دستور نيوز
الجلوس على الهامش: نوع مختلف من الامتيازات
في كل ندوة أو محاضرة أو حفل أو جنازة مزدحمة، تبدأ رحلة البحث عن الكرسي الشاغر وكأنها طقوس سرية تمليها قوانين غير مكتوبة. لا أحد يعلنها، ولا أحد يعلمها، لكنها تسكننا كما يسكن خوف أطفال المدارس من السبورة. لحظة دخول القاعة الممتلئة ليست لحظة عادية؛ إنه بمثابة اختبار صارم لمهارات البقاء على قيد الحياة في مشهد اجتماعي يبدو مألوفًا، لكنه مرعب في تفاصيله الخفية. تبدأ العيون بمسح الغرفة، لا تبحث عن صديق ولا عن محتوى ثقافي، بل عن مقعد يحقق معادلة معقدة: أن تكون حاضراً ولكن من دون استدعائك إلى منصة القرار، وأن تحضر دون أن تحسب لك كلمة أو صوت. هذا الكرسي الفارغ، الذي غالبًا ما يتم وضعه على الحائط، أو خلف عمود، أو خلف امرأة ترتدي قبعة كبيرة، ليس مجرد خشب ومسامير؛ إنه وعد بحضور اجتماعي وسياسي منخفض التكلفة.
وهو مأوى رمزي لكل من يعتقد أن الازدحام لا يعني بالضرورة الانتماء، وأن القرب الجسدي من الآخرين لا يلغي واقع الإقصاء عن دوائر العمل. في قاعة مليئة بالثرثرة والتصفيق ونظرات التقييم والتقاط الصور من زوايا محسوبة بعناية، يأتي الكرسي الشاغر كقارب نجاة، مقعد «المعارضة الصامتة» في برلمان مصغر. مثل غرفة فندق حيث لا نعرف أحداً، أو هوية مزيفة في حفلة تنكرية. والشيء المثير للاهتمام هو أن الكرسي الفارغ ليس فارغًا دائمًا؛ في بعض الأحيان يكون متحفظًا، لكن ليس لديه ورقة، وأحيانًا تكون هناك أكياس وسترات وزجاجات مياه وأشياء من حوله تقول بلطف عدواني: “هذا ليس لك”.
وهنا تتسلل السياسة في أصدق تجلياتها اليومية: فقد تم بالفعل توزيع “المقاعد” وحجزها لأصحاب الولاءات والأقارب وشبكات النفوذ، في حين يواصل الوافد الجديد البحث عن فراغ حقيقي لا تحرسه أذرع الامتيازات. تدور أعيننا كالرادار البشري، محاولين اكتشاف ذلك الفراغ غير المعلن وسط بحر من الأجساد المحسوبة: من منهم «في السلطة»، ومن منهم «قريب منهم»، ومن منهم مجرد «رقم في التعداد»؟ لماذا لا نندفع إلى الصف الأمامي كما يفعل المراهقون في الحفلات؟ لأننا تعلمنا من خلال التجربة والمواقف المحرجة ومعايشة المشاهد السياسية أن الصف الأول ليس أقرب إلى الخطر فحسب، بل هو أيضاً مقبرة للعزلة. في الصف الأمامي، كما هو الحال في الصفوف الأمامية من السلطة، لا يمكنك الانسحاب دون لفت الانتباه، ولا مضغ العلكة سرا، ولا العبث بهاتفك، ولا تغيير رأيك بهدوء. الصف الأول هو مرحلة الجسد المكشوف، والاسم المكشوف، والسيرة المكشوفة.
سلطة الجلوس بعيدا عن مركز الحدث
الكرسي الشاغر إذن ليس مجرد مكان؛ وهي حالة نفسية وسياسية في نفس الوقت. إعلان غير معلن عن رغبة غريبة: الحضور، والتنصت دون تحمل عواقب الكلام، وفرز الأصوات دون الحاجة إلى رفع اليد عند التصويت. هذا الاتجاه ليس مرضيا. ربما هو أمر فلسفي، أو شكل من أشكال “المواطنة المحفوظة”. إنه نوع من التأمل العكسي، الذي لا ننظر فيه إلى الداخل فقط بحثًا عن الذات، بل نجلس على هامش المشهد العام، نراقب ونفكك ونضحك سرًا على أولئك الذين يتصارعون على الميكروفونات والكاميرات، بينما نتصارع نحن على الكراسي المهملة. ولعل المفارقة المضحكة هي أننا عندما نجد هذا الكرسي الموعود ونستقر عليه، يبدأ الشك الوجودي يتسلل إلى داخلنا: هل يعتقد الآخرون أنني لست مهما؟ لماذا لم يجلس أحد بجانبي؟ هل يعرفون شيئًا لا أعرفه عن هذا المقعد؟ هل هو «ملعون اجتماعياً» كما هي حال بعض المقاعد الوزارية أو النيابية التي تحرق أصحابها؟ يتسلل الشك إلى الخلفية النفسية ويحول الطمأنينة إلى ارتباك لذيذ. ننتقل من البحث عن العزلة إلى الحذر من العزلة نفسها.
إن الكرسي الفارغ وسط الحشد هو استعارة مكثفة لعلاقتنا الغامضة مع العالم والسياسة معًا. لا نريد أن نكون مهمشين، ولا نريد أن نندمج بشكل كامل. نحن ببساطة نرغب في نسخة معدلة من الحضور: نسخة صامتة، تشرق من بعيد، لا تطلب الكثير، ولا تعطي الكثير؛ حضور يشبه ملايين المواطنين الذين يظهرون بالأرقام في صناديق الاقتراع ثم يغيبون عن طاولة القرار. نريد أن نكون مثل الإضافات في الأفلام: نمر عبر المشهد، ونؤدي دورنا دون حوار، ثم نختفي في لحظة احترافية.
كرسي فارغ يفضحنا. وعندما نختاره بعيداً عن الجميع، يتضخم حضوره حتى يصبح منصة أخرى. لا أحد يراك، لكن الجميع يشعر بك، كما يشعر الناس بطنين الثلاجة الذين لا يعرفون مصدره. الجلوس في الظل يظهر لك أكثر من مجرد الجلوس في الضوء، فقط لأنك اخترت أن تكون بعيدًا. وكأن البعد يقلقهم أكثر من القرب: في السياسة كما في القاعة، من أمامك واضح ومفهوم، أما من يراقب من بعيد فهو احتمال محير، من قد يكون معك أو ضدك. نتدرب على لفت الانتباه بالانسحاب، وجذب الانتباه بعدم المشاركة، والتلويح بأناقتنا الفكرية من خلف عمود أسمنتي نختبئ خلفه، كمعارض مثقف يرفض الصعود إلى منصة ملوثة لكنه لا يتوقف عن كتابة تصريحاته في الظل. ثم يتحول هذا الكرسي، الذي بدا مريحًا للوهلة الأولى، إلى قاعة مؤتمرات. نجلس عليه ونبدأ في تحليل أصوات الناس، وحركة أرجلهم، وعشوائية سعالهم.
نكتب في أذهاننا ملاحظات اجتماعية لم يطلبها أحد، ونلاحظ «لغة الجسد السياسية» بنسخة مصغرة: نلاحظ أن المتحدث يكرر عبارة «في الحقيقة» مرات عديدة، أو أن المرأة التي أمامنا تهز ساقها بعصبية مهنية أشبه بارتباك مسؤول في مؤتمر صحفي، أو أن علبة المناديل على المنصة تبدو وكأنها تتأرجح بين الرمزية والعشوائية؛ جاهز لمسح دمعة، أو عرق المتحدث، أو فضيحة صغيرة تقع على الطاولة. والأدهى من ذلك أن الكرسي الفارغ يوقظ فينا غريزة المراقب الساخر. نبدأ باستهتار الضجيج الجماعي، ونبتسم بتنازل عند كل تصفيق، ونقول في الخفاء: «آه، لقد بدأ التصفيق الآن»، ثم نعود لنعدل جلوسنا وكأننا نكتب بصمت عبارة وجودية.
المنصة ليست دائما في المقدمة
وللكرسي الفارغ أيضًا طقوسه النفسية الخاصة. إنه يغير الطريقة التي نتنفس بها. يمر الهواء عبر رئتينا عبر طبقات من التأمل، وكأننا نقيه من شوائب الضجيج والشعارات الجاهزة. وربما في مرحلة ما، نرتكب خطأً كارثيًا: نخرج دفترًا ونبدأ في تدوين أفكارنا. وهذا التصرف، رغم براءته الظاهرة، يعتبر نوعاً من الاستفزاز العام: هل تكتب؟ في ندوة؟ لذا، فأنت لا تستهلك فقط، ولكنك تمارس قوتك الخاصة في التفسير.
وهنا قد تتجه الأنظار نحوك مرة أخرى، ليس بإعجاب، بل بارتياب: من هذا الذي يتصرف وكأنه يكتب محضراً سرياً لجلسة برلمانية ونحن نلتقط الصور؟ وعندما تنتهي الجلسة، ويقف الجميع للتصافح وتبادل البطاقات والابتسامات، تنهض ببطء، ممسكاً بحقيبتك.. وتغادر القاعة بنفس الطريقة التي دخلت بها: وكأن أحداً مر بالحدث دون أن يلمسه، لكنه ترك أثراً بسيطاً، مثل كرسي فارغ كما وجده في المرة الأولى. فهل فزت؟ لا أحد يعرف. هل خسرت؟ لم يسأل أحد. لكنك كنت هناك، ولم تكن. لقد تحققت ثم تبخرت. وصلت ولم تقدم نفسك، كما يفعل كثيرون عبر التاريخ: يظهرون في صور جماعية ويغيبون عن اتخاذ القرار.
الكرسي الفارغ ليس مجرد تمرين على الاختفاء؛ إنه شكل من أشكال الوجود التخريبي. حضور لا يرفع يده، بل يترك خدشاً خفيفاً على جلد المشهد. حضور لا يعلو فوق المنصة، لكن جملة سرية مكتوبة على ظهر المقعد لا يستطيع أن يلتقطها إلا من جلس بعدك: «كنت هنا.. وبقيت هناك». وكأن الكرسي يهمس في أذن القاعة: ليس الخشب ولا المسامير هو الذي يصنع الكرسي.. بل طريقة جلوسك. يتشكل الكرسي بتأثرك: بثقل صمتك، بميل كتفك، بالمسافة التي تركتها بينك وبين العالم.
أنت لن تترك مقعدًا فارغًا… أنت تترك نظامًا جديدًا للوجود.
دعونا نتأمل؛ وإلى حديث آخر.
#المقاعد #مخصصة #لأصحاب #الولاءات #والأقارب #والشبكات #من #يحتكر #الفضاء
«المقاعد» مخصصة لأصحاب الولاءات والأقارب والشبكات. من يحتكر الفضاء؟
– الدستور نيوز
اخبار منوعه – «المقاعد» مخصصة لأصحاب الولاءات والأقارب والشبكات. من يحتكر الفضاء؟
المصدر : www.hespress.com
