دستور نيوز
في مصر، لا يمر شهر رمضان المبارك بالتقويم العابر، بل يأتي كضيف قديم يعرف البيوت والشوارع، ويحفظ الوجوه، ويوقظ في الذاكرة طبقات من الحنين لا تنفصل عن التاريخ ولا تهرب من العاطفة. لا يقاس رمضان بعدد أيامه، بل بالأثر الذي يتركه في النفوس، وبما ينسجه من طقوس موروثة تجعل منه متنفسا للحياة إلى جانب الاجتهاد في العبادة. ولذلك يكرر المصريون، جيلا بعد جيل، أن رمضان له «نكهة خاصة»، وأنه شهر تتشكل أجواءه حسب الروح المصرية قبل أن يخضع لتعاقب الفصول.
مع اكتمال دورة شهر رمضان بين الفصول الأربعة، وعودته في الشتاء، يستعيد المصريون صفحة قديمة في ذاكرتهم، صفحة مرتبطة ببدايات الصيام الأولى، بالنهار الشتوي القصير الذي يريح البدن من المشقة، وبالليل الطويل الذي يفتح أبوابه على مصراعيها للصلاة والذكر والزيارة. إنها عودة «رمضان الشتاء»، ذلك الزائر الذي طالما ارتبط في المخيلة الشعبية بالطمأنينة والدفء الإنساني الذي يعوض برودة الطقس، والقدرة على الجمع بين العبادة ولذة اللقاء.
وفي هذا السياق، يبدو المشهد مختلفاً بشكل خاص بالنسبة لجيل الشباب، الذي لم يعرف من قبل صيام رمضان في الشتاء، ولم يختبر تلك المفارقة الجميلة بين برودة الطقس وحرارة الأجواء الدينية والاجتماعية. كما تمثل هذه العودة فرصة للأطفال ليتعلموا ويعتادوا على الصيام في ظروف أقل صعوبة، حيث يقصر النهار ويطول الليل، فيصاحب الصيام بالنسبة لهم لعب وفرح وطقوس احتفالية خلقت لهم فرحة خاصة بقدوم الشهر الفضيل، من الفوانيس المضيئة إلى الأغاني الرمضانية التي يتردد صداها في الأزقة والشرفات.
يجد المصريون في «رمضان الشتاء» مناسبة لاستحضار البعد الروحي العميق لوجوب الصيام، حيث يتجلى هذا الشهر على أنه «موسم الطاعة» بامتياز، وهي فكرة ترسخت في الوعي الديني منذ قرون، استنادا إلى ما ورد في الأحاديث النبوية وأقوال الصحابة، ومنها قول عمر بن الخطاب رضي الله عنه: «الشتاء غنيمة العباد».. يومه القصير فيسهل الصيام، وليله الطويل يفتح مجالا أوسع للصلاة، وكأن الوقت نفسه متحيز. للعباد في هذا الفصل.
وفي ضوء ذلك، تشهد المساجد في جميع أنحاء مصر إقبالا ملحوظا خلال شهر رمضان، والذي يتضاعف في فصل الشتاء، حيث يجد المصلون مساحة أكبر لحضور الصلوات الخمس في المسجد والاستمتاع بصلاة التراويح دون إرهاق الحر، بالإضافة إلى جلسات تلاوة القرآن الكريم، والدروس الدينية، والمحاضرات التعليمية.
تتحول المساجد، خاصة في الأحياء والقرى الشعبية، إلى مراكز إشعاع روحي واجتماعي، تستضيف فيها مسابقات لحفظ القرآن الكريم، يشارك فيها الأطفال والشباب بحماس كبير، وسط تشجيع الآباء واعتزازهم بأبنائهم، في أجواء تفيض بالألفة والطمأنينة.
ولا تقتصر هذه الأنشطة على المدن الكبرى، بل تمتد إلى الريف المصري، حيث لا يزال “القراء” يقامون في المنازل أو الساحات أو المساجد الصغيرة، ويتنافس الناس على استضافة جلسات التحفيظ والتلاوة والتدبر، في تقليد يعكس عمق العلاقة بين المجتمع الريفي والقرآن الكريم.
وفي هذه التجمعات تمتزج أصوات التلاوة بدفء العلاقات الإنسانية، وتتحول ليالي رمضان إلى مناسبات توحيدية تدخل البهجة إلى القلوب، وتعيد إنتاج روح الجماعة التي شكلت أحد ركائز الحياة المصرية على مر العصور.
ومع امتداد ليالي الشتاء، هناك المزيد من الوقت للزيارة والتجمع حول موائد الإفطار، التي لا تزال تحتفظ بمكانتها كأحد أبرز رموز الاحتفال برمضان في مصر. وعلى مدار العقد الماضي، شهدت هذه الموائد تطورا ملحوظا، إذ لم تعد تقتصر على الإفطار فقط، بل امتدت إلى السحور، حيث أصبحت النوادي والحدائق والأماكن العامة تستضيف تجمعات رمضانية تمتد حتى الساعات الأولى من الصباح، في مشهد يعكس قدرة المصريين على تحويل أجواء الشهر الفضيل إلى مساحة للتواصل الاجتماعي، دون أن تفقد معناها الروحي.
تشهد المناطق التاريخية في مصر، خاصة في فصل الشتاء، خلال شهر رمضان، إقبالا كبيرا من المواطنين والمغتربين، في ظل ما تحمله من تراث ثقافي وحضاري عريق. كما تتحول ضفاف نهر النيل إلى مقصد العديد من العائلات التي تتجمع هناك لتناول وجبة الإفطار، وسط أجواء مليئة بالدفء والود، خاصة في قلب مدينة القاهرة القديمة.
تصطف العائلات على كورنيش النيل قبل ساعات من الإفطار للاستمتاع بهذا المزيج من أجواء نهر النيل اللطيفة وما يجلبه من خير، وللتجمع حول موائد الإفطار المليئة بالمودة والبهجة.
وفي سياق ما يحمله هذا الجو من رضا وبساطة وسعادة للجميع، قال مسعود شومان، الباحث في مجال التراث الشعبي ورئيس الإدارة المركزية للشئون الثقافية بالهيئة العامة لقصور الثقافة المصرية، في تصريح لوكالة الأنباء القطرية (قنا): “ليس من المستغرب أن يرتبط النيل بالحياة وتفاصيلها، ومن بين ذلك احتفال الأسر المصرية بتناول وجبة الإفطار على ضفافه لأنه مصدر خير وتجمع الألفة والمودة”.
وأضاف أن النيل علامة رمزية لاستقبال الفرح في الطقوس الجماعية، وهذا استحضار لتاريخ طويل من اهتمام المصريين بالتجمعات العائلية، التي كانت طقوسًا ثابتة لآبائهم وأجدادهم، وجزءًا لا يتجزأ من هوية المصريين، حيث كان من عاداتهم الاحتفال بالطبيعة في المناسبات المختلفة وإعداد الموائد المزدحمة التي كانت مفتوحة ومعدة لكل عابر، وأصبحت هذه الموائد أكثر بريقًا في شهر رمضان المبارك.
وحول العلاقة العميقة الجذور بين المصريين ونهر النيل، قال الدكتور طه أبو حسين أستاذ علم الاجتماع بجامعة الأزهر لوكالة الأنباء القطرية (قنا) إن تعلق المصريين بنهر النيل وحرصهم على تناول وجبة الإفطار على ضفافه يجعل الأجواء أكثر هدوءا وحيوية، مشيرا إلى أن ارتباط المصريين بنهر النيل تاريخي وله انعكاسات نفسية عليهم، لأن الناس يحبون الجلوس والتجمع أمام الماء في جو مريح. وقال أبو حسين: “إن تعلق المصريين بالنيل كتراث حي أمر طبيعي، فإذا ذهبت إلى أي مكان في العالم ستجد الناس يلجأون ويتجمعون حول منابع المياه، لأن الإنسان عندما يكون أقرب إلى الماء بشكل عام فإن ذلك يمنحه بعض الطمأنينة والراحة، وإذا تناول الطعام في هذه الأجواء يشعر بحالة من السعادة والرضا، وهو ما ندركه بالكامل في شهر رمضان المبارك الذي يحمل الخير والبركة على الجميع”.
تعود جذور الاحتفال برمضان في مصر إلى قرون مضت، حيث تشير المصادر التاريخية إلى أنه في نهاية الألفية الأولى شهد رمضان تنظيما واسعا للاحتفالات، من إضاءة الشوارع بالفوانيس إلى إقامة الموائد العامة وتكثيف الدروس الدينية في المساجد الكبرى.
ويعتقد أن الفانوس، الذي أصبح رمزا يرتبط ارتباطا وثيقا برمضان في مصر، ظهر في نهاية الألفية الأولى، ليحول هذا التقليد على مر العصور إلى طقوس رمضانية موروثة.
وفي العصر المملوكي، اكتسب رمضان بعدا احتفاليا أكثر اتساعا، حيث ازدهرت الأسواق ليلا، وأقيمت جلسات الذكر والإنشاد، وانتشرت موائد الصدقات، فيما نظمت الدولة في ذلك الوقت بعض جوانب الاحتفال لضمان الأمن وتوفير السلع. أما في العصر العثماني، فقد نشأت عادات عديدة لا تزال موجودة حتى اليوم، مثل المسحراتي الذي يجوب الشوارع لإيقاظ الناس على السحور، في مشهد أصبح جزءا لا يتجزأ من الذاكرة الرمضانية المصرية.
في العصر الحديث، ومع تطور وسائل الاتصال وتغير أنماط الحياة، شهدت الاحتفالات الرمضانية في مصر تحولات جديدة، دون أن تفقد جوهرها. ودخلت الإذاعة ومن ثم التلفزيون على خط طقوس رمضان، من خلال البرامج والمسلسلات والفوازير الدينية، التي أضافت بعدا ثقافيا وفنيا لأجواء الشهر الفضيل، وجعلت من رمضان ملتقى للروح والترفيه معا.
وتوفر ليالي الشتاء في رمضان فرصة ثمينة للاستمتاع بهذه التجمعات لفترات أطول، حيث يبدأ المساء عادة بصلاة المغرب في أحد المساجد القديمة، يليها الإفطار، ثم صلاة العشاء والتراويح وصولا إلى السحور، في أجواء مليئة بالمودة، ترتفع فيها أصوات كبار القراء والمطربين المصريين، الذين يتغنون بفضائل الشهر الفضيل، محيين تقاليد الغناء الديني الذي ميز دائما الذوق الروحي في مصر.
ولا يقتصر هذا المشهد على القاهرة وحدها، بل يمتد إلى مدن أخرى أبرزها الإسكندرية، حيث تمثل ساحة مسجد المرسي أبو العباس إحدى العلامات البارزة للاحتفال برمضان، حيث تتجمع العائلات والشباب في أجواء إيمانية، وتصبح أكثر إشراقا واتساعا خلال ليالي الشتاء، عندما يمتزج نسيم البحر بروحانية الشهر الفضيل.
بالتوازي، يجد المصريون في ليالي رمضان الطويلة مساحة واسعة لممارسة الأنشطة الاجتماعية والرياضية، أبرزها «البطولات الرمضانية لكرة القدم»، التي أصبحت تقليدًا راسخًا في الأحياء ومراكز الشباب والأندية. وقد شهدت هذه الدورات تطوراً ملحوظاً خلال القرن الحالي، سواء على مستوى التنظيم أو المشاركة، حتى أصبحت منصة لاكتشاف المواهب لدى الأطفال والشباب، فضلاً عن كونها مساحة للفرح والمنافسة الشريفة.
#رمضان #في #شهر #الشتاء #في #مصر. #طقس #بارد #وقلوب #دافئة
رمضان في شهر الشتاء في مصر.. طقس بارد وقلوب دافئة
– الدستور نيوز
اخبار منوعه – رمضان في شهر الشتاء في مصر.. طقس بارد وقلوب دافئة
المصدر : www.raya.com
