دستور نيوز
هناك كتب تقرأها دفعة واحدة، وتستغرق منك وقتا طويلا بحيث لا تستطيع إخراجها، و”ميموزا” لصلاح الوادي أحد هذه الكتب. كنت قد حصلت على هذه السيرة قبل حلول شهر رمضان بأسابيع قليلة، واحتفظت بها للشهر الكريم، فكانت من أفضل ما أحفظ. لقد استمتعت كثيرًا بالكتاب الذي يتجاوز الخمسمائة صفحة، وأنهيته في يومين فقط. ولم أتركه في هذه الأيام إلا على طاولة طعام أو سرير للنوم.
«الميموزا: سيرة أحد الناجين من القرن العشرين» عمل مثير يجمع بين الشهادة الأدبية والذاكرة السياسية، ويستذكر مسارات حياة غنية تشابكت فيها التجربة الشخصية مع تاريخ بلد بأكمله. على مدى أكثر من خمسمائة صفحة، يتيح صلاح الوادي لقارئه رحلة ممتعة عبر الزمن. وكأنك أيها القارئ تستذكر تاريخك الحالي؛ تاريخ مر من قبلك وربما تكون قد شاركت فيه، أو على الأقل جزء منه.
بالنسبة لي، لم تكن «الميموزا» مجرد قراءة رمضانية عابرة، غرضها استرخاء النفس، بل كانت رحلة عبر زمن مشترك مضى دون أن ينتهي أو يتبدد، في تاريخ رأيته يمر أمام عيني دون أن أدرك مدى قربه مني، وأحياناً كنت في قلبه دون أن أدرك.
أما صلاح الوادعي، فهو ليس صديقا عزيزا علي فحسب، ولا شاعرا أحببت شعره، ولا معتقلا سياسيا من سنوات الرصاص تعاطفت مع قضيته، ولا عضوا في هيئة الإنصاف والمصالحة التي تابعت أعماله عن كثب. بل هو شاهد على العصر المغربي في لحظات تحول جوهرية فتحت لنا كمغاربة آمالا واسعة ضاقت بعضها اليوم حتى تحولت إلى غصة في الحلق وألم في القلب.
صلاح الوادي يقدم كتابه منذ البداية كشهادة لا تدعي كتابة التاريخ. يقول:
«ليس من السهل أن تكتب عن حياتك، فأنت في كل لحظة معرض للخطأ أو المبالغة أو الإخفاء أو النسيان أو التغافل… علاوة على ذلك، أنا لا أدعي كتابة التاريخ».
لكن حتى عندما لم يكن ينوي كتابة التاريخ، كان يكتب الذاكرة. هذه مهمة أكثر إبداعًا ونبيلة. لأن كتابة الذاكرة لا تقتصر على استدعاء الماضي، بل تتعدى ذلك لتصبح عملية حية تضع الذات في قلب الكتابة. إنها شهادة نابضة بالحياة تتطلع إلى المستقبل، ولا تقتصر على سرد أحداث الماضي.
عندما يكتب الإنسان ذاكرته فإنه يسجل بعدا شخصيا يربط ماضيه وحاضره ومستقبله، حيث تتشابك تجربته الذاتية مع السياق العام، مما يجعل الذاكرة أكثر صدقا ودفء وأصالة من التاريخ، الذي قد يتحرك بين الزمان والمكان في حياد بارد، دون أن يعكس طموحات الإنسان.
أثناء قراءتي لـ«الميموزا»، كنت أتابع فصول السيرة بشغف القارئ الذي يتعثر بين الحين والآخر في ظلال ذاكرته. لقد تابعت عن كثب، حتى من الخارج، ديناميكية منتدى الحقيقة والعدالة، وشاركت في القافلة الشهيرة والرمزية للغاية التي نظمها المنتدى والحركة الوطنية لحقوق الإنسان إلى تازمامارت، وكنت وقتها كاتبا عاما لفرع ورزازات للجمعية المغربية لحقوق الإنسان. لكن بصراحة، لم أتخيل أن لي دورًا خفيًا في تلك الرحلة التاريخية، حتى وصلت إلى الصفحة 322.
وفي تلك الصفحة، يروي صلاح الوادي قصة أول لقاء له مع “وحش تزمامارت”، متسائلا:
“كيف التقيت بالوحش لأول مرة؟ وكيف ذهبت إليه بشكل غير متوقع؟ “
ثم يجيب على سؤاله بقوله:
“لن يصدق أحد أن أمسية شعرية هي التي قادتني إليها. أذكر يوم قدمت إلى قلعة مكونة جنوب المغرب ضيفا على محبي الشعر. جئت لأقرأ قصائدي، ثم سهرتُ معهم وأصبحت في تزمامارت… كان موعدا مكتوبا على اللوح، ليدخلني إلى قرية تزمامرت عبر بوابة الشعر، على يد صديقي الشاعر ياسين عدنان، ولم يكن يعلم…”.
توقفت عند هذه الجملة. قرأته وأعيد قراءته مرتين، ثلاث مرات:
“وهو لا يعلم.”
لم أعلم يا عزيزي صلاح، لأنك لم تخبرني قط.
وحتى عندما رافقتك بعد بضعة أشهر إلى تزمامارت، لم تسرني بهذا الأمر.
لقد علمت بذلك فقط أثناء قراءة “الميموزا”. كنت منغمسًا في القراءة، مستمتعًا بها، حتى صادفتني هذه العلامة المفاجئة التي فاجأتني. لقد كان شعورًا غريبًا، مزيجًا من الدهشة والحنين. وكأن الكتاب فتح لي نافذة على حياة عشتها دون أن أراها، بل رأيتها فقط من خلال كلماتك. شعرت في تلك اللحظة أن الذاكرة ليست مجرد رواية، بل هي حياة تنبض بين السطور.
ثم عدت أنا أيضا بذاكرتي، إلى تلك الأمسية الشعرية في دار الشباب بقلعة مكونة، في منتصف شهر مايو من عام 2000، أي منذ أكثر من ربع قرن. بدا المشهد حياً في ذاكرتي وكأنه حدث بالأمس: الوجوه العطشى، ورائحة الورد التي تفوح من وادي ميكون، ورائحة الليل الذي يحمل في داخله مزيجاً من الطمأنينة والتوتر، والقاعة المزدحمة بالكبار والصغار، والجمهور المتلهف الذي لم يكن مجرد متفرج.
في تلك اللحظة، كان الشعر يفتح – دون انتباهنا – أبواباً مخفية إلى مكان آخر: إلى تازمامارت، إلى الجرح الكبير، إلى الألم الذي يختزن التاريخ بصمت.
ولم أكن أعلم أن تلك الأمسية التي بدت حينها مجرد احتفالية شعرية، كانت في الحقيقة بداية خيط خفي أدى فيما بعد إلى قافلة حقوق الإنسان التي خططتم لها مع المرحوم إدريس بنزكري ورفاقكم، والتي أشرفت على تنظيمها أنت أخي صلاح.
بعد أربعة أشهر فقط من أمسيتنا الشعرية في قلعة مكونة، وجدنا أنفسنا منخرطين في تلك المسيرة التي قادتنا إلى الجلوس أمام معتقل تزمامارت السري الرهيب في أكتوبر 2000. تزمامارت: الغول الذي أكل العشرات، كما وصفته في كتابك، يقف هناك في الأفق كظل ثقيل، يربط اللحظة الشعرية البريئة بصرخة الحقوق التي لم تنطفئ.
أحسست في تلك اللحظة أن الشعر في حد ذاته ليس مجرد كلمات، بل هو شرارة قد بدأت، خيط يربط بين الشعور والذاكرة والعمل، بين الطمأنينة التي يحملها المساء والجرح الكبير الذي تنتظر الحقيقة أن تنكشف.
حملت ذلك الخيط الخفي بين أمسية الربيع الشعرية وقافلة الخريف القانونية، وكنت غافلاً أسير في أحد أزقة التاريخ الضيقة دون أن أتبين خريطته بأكملها.
وهذا ما تفعله الكتب المليئة بالوحي الشفاف: تعيد رسم الخريطة وتسلمك المفتاح، لتتضح أمامك التضاريس وتنكشف لك الرموز.
كتاب مثل «ميموزا» لا يكتفي بسرد الحقائق فحسب، بل يعيد رسم علاقتنا بها، ويكشف أن التفاصيل الصغيرة العابرة قد تحمل في داخلها قصة أكبر، قصة تتجاوز اللحظة لتصبح جزءًا من قصة الإنسان.
ولعل هذا هو جوهر كتابك: التأكيد على أن الذاكرة ليست مجرد ماض نروي تفاصيله، بل هي شبكة من الأقدار والصدف والمعاني التي تتكشف على مر الزمن. إنها سيرة فرد نعم، لكنها في الوقت نفسه مرآة لجيل كامل عاش تحولات كبيرة، بين القهر والأمل، بين الألم والرغبة في بناء مستقبل أكثر عدلا.
أما اضطراب لحظتنا الراهنة فإنه يطرح بقوة السؤال التالي: هل أصبحت البلاد اليوم أقل استعداداً لاستيعاب ذلك العنف القديم؟ أم أن تلك الروح الحية لا تزال كامنة في الذاكرة والوجدان، تقاوم بصمت الركود السياسي والقانوني، تنتظر بارقة أمل قد تسمح لها بالتوهج من جديد؟
#صلاح #الوادي #يمزج #بين #الشهادة #الأدبية #والذاكرة #السياسية #في #سيرة #الميموزا
صلاح الوادي يمزج بين الشهادة الأدبية والذاكرة السياسية في «سيرة الميموزا»
– الدستور نيوز
اخبار منوعه – صلاح الوادي يمزج بين الشهادة الأدبية والذاكرة السياسية في «سيرة الميموزا»
المصدر : www.hespress.com
