.

أخبار منوعة – آيت باجة: المنتج الفني ليس عملاً فردياً.. و”الممثل مُدان حتى تثبت براءته”

أخبار منوعة – آيت باجة: المنتج الفني ليس عملاً فردياً.. و”الممثل مُدان حتى تثبت براءته”


دستور نيوز

وقال الأستاذ بالمعهد العالي للفنون المسرحية والتنشيط الثقافي سعيد آيت باجا، إن تحميل الممثل وحده مسؤولية فشل الأعمال الرمضانية يختزل مشكلة معقدة إلى عنصر واحد، ويتجاهل طبيعة العملية الفنية كمنتج جماعي تتقاسمه أطراف متعددة.

وأوضح آيت باجة، في مقال بعنوان: “الممثل محكوم عليه حتى تثبت براءته”، أن الفنان المغربي غالبا ما يكون الحلقة الأضعف في سلسلة قرارات الإنتاج والإبداع التي لا سيطرة له عليها، لكنه يتحمل عواقبها كاملة أمام الجمهور.

وأضاف أن منطق المحاسبة الانتقائية يحجب النقاش الحقيقي حول جودة النصوص وشروط الإنتاج وتوجيه الاختيارات، مؤكدا أن تحسين المنتج الرمضاني يمر عبر إعادة ترتيب المسؤوليات وتعزيز الاستثمار في الكتابة والتأليف، بدلا من الاكتفاء بتوجيه النقد إلى الواجهة الظاهرة للعمل.

الفاعل مذنب حتى تثبت براءته

في كل موسم رمضاني يتكرر نفس المشهد؛ بمجرد تقديم منتج فني ضعيف، تضج مواقع التواصل الاجتماعي بالانتقادات، ويتوجه الغضب مباشرة إلى الممثل. يتحول الفنان المغربي إلى وتد تتدلى عليه كل العيوب، وكأنه هو من كتب السيناريو، وحدد الميزانية، واختار الرؤية الإخراجية، وحدد شروط الإنتاج. الحقيقة التي نتجنب الاعتراف بها هي أن الفنان غالبًا ما يكون الحلقة الأضعف في سلسلة طويلة من القرارات التي ليس له سيطرة عليها، لكنه يتحمل عواقبها كاملة أمام الجمهور.

فالمنتج الفني ليس عملاً فردياً، بل هو نظام دقيق ومعقد. يبدأ من فكرة قد تكون قوية أو عابرة، ثم يمر بنص يُكتب أحيانًا تحت ضغط الوقت، ثم الإنتاج الذي يحدد الإمكانيات والمدة، ثم الاتجاه الذي يترجم الرؤية، ثم المونتاج الذي يعيد تشكيل الإيقاع، وصولًا إلى التسويق والبث. وفي هذه السلسلة، يعد الممثل عنصرا أساسيا، لكنه ليس صاحب القرار في أي من هذه المراحل. ومع ذلك، عندما يفشل العمل، يتم تقليل كل هذا التعقيد إلى وجهه.

يُتهم بالسطحية، أو السعي وراء المال، أو ضعف الأداء، في حين أن السيناريو نفسه قد يكون ضعيفاً، أو قد تكون الشخصية غير مكتملة البناء، أو أن ظروف التصوير لا تسمح بالبحث والتجريب. قد يتم ضغط الوقت الإنتاجي لدرجة أنه يحرم العمل من التطوير. في كثير من الحالات، يُطلب من الفنان إنقاذ ما لا يمكن إنقاذه: إعطاء عمق لشخصية لم تكن مكتوبة بعمق، وخلق تناغم داخل حبكة مفككة، وتحقيق معدلات مشاهدة عالية في وقت قياسي. ومن ثم، بعد العرض، فهو وحده مسؤول أمام الرأي العام، وكأن العملية الفنية عمل فردي وليس مشروعاً جماعياً.

خلف الصورة التي يراها المشاهد يوجد إنسان. يعود أحد الممثلين إلى منزله منهكًا بعد ساعات طويلة من التصوير. يراجع مشاهده بفارغ الصبر ويتساءل عما إذا كان قد بذل قصارى جهده. وتمنى أن يحقق عمله النجاح المنشود. وبعد ساعات من بث مسلسله، يفتح هاتفه ليجد أحكاما قاسية قد تصل إلى حد السب والشتم، أحكام تختصر سنوات من التدريب وتتحول إلى تعليق ساخر. هناك فنان يقبل أحياناً دوراً غير مثالي لأنه يحتاج إلى الاستمرار، لأن سوق العمل محدود جداً، ولأن فرص العمل غير مضمونة. ليس كل اختيار فني ينبع من قناعة كاملة؛ في بعض الأحيان يكون ذلك تعبيراً عن واقع مهني هش.

إن اقتصاد الإنتاج الرمضاني محكوم بحسابات السرعة والإعلان ونسبة المشاهدة. إنه صراع مع الزمن في ظل منافسة شديدة ورهان تجاري صعب. في مثل هذه البيئة، تصبح الجودة خاضعة للميزانية والتخطيط المسبق. إذا لم يتم الاستثمار كتابياً منذ البداية، وإذا لم يُمنح النص وقته الطبيعي لينضج، فإن النتيجة ستكون متوقعة. لكن بدلاً من محاسبة أصحاب القرار المالي والإبداعي، يُدفع الفنان إلى الواجهة ليتلقى الضربات، لأنه الوجه المرئي، ولأن محاكمته أسهل من تفكيك النظام.

وهنا يبرز سؤال مشروع حول منطق يتكرر في بعض الإنتاجات: السعي إلى استقطاب «المؤثرين» بحجة امتلاك قاعدة جماهيرية واسعة، وكأن عدد المتابعين أصبح معياراً فنياً. قد يخدم الانتشار الرقمي الترويج، لكنه لا يحل محل التدريب الأكاديمي، والخبرة المسرحية، وأدوات الأداء. ولا يفتقر المغرب إلى الكفاءات، بل يمتلك مؤسسات متخصصة في تكوين الممثلين، أبرزها المعهد العالي للفنون المسرحية والتنشيط الثقافي، الذي تخرجت منه أجيال من الفنانين المؤهلين. إن تجاهل هذا المورد البشري والاعتماد على منطق «الشهرة السريعة» لا يخدم جودة المنتج، بل يعمق الأزمة.

ويبدأ تصحيح هذا المسار بإعادة ترتيب واضح للمسؤوليات. العمل الفني مسؤولية مشتركة، والنقد يجب أن يكون شاملا وليس انتقائيا. إن تأهيل الكتابة ضرورة، لأنها الأساس الذي يبنى عليه كل شيء. لا يمكن لأي ممثل، مهما كان موهوباً، أن يقف بثبات على أرضية درامية ضعيفة. احترام وقت التحضير، وضمان شروط الإنتاج الاحترافية، والاستثمار في التركيبة الحقيقية بدلاً من الرهان على الأرقام، كلها عناصر تحدد مستوى ما يظهر على الشاشة.

الفنان المغربي لا يطلب الحصانة من النقد، بل العدالة في النقد. من حق الجمهور أن ينتقد، بل وأن يكون صارماً، لكن من العدل أيضاً أن يوجه السؤال إلى كل من شارك في اتخاذ القرار، وليس فقط إلى من يظهر في الصورة. إن تحسين المنتج الرمضاني لا يتحقق بتكرار نفس الاتهام كل عام، بل ببناء الوعي المهني الذي يعتبر الجودة مسؤولية جماعية.

لأن استمرار الوضع على ما هو عليه لا يضعف الفنان وحده، بل يضعف الثقة في العملية الفنية ككل. أما التغيير الحقيقي، فهو يبدأ باعتراف بسيط ولكنه بالغ الأهمية: لا ينبغي للحلقة الأضعف أن تظل دائما في قفص الاتهام بينما تظل بقية الحلقات خارج المساءلة.

#آيت #باجة #المنتج #الفني #ليس #عملا #فرديا. #والممثل #مدان #حتى #تثبت #براءته

آيت باجة: المنتج الفني ليس عملاً فردياً.. و”الممثل مُدان حتى تثبت براءته”

– الدستور نيوز

اخبار منوعه – آيت باجة: المنتج الفني ليس عملاً فردياً.. و”الممثل مُدان حتى تثبت براءته”

المصدر : www.hespress.com

.