.

أخبار منوعة – “هابرماس” في الذاكرة الأكاديمية المغربية.. الإشراق الفكري والموقف السياسي

أخبار منوعة – “هابرماس” في الذاكرة الأكاديمية المغربية.. الإشراق الفكري والموقف السياسي


دستور نيوز

كيف استعاد المجتمع الثقافي المغربي مسار وإسهامات الفيلسوف الألماني يورغن هابرماس، الذي صاغ الفكر الفلسفي والنظرية الاجتماعية، ثم انحاز قبل ثلاث سنوات إلى جانب إسرائيل في إبادتها للفلسطينيين قبل رحيله عن عمر يناهز 97 عاما، دون متابعة موقفه المعلن بعد “7 أكتوبر 2023” موضعا أو تصحيحا؟

وهابرماس، أحد أبرز الأسماء الحاضرة في الدراسات الفلسفية والتواصلية بالجامعة المغربية، وأحد شخصيات الجيل الثاني لـ”مدرسة فرانكفورت” النقدية. وكان رحيله بمثابة علامة على الجدل الفكري ليس فقط في المنطقة الناطقة بالعربية، بل في أجزاء كثيرة من العالم. ورافق رحيله مقالات ومواقف، اختارت هسبريس أمثلة منها، مشيرة إلى أنه صدر في فبراير الماضي كتاب جديد للأكاديمي المغربي عبد العلي معزوز بعنوان “في نقد هابرماس”، يقول فيه إنه لا يبحث عن أعذار لانحياز هابرماس لإسرائيل، ولا ينكر رصيده في الوقت نفسه. بل إن فكره يدخل «في إطار تقويم شامل»، مع «حذر» يدفع إلى «دراسة فكره وفلسفته الاتصالية بأبعادها المختلفة، وفي تعقيد شبكتها المفاهيمية، من أجل توضيح وتوضيح أهم الغموض فيما يتعلق بموضوعيتها ومكانتها في المشهد الفلسفي العام».

بين الدعوة والالتزام

قال الفيلسوف المغربي محمد نور الدين عافية، الذي نشر قبل ستة وثلاثين عاما كتاب “الحداثة والتواصل في الفلسفة النقدية المعاصرة.. أنموذج هابرماس”، في نعيه لهابرماس: “هناك فرق كبير بين الدعوة إلى العقلانية واحترام قيم الحرية والعدالة والحرص الدائم على الالتزام بمقتضياتها، فالمفكر العقلاني قد يقع في حفرة مواقف تهدم ادعاءاته بالعقل، وتجعله في لحظة انحراف ينكرون المبادئ التي يصرح بها، وهذه الحالات ليست قليلة في الفكر الفلسفي المعاصر، ومن الأمثلة على ذلك، على سبيل المثال لا الحصر، ميشيل فوكو ويورغن هابرماس، اللذين لم يكن لهما قدرة على النقد عندما يتعلق الأمر بمأساة الشعب الفلسطيني، وانخرطا إما بالصمت عن – أو تبرير – وحشية الاحتلال الاستيطاني لفلسطين، وفي الدفاع شبه الهستيري في حالة هابرماس والغامض فيما يتعلق. فوكو «حق إسرائيل في الوجود» حتى لو مارست القتل والتشريد والإهانة والإبادة.

وتابع عضو أكاديمية المملكة المغربية: “في حالة يورغن هابرماس، سليل الإرث العقلاني النقدي الألماني الغني، لم يتمكن أبدا من تحرير نفسه من عقدة الذنب الثقيلة التي جاثمت على الضمير الألماني فيما يتعلق بالإبادة الجماعية التي ارتكبها النازيون ضد اليهود خلال الحرب العالمية الثانية؛ ولم يتمكن من الارتفاع إلى المستوى الفلسفي المطلوب لمواجهة مسألة “المسؤولية” الأخلاقية في مواجهة هذه الوحشية مقارنة بالجرائم الصارخة والجرائم الصارخة”. الانتهاكات التي ارتكبتها إسرائيل ضد الإنسانية منذ قيامها، وهكذا بقي خاضعا لهذين التحفظين اللذين سيطرا على بعض مواقفه، منها دفاعه عن غزو أمريكا للعراق عام 2003، وتوقيعه المعروف مع ثلاثة من زملائه الألمان (نيكول ديتلهوف، كلاوس غونتر، وراينر فورست) على بيان لما أسموه “مبادئ التضامن” مع إسرائيل في سياسات الموت والوحشية التي تمارسها ضد الفلسطينيين والعرب بعد حدث أكتوبر. 7، 2023.”

ثم أضاف: “إلا أنني أعتقد، كما يعتقد عدد من المهتمين بالفلسفة والعلوم الإنسانية والاجتماعية، أن يورغن هابرماس الذي توفي في 14 مارس/آذار، هو أحد أبرز المفكرين الذين أثروا في الفكر الفلسفي المعاصر، وطرحوا انفتاحات نظرية على المعرفة الإنسانية أغرت قطاعا واسعا من الفلاسفة والمفكرين والسياسيين، وأعتبر أن هابرماس جسد صورة الفيلسوف كما أنتجها التراث الألماني من كانط مرورا بهيجل وماركس. وهوسرل، وماكس فيبر، وأدورن، على الرغم من التزامهم العضوي بتاريخ الأفكار الأوروبية وميلهم إلى التركيز عليها، والأحكام السطحية والمتعالية التي يصدرها بعضهم على الفلسفات والثقافات غير الأوروبية.

“وداعا هابرماس!”

وقال المفكر والأكاديمي عز العرب، من جهته، لحكيم بناني الذي تحدث عن هابرماس، فكتب: “أفترض أننا كنا نعتقد دائما أن قوة هابرماس تتجلى في أنه أصبح مرجعا فكريا عليا، دون إلقاء نظرة نسبية على آرائه الشخصية. أعتقد أن الخلل يظهر في تعاملنا اللاتاريخي مع الفلسفة والفلاسفة، وقد نمجد مكانة الفلاسفة، ولا أعمم، دون اعتبارهم حلقة في طريق طويل”. طريق البحث والنجاح.” والفشل. ولذلك قد ننتقل فجأة من نشوة قراءة الفلاسفة إلى الشعور بالإحباط، في حالة نفسية تشبه مريض ثنائي القطب الذي ينتقل من الحماسة الشديدة للأفكار إلى مشاعر الحزن والإحباط الشديدين. وهذا لا يعني أن الباحث الذي ينتقل من الموقف الإيجابي إلى الإحباط يكون مصاباً بهذا المرض؛

وتابع: “إننا نتعامل مع الفلاسفة من منظور غير تاريخي بنفس المعنى الذي تعامل به المسلمون مع كبار الفقهاء، فمثلا على سبيل المثال لا الحصر، أكثر ابن حنبل احتراما هم الحنابلة، لأنهم اعتبروه نهاية البحث بعد أن كان نقطة انطلاق ودافعوا عنه بالسيف ولم يدافعوا عنه بالقلم (…) ألا نتعامل بنفس الطريقة مع هابرماس؟ نلجأ إلى فقه النصوص بدلا من الفقه”. منطق التاريخ في قراءة أعماله، نعتبره من أعظم الفلاسفة المعاصرين، لكن الانبهار الشديد به أدى في كثير من الأحيان إلى إحباط كبير منه نتيجة مواقفه الأخيرة المشينة، والحقيقة أنني فخور بالباحثين العرب الذين عملوا عليه، وأشهد على نزاهتهم الفكرية عندما انتقلوا من الانبهار به إلى معارضته، إلا أن المعارضة التي انتقلت في بعض الأحيان إلى مستوى النقد اللاذع، كانت نتيجة لنفس الانبهار الشديد.

وعلق قائلا: “القضية هي أن هابرماس هو نقطة انطلاق البحث في العدالة والديمقراطية (…). وقوة هابرماس تكمن في أنه أحيا مدرسة فلسفية اجتماعية من جديد. فهو لا يحب أتباع ما بعد الحداثة، لأنه محافظ وليبرالي، وأتباع فيتجنشتاين (بوفريس مثلا) لا يحبونه لأن هابرماس حمل قناع النظرية العلمية بدلا من التمسك بالموقف الفلسفي. ومع ذلك، وكان هابرماس يفضل الفكر الألماني كثيرا لأنه لم يكن يتعامل مع طلابه.” ومن موقف الشيخ أمام المريدين (…) إذا طبقنا منطق التاريخ وليس عقلية النصوص على هابرماس نفسه، نكتشف أنه لا يزال هو، كما أن مدرسة فرانكفورت لا تزال في نقطة البداية فيما يتعلق بالقضايا التي تقلقنا”.

ثم ختم بقوله: “المنظور المتفائل، وهو المنظور المفيد برأيي -من منطلق التصور الفلسفي وليس الموقف السياسي- يدعي أن أسئلة التخلف واسترداد الأراضي هي أسئلة مفتوحة دائما، وليس هناك إجابة نهائية، بل طروحات مستمرة في ضوء منطق التاريخ وتجدد الأجيال والمصالح والاهتمامات.

وهذا لا يمكن أن يتحقق إلا بفضل التعاون بين الفكر العربي والفكر العالمي، وهو التعاون الذي يبشر بالكثير. ونأمل أن نستثمر الكتابات الفلسفية العربية في الموضوع، سعياً إلى تجديد الحوار الفلسفي بين الثقافات، بدلاً من الشعور بالإحباط من موقف الفيلسوف الذي لا يعرف شيئاً عن قضايانا إلا في ظل الإعلام والأطر الثقافية المنحازة التي سيطرت عليه”.

المسار والموقف

وكتب محمد الأشهب أستاذ الفلسفة بجامعة ابن زهر بأكادير: “رحل الفيلسوف وعالم الاجتماع الألماني يورغن هابرماس، تاركا إرثا فلسفيا هائلا جعله من أكثر المفكرين تأثيرا في النصف الثاني من القرن العشرين وبداية الألفية الثالثة”.

وأضاف الأشهب: “لم يكن فيلسوفاً أكاديمياً معزولاً في برجه العاجي فحسب، بل كان مثقفاً عاماً بامتياز، تدخل في شؤون وطنه وأوروبا والقضايا العالمية لعقود طويلة. نشأ في ظل النازية، وشهد عن كثب بشاعة الحرب والدمار، وآخرها حرب الإبادة الجماعية ضد الفلسطينيين، والتي -للأسف- لم يكن له فيها موقف مشرف. ثم كرس حياته لفكرة واحدة كبرى: كيف يمكن بناء المجتمعات الديمقراطية” إجماعهم بالحوار والعقل، وليس بالقوة والسيطرة؟”.

وقد سجل الأستاذ الجامعي الذي كرس أطروحته للدكتوراه حول “مذهب التواصل في النظرية النقدية ليورغن هابرماس” أن “تأثير هابرماس لم يقتصر على الفصول الدراسية؛ بل امتد إلى “الفضاء العام”، حيث سُمع صوته في كل قضية رئيسية: من موقفه النقدي تجاه الحركة الطلابية في عام 1968، عندما رآها متطرفة بشكل مفرط، إلى دفاعه المستمر عن المشروع الأوروبي الموحد، وصولاً إلى مواقفه الأخيرة من الحرب والأزمات الدولية”. في السياق، تظل مواقفه من الحرب قائمة. إن الإبادة الجماعية في غزة مثيرة للجدل، لكن هذا لا ينتقص من مكانتها الفلسفية الصلبة.

وذكر الأشهب أنه “لم يعد يتعامل مع الفعل التواصلي كمجرد مفهوم نظري، بل كرؤية شاملة للعالم ونموذج فلسفي متكامل يمكن البناء عليه”. ثم قال: “عندما نودع هابرماس كجسد، فإنه يبقى حيا في كل مرة نبحث فيها عن لغة مشتركة للحوار، في كل محاولة لإصلاح فضاء عام مختل، وفي كل حلم بمجتمع يستوعب الجميع، لا بالعنف بل بالكلمة والحجة (…) حتى لو اختلفنا معه، لأن الفلسفة في الأساس فكر مبني على الاختلاف”.

#هابرماس #في #الذاكرة #الأكاديمية #المغربية. #الإشراق #الفكري #والموقف #السياسي

“هابرماس” في الذاكرة الأكاديمية المغربية.. الإشراق الفكري والموقف السياسي

– الدستور نيوز

اخبار منوعه – “هابرماس” في الذاكرة الأكاديمية المغربية.. الإشراق الفكري والموقف السياسي

المصدر : www.hespress.com

.