دستور نيوز
وفي مقر أكاديمية المملكة بالعاصمة، اختتمت أحدث دورات “تعيينات الفلسفة” التي نظمت في أربع مدن: فاس والرباط ومراكش والدار البيضاء، بمناقشة حول الفلسفات في إفريقيا.
مسؤولية الفلسفة
وأشار عبد الجليل الحجري، الكاتب الدائم لأكاديمية المملكة المغربية، في كلمة له، إلى أن الإنسان “ليس عقلانيا دائما”، ضاربا مثالا على تدمير الإنسان “بيده وجوده المادي والرمزي في عصر الأنثروبوسين”، في إشارة إلى المفهوم العلمي الجديد الذي يتزايد تداوله، والذي بموجبه دخل العالم إلى عصر جيولوجي جديد بسبب تزايد وتسارع النشاط البشري.
بين «الفرحة الجماعية» بكأس إفريقيا التي نظمت بالمغرب، والندم على «انزلاقها إلى العنف»، قدر أمين الأكاديمية أن ذلك يدل على «الفوضى». كما طرح الحجري أمثلة متعددة، منها أوكرانيا وغزة والسودان، التي تشهد صراعاً لم يعد عسكرياً فحسب، بل أصبح أيضاً مشهداً لـ”العاطفة المتطرفة”، وهو “أحد أعراض عالم لم ينجح في تحويل العاطفة إلى حوار مشترك”.
وفيما يتعلق بمسؤولية الفلسفة، أوضح عبد الجليل للحجراري أن “مسؤوليتها ليست استشراف المستقبل، بل عدم التصرف دون تفكير”.
أما أنييس أومروزيان، المديرة العامة للمعهد الفرنسي بالمغرب، فقالت إن هذا الأسبوع شهد “قافلة فلسفية” تنقلت بين مراكش وفاس والدار البيضاء والرباط، وحطت في ختامها “أكاديمية المملكة المغربية العريقة، التي لها مساهمة كبيرة في تقدم وتطوير البحث العلمي في الفكر والثقافة والمعرفة، والروابط بين أوروبا وإفريقيا”.
أمثلة على “الإنسانية”
ودعا إدريس كسيكس، منسق “مواعيد للفلسفة”، إلى تعلم التفكير من منطقتنا وبأفق عالمي، ودفع تصورات “القداسة” التي أعطيت للفلسفات الأوروبية التي اعتبرها “النموذج، وما وراءه لا يهم”. وهذا هو نفس ما حدث في نماذج عديدة، بما في ذلك «المسرح اليوناني»، في «تركيز أوروبي تطور في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر». مثقفون مثل إرنست رينان الذي “طرد الفلسفة الإسلامية من الفلسفة”. وهي تشمل “الجامعة أيضاً” من خلال ترسيخ هذه التصورات المركزية الناقصة.
وفي أفريقيا، نبه كسكيس إلى ضرورة إصلاح الصلة التي “قطعها الاستعمار بين شمال أفريقيا وأفريقيا جنوب الصحراء الكبرى”، مذكرا بدعوة الكاتب نغوغي واثيونغو إلى “الجمع بين شطري قارتنا”، مضيفا أن هذا الانقسام الذي حدث هو ما يفسر التعبيرات التي لا تدرك الانتماء المشترك، ومن تجلياتها “الهجمة العنصرية الأخيرة”، في إشارة إلى تداعيات نهائيات كأس الأمم الأفريقية، من خلال عبارات مثل: «لا تعرف جذورها ولا تفكر من موقعها ومكانها».
من جانبها، نبهت سيفيرين كودجو-غراندفو، منسقة تعيينات الفلسفة، إلى “مفارقة حديثة، وهي أن التحول الإنساني المعاصر حدث في سياق تجريد غير مسبوق من إنسانيتهم لغير الأوروبيين والنساء”، حيث “لم يتم اعتبار السود ولا النساء ولا “السكان الأصليين” (ما يسمى بالشعوب الأصلية) مدرجين في النزعة الإنسانية المذكورة أعلاه”.
وأوضح المتحدّث الخلط بين مفهوم “حقوق الرجل الأوروبي” و”حقوق الإنسان”، وانتقد “المصطلحات التي ساهمت في محو المرأة (…) و”الأكاديمية الفرنسية” فعلت ذلك من خلال اعتماد الهيمنة اللغوية من خلال منع استخدام مصطلح “الفيلسوف”، واعتماد “الفيلسوف” للجميع (…) بمثابة تذكير للعقول”.
وتابع المداخلة منتقدا “النزعة الإنسانية الأوروبية المعاصرة، التي تقوم على التمييز بين الطبيعة والثقافة، وبين الثقافة والهمجية والبدائية”، والتي ساهمت، إلى جانب إدخال “مفهوم العرق”، في تصور أن أصول الإنسانية متعددة في الأصول والمراتب أيضا، وهو ما يتطلب “جرائم بشعة، من أجل الاعتراف بوجود إنسانية واحدة”.
هذه الحقيقة تفسر «طرد أفريقيا من طريق الفكر والإنسانية»، وهو ما تعززه «الأسطورة المصنوعة، الأسطورة اليونانية»، التي قدمت كما لو لم تكن هناك سابقة مثلها. من أجل فرض “مكتبة استعمارية، وهي مستعمرة فكرية. فقد نسب تاريخ الفلسفة بأكمله إلى أوروبا، ونُفي الباقون، بما في ذلك القادمون من أفريقيا وآسيا. وكان هذا استعماراً فكرياً مصحوباً باستعمارات عملية على الأرض، مع فظائع الإمبريالية الأوروبية”.
ورفض المداخلة إمكانية حصول “لقاء الآخر” في ظل الهيمنة الاستعمارية، “لأن لقاء الآخر هو لقاء معه في إنسانيته”، في حين أن الآلة الاستعمارية “هي إرادة التملك والتدمير، وليست آخر، بل تنتقص من الآخر، وترتكب بالضرورة جرائم ضد الإنسانية ضده، بما في ذلك الإبادة الجماعية للرجال والنساء والشعوب… والإبادة الجماعية جزء لا يتجزأ منها”.
ومن هنا الرغبة في «الفلسفة الخاصة» ونسبتها إلى طرف واحد، جزء من «التاريخ الاستعماري الذي يملك الإنسانية». في حين أن “فلسفة مختلفة عن التاريخ الاستعماري (…) لا يمكن إلا أن تكون دنيوية أخرى، تقيم في الاختلاف والتعدد، في عوالم داخل عالم إنساني واحد، وداخل الإنسان نفسه (…) فلا حب مع الهيمنة والاستبداد وغياب العدالة. الحب هو رفض امتلاك الآخر، ورفض كراهيته. إنه إدارة ظهرنا لغريزة الموت وعبادتها، ضد الذكورة والاستعمار والعنصرية (…) ودعوة إلى الحياة، إلى الحب، وأن تكون إنسانا.”
المنفى ووهم “النقاء”
وقالت الأكاديمية سلوى لوست بولبينا إن المستعمر لا يطرد المستعمر من أرضه فحسب، بل يطرده من نفسه أيضًا، ويضعه تحت أعين أجنبية، بلغة أجنبية، وهذا “نوع من المنفى”.
ثم أضافت: “بعد الاستقلال، تنشأ هجرة أخرى: في أي بلد نعيش؟ في أي عالم؟ في ظل أي قانون؟ بأي لغة سنعيش؟ هذا وضع ما بعد الاستعمار”.
وتابعت: “لقد تم تدريس الفلسفة لنا كممارسة أوروبية مع وضع الفلسفات الأخرى، مثل الفلسفات العربية، على الهامش”، مع عدم اعتبار الأسماء المهمة “فلاسفة” مثل إدوارد سعيد وفرانس فانون. ولهذا “أفضّل فلسفياً إزالة التصنيف من التصنيف، ورعاية الاختلاف (التناقضات)، وإزالة الذكورة الثانوية في الفلسفات الأوروبية والإفريقية…”
وعن تأثير الأفكار الوهمية المستمرة حتى يومنا هذا، ذكر المداخلة أن “النقاء وهم قديم، واليوم ينضم اليمين المتطرف إلى هذه الفكرة الوهمية، التي ترى في التنوع خليطا يلوث النقاء”. وذكرت لاحقاً أن “إنهاء الاستعمار ليس مسألة مُثُل (…) بل هو عمل يومي، وعملية، وأسلوب حياة، لأننا إذا لم نفعل شيئاً اليوم، فلن يكون هناك تغيير في المستقبل”.
في حين أوضح بادو ندوي أجوبة «الصراعات المزمنة وعدم الفهم» التي تحدث في «العالم الجمعي» ليس فقط على أنها «خلاف»، بل نتيجة «اختلاف جذري» في العوالم ومفاهيم الوجود والوجود بين المفكرين ومن بينهم أرسطو وسنغور.
وبعد تفصيل الاختلافات في التصورات، ماذا اقترح المفكر؟ واقترح جلب نماذج مثل «بيت الحكمة للترجمة في بغداد، التي كانت لحظة مهمة في تاريخ الإنسانية، ودليلاً على دور الترجمة في المعرفة ونقل المعرفة»، وهي ترجمة كانت «بعيدة عن التلقي السلبي، في اللغة العربية، وهي لغة بعيدة كل البعد عن أن تكون لغة بسيطة»، وكانت ترجمة في السياق، وترجمة للسياق أيضاً ضد المعنى الحرفي الأصلي أحياناً.
لذا، يقترح بادو ندوي فهم وجود “عوالم متعددة” في العالم البشري، في مقابل “تصور العالمية الذي يحد من كل التنوع”، من أجل الفهم، والمنفعة المتبادلة، والإجابة على مشاكل العالم.
هل هناك لغة استعمارية؟
سليمان بشير ديان، عضو أكاديمية المملكة المغربية، الذي ذكر في محاضرته الختامية أنه ينبغي بناء فلسفات مستقبل إفريقيا “دون هذا الهوس بأوروبا، والفكر المؤطر بالرجعية، مع التركيز على أهداف أفريقيا وموضوعاتها وحضورها”، أشار إلى أنه “لا توجد لغة استعمارية، بل شعب يستعمر الشعوب”.
وشدد الفيلسوف على أنه “لا توجد لغة للفلسفة، كل اللغات هي لغات تتحدث بها الفلسفة”، مضيفا: “كل لغة لها رؤية خاصة ومتميزة عن العالم، فهي تضعك بطريقة مختلفة في العالم”.
الترجمة هي الجواب على الانتقال نحو مجتمع منفتح”، ورغم أن “اللغة سحرية، تحمل العالم وتقترب منه، (…) فإن الترجمة تنجح دائما، وتزيل الغرابة عن اللغة.
الفلسفة هي ترجمة. يعمل ذهابا وإيابا. (…) هذا نشاط فلسفي يزيل حتى ذاتك المركزية، من خلال معرفة ما إذا كنت ستقول نفس الشيء بهذه اللغة أو تلك.
ثم أضاف: “يجب أن تكون لدينا فلسفة أفريقية غنية بالعربية والولوفية والبمباراة وغيرها.. الفلسفة تجري في هذا الذهاب والإياب، والانتقال من لغة إلى أخرى. وليس بالضرورة لأنني كتبت باللغة الولوفية سأكتب شيئا أكثر أصالة مما سأكتبه بالفرنسية”.
وتحدث سليمان بشير ديان عن الحاجة الملحة “لبناء قارتنا وحدتها ومستقبلها، وإعادة بناء ذاكرتها”، مضيفا: “أكاديمية المملكة جعلت من عملية إعادة الإعمار والتنظيم هذه مهمتها، وهذه هي المشاريع التي نعمل عليها معا”.
وذكر المحاضر أنه “لا أهمية للثقافة دون التوجه إلى آخر هو جزء من الإنسانية”، وأضاف: “هذا هو الوقت المناسب لاستعادة المعنى وإيجاد ما أسماه برغسون “المجتمع المفتوح”، وهو المجتمع الإنساني، المدينة الإنسانية”، بعد أن “كانت قارتنا ضحية لأسوأ إنكار للإنسانية”، لأن أفريقيا لديها “دروس في الإنسانية تقدمها للعالم”، بحيث تكون لدينا “إنسانية مشتركة. نعيش كأشخاص يعيشون معا على الأرض”، وينخرط الإنسان في “الإلهي”.
#الفلسفات #الإفريقية #في #الأكاديمية #عيوب #الإنسانية #ووهم #النقاء #واللغات #الاستعمارية
الفلسفات الإفريقية في الأكاديمية: عيوب “الإنسانية” ووهم النقاء واللغات الاستعمارية
– الدستور نيوز
اخبار منوعه – الفلسفات الإفريقية في الأكاديمية: عيوب “الإنسانية” ووهم النقاء واللغات الاستعمارية
المصدر : www.hespress.com
