.

أخبار منوعة – الدبلوماسية ليلى شهيد.. رحيل رهيب يترك صمتاً وفراغاً في لغة فلسطين

الفن و الفنانين24 فبراير 2026
أخبار منوعة – الدبلوماسية ليلى شهيد.. رحيل رهيب يترك صمتاً وفراغاً في لغة فلسطين


دستور نيوز

إن رحيل ليلى شهيد ليس خبراً عابراً في تاريخ فلسطين. إنها لحظة صمت عظيمة تترك فراغاً يشبه الوطن عندما يفقد أحد وجوهه التي كانت تتكلم باسمه بحكمة وذكاء. ليلى شهيد كانت من ذلك النوع النادر: حضور دبلوماسي بصمود مناضل وأناقة مثقف. لم تمثل قضية على الورق، بل جسدتها في تفاصيل يومية: باللغة التي اختارتها، وبالهدوء الذي لا يتنازل، وفي القدرة على تحويل الألم إلى خطاب مفهوم للعالم.

كانت تعلم أن فلسطين لا تحتاج إلى من يصرخ باسمها فحسب، بل تحتاج أيضًا إلى من يبني لها مساحة من الاحترام داخل غرف صنع القرار. وبرحيلها تلاشت النبرة التي كانت تدافع عن الحق دون الإضرار به، وتدافع عنه دون تشويهه. وهو ما جعل من الدبلوماسية أداة مقاومة ذكية: مقاومة تتراكم وتقنع وتحرج، دون استجداء أو تجميل.

أما ارتباط اسمها باسم كاتبنا ومعلمنا محمد بردى، فهو ليس تفصيلاً عابراً من سيرتها الشخصية. إنها علامة على منزل كانت فيه الثقافة امتدادًا للنضال، وحيث كان الحب شكلًا راقيًا من الصمود. ولذلك عندما يلتقي الأدب بفلسطين في حياة واحدة، يصبح الرحيل خاتمة فصل مشرق… إلا أن أثره يبقى حاضراً في الذاكرة وفي اللغة.

ويكفي أن نتأمل كيف تحول سيرة كهذه الخبر إلى شهادة: شهادة امرأة لم تتنازل عن إنسانيتها، ولم تجعل من القضية شعارا، بقدر ما جعلتها معيارا يوميا للكرامة والاختيار. ولذلك فإن الغياب هنا لا يقاس بفراغ المكان، بل باليقظة التي يتركها في الكلمات. حضور يذكّر بأن الثقافة ليست ترفاً، وأن الحب عندما يقوم على الوعي العميق يصبح وطناً صغيراً لا يهزمه البعد ولا يطفئه الزمن.

رحلت ليلى شهيد، لكن ما تركته لن يرحل أو يختفي: هيبة امرأة جعلت من الانتماء مشروعاً، وسياسة كرامة، واسماً لفلسطين لا يُنسى. لقد سارت عبر العواصم بوضوح لا يتزعزع، ووضعت القضية الفلسطينية في قلب اللغة العامة، ثم أعادتها إلى أصلها الإنساني: حق يومي وعدالة لا يمكن تأجيلها. عرفت أن الدبلوماسية اختبار للنبرة أمام الموقف، فاختارت لهجة ترفع فلسطين من هامش الخبر إلى مركز الضمير، ومن ضجيج اللحظة إلى أفق التاريخ. ولذلك يبقى حضورها في إرث يلقن الأجيال درسا واحدا: نصنع الأمة بفكرة، ونحافظ على الحرية عهدا، ونحرس الذاكرة بيقظة لا تتلاشى.

فلسطين بصوت لا يلين

قدمت ليلى شهيد تعريفا صارما للنضال: العمل الذي يقف إلى جانب الحقيقة عندما يرفض العالم سماعها، والعمل الذي يحرس اللغة عندما تتحول إلى ساحة للمصادرة. ولم تعتمد على التعاطف، ولم تكتف بتثبيت الموقف داخل جماعة كانت تؤمن به أصلاً؛ لقد انتقلت نحو المنطقة الرمادية التي تخلقها السلطة عندما تعيد تسمية الجريمة لتظهر على أنها «خلاف»، وعندما تدفع الضحية إلى موقع «الطرف» ضمن معادلة تساوي غير المتكافئ. لقد واجهتم هذا التزييف بقرار فكري واضح: تسميون الأشياء بأسمائها، ثم تناضلون للدفاع عن هذه الأسماء ضمن مساحات تخشى الوضوح وتراهن على المواربة. ومن خلال هذا الاختيار، بنت أخلاقيات خطابية لا هوادة فيها: تسقط أقنعة الكلمات قبل أن تسقطها عن الحقائق، وتقطع الطريق على “الحياد” عندما يتحول إلى غطاء للتحيز، وعلى “التوازن” عندما يصبح أسلوبًا لتبييض العنف. عرفت أن المعركة تبدأ من الكلمة: من يملك الاسم يوجه النظر، ومن يوجه النظر يكتب الحكم. ولذلك عملت على تفكيك القاموس المعبأ الذي أدير به الصراع، ثم إعادة ترتيب المعاني في وجه آلة تصنع الضباب وتبيعه للناس كواقع جاهز. بهذه الصرامة، أُعطيت فلسطين مكانها الطبيعي في العقل العام: مسألة عدالة، وليست مسألة رأي.

من هذه الهندسة خرجت ليلى شهيد بقاعدة عمل لا تقبل التنازل: فهي تحول المبدأ إلى ملف، والملف إلى موقف، والموقف إلى التزام. ولم تجمع شعارات في حديثها عن القضية؛ لقد راكمت نقاط ارتكاز داخل المؤسسات، وفتحت ثغرات في جدار الإجماع الزائف، ودفعت الأسئلة المحرجة إلى طاولة المفاوضات التي اعتادت الأسئلة المهذبة. كانت تدرك أن ميزان القوى لا يتغير بالصوت العالي، بل بإعادة توزيع الحرج: تضعه حيث يجب أن يكون، في مكان القرار وليس في مكان الضحية، في قلب الجاني وليس على هامش المتألم. ولذلك جعلت من كل نقاش حول القضية الفلسطينية فرصة لإعادة تعريف “الواقعية”: واقعية تعترف بالحقائق ولا تبررها، وتصف الاحتلال بالاحتلال، وتسمي الحصار حصارا، وتلزم العالم بدفع ثمن قوله عندما يسكت عن أفعاله.

معنى أعمق من الصورة: وصية ليلى شهيد

اتسم كفاحها من أجل الدفاع عن القضية بنقطة مركزية: التحكم في المعنى يسبق التحكم في الصورة. كثيرون يكتسبون لحظة تعاطف، لكنهم يفقدون بعد ذلك أهميتها ومواقفها اللاحقة، فتصبح القضية مسألة رأي، ومن ثم تصبح قابلة للتبادل. ركزت ليلى شهيد على معنى لا بديل عنه: الاحتلال، الاستيطان، الحصار، الاقتلاع، الحرمان من السيادة. اختارت مفردات تحمل المسؤولية وتحجب التسوية اللغوية التي تمحو الفوارق بين العنف المنظم والعنف الرجعي. وبهذا الانضباط رفعت سقف النقاش، ثم دفعت محاوريها للدخول إلى الساحة التي تختارها الفكرة، وليس تلك التي يختارها المزاج الإعلامي. ولذلك رفضت تفكيك القضية إلى «روايتين» متعارضتين، ورفضت تحويلها إلى «خلاف» لا أساس له من الصحة. لقد أعادت كل سؤال إلى جذوره القانونية والسياسية: من يحتل؟ ومن يشرع التسوية؟ من يفرض الحصار؟ من المستفيد من تأخير العدالة؟ وبهذا الانضباط أمسكت بخيط الكلام وربطته بالمسؤولية: دفعت العاطفة خطوة إلى الوراء، وقدمت الحجة خطوة إلى الأمام، ثم وزنت كل رأي حسب تأثيره.

وفي عمق تجربتها النضالية، تظهر علاقة دقيقة بين المقاومة والانضباط. رفضت الانزلاق إلى خطاب يبيع العدالة بالتصفيق؛ لقد رفضت تحويل النضال إلى عرض أخلاقي. لقد حافظت على معيار أخلاقي لا يتسامح مع الكراهية، ولا يتسامح مع العنصرية، ولا يتنازل عن الحقيقة. هذا المعيار لم يأت من رغبة في تحسين صورة القضية الفلسطينية، بل من فهم طبيعة الصراع داخل أوروبا عندما تنقلت السفيرة وحكيمة بين عواصمها: أي تلوث لغوي يمنح معارضي القضية ذريعة جاهزة، ويحول الحوار إلى محاكمة للضحية بدلا من محاكمة الجريمة. ولذلك حمت خطابها من الفخاخ، ومن ثم حمت القضية من الانتحار الخطابي الذي يريح الخصم.

الدبلوماسية تراكم وتقنع وتحرج

وعندما ننظر إلى تاريخها النضالي وسجلها الدبلوماسي الخصب، نجد أن «التمثيل الدبلوماسي» الذي آمنت به كان عمل فكري، وليس وظيفة بروتوكولية. تتطلب الدبلوماسية معرفة عميقة بعقل الآخر وآليات دفاعه. كانت ليلى شهيد تعلم جيداً أن الإعلام الأوروبي يلخص الواقع ويعيد تشكيله إلى أشكال سهلة الاستهلاك، وأن المؤسسات الأوروبية تتعامل مع الملفات عبر المصالح والتوازنات والتفويضات. لقد فهمت ليلى شهيد هذه البنية، وقاومتها من الداخل. لم تصرخ من خارج الجدار، بل أحدثت شقوقاً في الجدار من خلال اللغة القانونية، والضغط المدني، وتراكم العلاقات.

أي شخص يعاني من مأساة مستمرة يحتاج إلى مستوى عالٍ من ضبط النفس. فالصراع هنا لا يرهق الجسد فحسب، بل يستنزف الوعي أيضًا.. أساسًا. إنه يتطلب عيش الحقيقة يوميًا، ومن ثم إعادة تقديمها بشكل مقبول لأولئك الذين يخافون من الحقيقة نفسها. هذا التوتر يخلق استنزافًا صامتًا. عاشت ليلى شهيد هذا الإرهاق، لكنها حافظت على قدرتها على الإقناع دون المساس بدقة اللغة، وقدرتها على المواجهة دون هدم الجسر الذي يعبر عليه الحجة. واجهت بحزم محسوب، واستمعت بوعي يقظ، ثم صاغت ردها بالبرهان الذي ضيق مساحة المراوغة وترك الخصم أمام خيارين لا ثالث لهما: الاعتراف أو التعرض… وذلك قبل أن يحاصر المرض جسدها ويطفئ بعض قوته.

مع كل هذا، يبقى تراث ليلى شهيد أعمق من كل الألقاب. لقد تركت درسا بليغا في المقاومة العقلانية: بناء خطاب يرفع التكاليف الأخلاقية والسياسية على من يبرر الاحتلال، وبناء شبكة نفوذ لا تعتمد على العاطفة، وحماية الحق من الكراهية والقضية من تحويلها إلى قصة حزينة منسية. ليس هناك شك في أن هذا الإرث يضع معيارًا جديدًا لكل ناشط دبلوماسي:

عقل يعرف كيف يناضل داخل الجملة، وإرادة تعرف كيف تصمد داخل مؤسسة، وضمير يعرف كيف يظل نظيفًا تحت ضغط الواقع.

رحمها الله، وبقيت ذكراها كالظل اليقظ… لا تحجب النور، بل تحرسه.

#الدبلوماسية #ليلى #شهيد. #رحيل #رهيب #يترك #صمتا #وفراغا #في #لغة #فلسطين

الدبلوماسية ليلى شهيد.. رحيل رهيب يترك صمتاً وفراغاً في لغة فلسطين

– الدستور نيوز

اخبار منوعه – الدبلوماسية ليلى شهيد.. رحيل رهيب يترك صمتاً وفراغاً في لغة فلسطين

المصدر : www.hespress.com

.