بل هي السرد نفسه، الندبة التي تُروى. في هذا الفيلم، لا نتابع تصرفات الأبطال بقدر ما نستمع إلى شقوقهم، حيث يصبح كل حوار اعترافًا، وكل صمت جرحًا مفتوحًا، وكل شخصية سؤالًا بلا إجابة.

ختاماً

في فيلم الخطاة، النهاية لا تغلق الباب، بقدر ما تفتحه على هاوية داخلية لا قعر لها، حيث ندرك أن الخطيئة ليست حدثا يمكن محوه، بل هي تأثير يعاد تشكيله في داخلنا كلما اعتقدنا أننا تغلبنا عليه. أقسى درس في الفيلم هو أن الإنسان لا يعود إلى ما كان عليه، بل يتعلم أن يحمل شظاياه دون أن يسقط، وأن الحقيقة لا تنقذ بقدر ما تكشف. وهنا يصبح الصمت أبلغ من البقاء، وتستعد النفس لمغامرتها الأخيرة. في هذا الانكشاف العاري، تهمس الذاكرة: «لم أكن أبحث عن الخلاص.. كنت أبحث عني قبل أن أضيع»، تاركًا لنا سؤالًا مفتوحًا بلا هوادة.

#فيلم #الخطاة #سينما #التعرض #وطريق #الذات #من #الضياع #إلى #الخلاص

فيلم “الخطاة”: سينما التعرض وطريق الذات من الضياع إلى الخلاص

– الدستور نيوز

اخبار منوعه – فيلم “الخطاة”: سينما التعرض وطريق الذات من الضياع إلى الخلاص

المصدر : www.hespress.com

.