.

أخبار منوعة – الإسراف في رمضان.. بين روحانية العبادة والمسؤولية الاقتصادية والبيئة

أخبار منوعة – الإسراف في رمضان.. بين روحانية العبادة والمسؤولية الاقتصادية والبيئة


دستور نيوز

الدوحة – قنا :

يعد شهر رمضان المبارك فرصة لتعزيز قيم الاعتدال والتوازن والتضامن وضبط النفس. إلا أن هذا الشهر يشهد اختلافاتنا ملفتة على أكثر من صعيد، إذ يشهد ارتفاعا في معدلات الاستهلاك في مختلف المجالات، خاصة في الغذاء والطاقة والمياه. فبدلاً من أن يكون رمضان شهر الاقتصاد والاعتدال، يتحول بالنسبة لبعض العائلات إلى موسم الإسراف والإنفاق.
إن الإفراط في الاستهلاك خلال شهر رمضان يتناقض مع جوهر الصيام الذي يقوم على تطهير النفس وتعزيز قيم التكافل. ومن الناحية البيئية، فإن هذا الاستهلاك المفرط يؤدي إلى تفاقم مشاكل النفايات، ويزيد الضغط على الموارد الطبيعية، ويساهم في زيادة البصمة الكربونية، مما ينعكس سلباً على البيئة والمجتمع.
وفي هذا السياق، حذّر خبراء من التبعات السلبية لارتفاع فاتورة الاستهلاك غير الرشيد على الأسر وميزانياتها خلال شهر رمضان المبارك، مشيرين إلى ضرورة تقييد السلوكيات التي تساهم في تحقيق الأهداف الحقيقية المتمثلة في فرض شعيرة الصيام.
أشار خبراء استطلعت وكالة الأنباء القطرية (قنا) أن ارتفاع الاستهلاك في شهر رمضان المبارك لم يعد يقتصر على الغذاء فقط، بل أصبح ظاهرة شاملة تمتد إلى مختلف أنماط الحياة اليومية، من استهلاك الطاقة والمياه، إلى الطلب المتزايد على المشتريات، والإنفاق غير المخطط له، في تناقض صارخ مع القيم الروحية التي من المفترض أن يكرسها الشهر الفضيل.
وفي هذا السياق أكد الدكتور سيف بن علي الهاجري رئيس مركز حماية الطبيعة أن رمضان تحول بالنسبة لشريحة من المجتمع إلى موسم استهلاك مكثف بدلا من أن يكون محطة للمراجعة والترشيد، موضحا أن التركيز على هدر الطعام، رغم أهميته، لا يعكس الصورة الكاملة لحجم المشكلة.
ونوه إلى أن الاستهلاك يتضاعف في رمضان في أكثر من جانب، وما الغذاء إلا الجزء الأكثر وضوحا من ظاهرة أوسع تشمل الطاقة والمياه والسلع وحتى الوقت، معتبرا الغذاء المؤشر الأكثر وضوحا على تفاقم الاستهلاك خلال الشهر الكريم، إذ تشير الأرقام إلى أن معدلات هدر الطعام تتراوح بين 30 و50 بالمئة من إجمالي الأغذية المجهزة في المنازل والفنادق والمطاعم.
وأشار الدكتور الهاجري إلى أن متوسط ​​هدر الفرد في قطر خلال شهر رمضان يفوق المعدلات العالمية، مؤكدا أن هذه الأرقام تعكس خللاً في ثقافة الاستهلاك والتخطيط الغذائي، خاصة مع توسع الولائم والدعوات الرمضانية، وارتفاع الطلب على الوجبات الجاهزة.
وأشار رئيس مركز حماية الطبيعة إلى أن استهلاك الطاقة والمياه خلال شهر رمضان لا يقل أهمية عن هدر الطعام، حيث تشهد المنازل زيادة في معدلات استخدام الكهرباء بسبب كثرة الطهي وتشغيل الأجهزة المنزلية لساعات أطول، بالإضافة إلى زيادة استهلاك المياه المرتبطة بإعداد الطعام وتنظيفه.
وأوضح أن هذه الزيادة تمر في كثير من الأحيان دون وعي حقيقي بآثارها رغم تأثيرها المباشر على الضغط على الموارد الطبيعية والبصمة البيئية العالية، مؤكدا أن ترشيد الطاقة والمياه لا يقل قيمة دينية وأخلاقية عن ترشيد الغذاء.
كما أشار إلى أن الاستهلاك خلال شهر رمضان يمتد ليشمل السلع غير الغذائية، حيث تشهد الأسواق والمجمعات التجارية إقبالاً متزايداً على المشتريات، مدفوعة بالعروض الترويجية والمواسم الاستهلاكية المرتبطة بالشهر الفضيل، حيث يعكس هذا النمط من الإنفاق ثقافة استهلاكية موسمية لا تقوم على حاجة فعلية بل على دوافع اجتماعية ونفسية، محذراً من آثاره الاقتصادية على الأسر، خاصة مع زيادة الالتزامات المالية خلال شهر رمضان وما يليه.
وفي بُعد أقل نقاشاً، أشار الدكتور سيف بن علي الهاجري إلى أن إضاعة الوقت هو شكل آخر من أشكال الاستهلاك غير الرشيد في رمضان، حيث يغلب الانشغال بالاستعداد والاستهلاك على حساب جوهر الشهر القائم على العبادة والتأمل والتكاتف، مؤكداً أن إدارة الوقت تمثل عنصراً أساسياً في تحقيق التوازن بين متطلبات الحياة اليومية وروحانية الشهر الكريم.
وعن الأسباب الجذرية لارتفاع الاستهلاك بأشكاله المختلفة، اعتبر الهاجري أنه يعود إلى ترسيخ بعض العادات الاجتماعية التي تربط الوفرة بالوضع الاجتماعي، وضعف التخطيط على مستوى الأسر والأفراد، والتأثير الإعلاني والتجاري خلال شهر رمضان، ومحدودية الوعي بالتأثيرات البيئية والاقتصادية طويلة المدى.

وشدد الدكتور سيف بن علي الهاجري على أن دولة قطر تبذل جهودا متواصلة لتعزيز ثقافة الاستهلاك المسؤول من خلال استراتيجية قطر الوطنية للأمن الغذائي وبرامج الحد من النفايات، بالإضافة إلى المبادرات البيئية والمجتمعية الهادفة إلى ترسيخ مفاهيم الاستدامة، لافتا إلى أن المبادرات الخيرية والتطبيقات الذكية والشراكات مع القطاع الخاص تمثل نماذج عملية للتعامل مع فائض الاستهلاك، لكن نجاحها يبقى مرتبطا بتغيير السلوك الفردي.

ودعا إلى إعادة تعريف العلاقة مع الاستهلاك خلال شهر رمضان، مؤكدا أن الترشيد لا يعني التقليل من الكرم، بل توجيهه إلى الطريق الصحيح، خاصة أن «رمضان فرصة لممارسة الوعي وليس مضاعفة الاستهلاك، وكل مورد نحافظ عليه اليوم هو حق للأجيال القادمة».

واعتبر أن بناء مجتمع مستدام يبدأ بقرارات يومية بسيطة تتعلق بما نشتريه وما نستهلكه وما نهدره، مؤكدا أن روح رمضان الحقيقية تكمن في التوازن وليس في الإفراط.

بدوره قال الدكتور عمر خليف غرايبة أستاذ المالية في كلية الأعمال بجامعة آل البيت من الأردن في تصريحات خاصة لـقنا إن شهر رمضان تحول إلى ظاهرة استهلاكية موسمية فريدة من نوعها في المجتمعات الإسلامية، وتمتد آثارها إلى الموارد الأساسية مثل المياه والطاقة، بالإضافة إلى سلوك المستهلك للسلع والخدمات، حيث تشير التقديرات الميدانية إلى زيادة الطلب على المواد الغذائية بنسبة قد تصل إلى ما بين 50% و100% في بعض الأسواق خلال الشهر، مع تزايد هدر الطعام بشكل ملحوظ.

ونوه إلى تقديرات منظمة الأغذية والزراعة (الفاو) بأن نحو 1.3 مليار طن من الطعام يتم هدرها سنويا، ويبرز شهر رمضان كمثال على هذا التحدي الموسمي الذي يعكس فجوة بين القيم الروحية للاقتصاد في الرغبات والواقع العملي للمجتمعات. وأشار إلى أن الشهر الكريم يتحول أحيانا إلى موسم استهلاك مدفوع بالعادات الاجتماعية والدعاية والإعلانات، حيث يصبح التسوق هدفا قائما بذاته، ويزداد الإنفاق قبل الإفطار نتيجة الجوع والتحفيز النفسي. ويعكس هذا التحول النفسي والاجتماعي المفارقة الأساسية: الصيام شهر مراقبة. الرغبات، لكنها في الواقع تشهد انتشار الاستهلاك المفرط والهدر، مما يشكل ضغطاً على موارد الأسرة والاقتصاد العام.

وترتبط أبرز النفايات الاستهلاكية، إضافة إلى الأبعاد الاقتصادية، بالتحديات البيئية الملحوظة: استنزاف المياه والطاقة، وزيادة النفايات العضوية، وارتفاع الانبعاثات الكربونية، فضلا عن تأثير الاستهلاك المفرط على صحة الفرد، حيث يحذر خبراء التغذية من الإفراط في تناول الحلويات والأطعمة الدهنية وسوء تنظيم النوم، وهو ما يعكس أن القصور في إدارة الموارد يمتد من المجتمع إلى الجسم نفسه.

وقال غرايبة: “يصبح رمضان هنا اختباراً متكاملاً لإدارة الذات والموارد، على المستويين الفردي والمجتمعي، وربط القيم الروحية بالمسؤولية الواقعية. ومن منظور استراتيجي، تظهر الظاهرة فجوة القيم المعلنة مقابل السلوك الفعلي”، مشدداً على ضرورة ألا يكون رمضان مجرد مناسبة للطعام الجيد أو التفاخر الاجتماعي، بل فرصة لتعزيز الاعتدال والانضباط في الموارد الشخصية والعامة، وإشراك المجتمعات في سلوكيات مستدامة تقلل من الهدر وتدعم الأمن الغذائي. ومن ثم فإن الحلول ليست فردية فحسب، بل تتطلب سياسات عامة تشجع الاستهلاك الرشيد والعودة. استخدام والتبرع بما لا يتم استهلاكه.

إن معالجة ظاهرة الإسراف في رمضان تتطلب وعياً مزدوجاً: وعي ديني يعيد الصيام إلى معناه الحقيقي المبني على النية والاعتدال، ووعي اقتصادي وبيئي يدرك تأثير السلوك الفردي على استدامة الموارد. إن الموازنة بين البعد الروحي والمسؤولية البيئية هو السبيل لجعل رمضان شهر العبادة الحقة والتنمية المستدامة في نفس الوقت.

#الإسراف #في #رمضان. #بين #روحانية #العبادة #والمسؤولية #الاقتصادية #والبيئة

الإسراف في رمضان.. بين روحانية العبادة والمسؤولية الاقتصادية والبيئة

– الدستور نيوز

اخبار منوعه – الإسراف في رمضان.. بين روحانية العبادة والمسؤولية الاقتصادية والبيئة

المصدر : www.raya.com

.