دستور نيوز
صدر عن مركز الكتاب الثقافي للنشر والتوزيع، صدر مؤخرا عن الباحث والمفكر والمترجم المغربي سعيد بن كراد كتاب بعنوان “روايات في الأدب والتاريخ والظواهر”.
ويتحدث هذا الكتاب في فصوله الخمسة عن تكوين الروايات، وتجلياتها، وأهدافها، ووظائفها. لا تخبرنا الحكايات عن أشياء ألفناها في واقعنا، بل توجهنا لاستكشاف موقعها ضمن التجربة الإنسانية، أي معانيها. إننا نكتشف الكثير من «حقائق» وجودنا بناءً على ما تقدمه خيالات الخيال. أصالة الخيال لا تنبع من «غرابة» العوالم التي يمثلها. بل يقاس بقدرته على إرجاع نفسه إلى حالته الواقعية.
وهذا هو مصدر عالمية السرد، فهو موجود في كل شيء. إنه وصف لتفاصيل الحياة اليومية. كما أنها أداة لاسترجاع حقائق الماضي، وأداة للتعبير عن أحلامنا ورغباتنا وأوهامنا وأوهامنا. وهذا ما يجعلها وسيلة للجوء إلى الذاكرة ووسيلة لمواجهة ما هو قادم أيضا. إنه يذهب إلى الماضي من أجل العودة بأمان إلى الحاضر. وهكذا كانت بكل مظاهرها «أداة وساطة مثالية بين الحياة والموت».
وليس غريباً أن الرومانسيين الأوائل سعوا إلى البحث عن الأصول الأولى لقصص الناس، أي البحث عن القصة الأولى التي تفرعت عنها جميع قصص الكون. وهي نفس الرغبة التي دفعت بعض اللغويين إلى البحث عن أصل اللسان الذي تشتق منه جميع الألسنة. وفي كلتا الحالتين، الأمر يتعلق بطريق العودة إلى المطلق، أو هو الشوق الخفي الذي يدفع الإنسان لاستكشاف لحظات الخلق الأولى. ووضع اليد على الأصل هو وضع اليد على الشكل الأول من المعنى. نحن نعيش في قصة واحدة على الأرض: قصة الحب والكراهية والمودة والرحمة والتسامح، وقصة النضال من أجل العزة والعيش الكريم والدفاع عن وحدة الأمم أو العمل على تمزيقها. إنها أيضًا قصة العديد من المعارك الصغيرة التي تؤثث حياتنا اليومية.
ولم يكن روميو وجولييت إلا صيغة سردية للحب حين يصل إلى أقصى حدوده فيتحول إلى شغف وشهوة وشهوة. ولم يكن أوديب في الأسطورة إلا استعارة كبرى ضمت في داخلها القدر ومشاعر كثيرة مكبوتة تجاه الأم بالرغبة والتملك، وتجاه الأب بالكراهية والإقصاء. “إن التشويق الذي تحتويه المآسي الكبرى هو أن أبطالها يغوصون في الهاوية بدلاً من الهروب من مصير رهيب، إذ ليس لديهم أدنى فكرة عما ينتظرهم”. وبهذه الطريقة، هم مشابهون لنا. فحالنا في الواقع لا يختلف عن حالهم في الخيال. كما أننا نقضي أقدارنا فيما نحكيه عن أنفسنا: نتخلص من رغباتنا بوضعها في نكات أو مقتطفات أو نوادر عابرة. “لذلك كان واقعنا في الخيال أغرب مما نعيشه في الواقع.”
ولهذا السبب كان علينا أن ندفع بالتجريد إلى أقصى حدوده لكي نصور ما يوحد كل البشر في فضاء الأرض وفي متاهات الزمن الكوني، الذي يوحي بوجود نقطة لا يوجد بعدها شيء. إنها “سدرات النهاية”، حيث جنة النعيم أو جحيم المأوى، فهي محور الحياة، وأصلها، ونهايتها. هذه النقطة وحدها يمكنها أن تحافظ على توازننا من خلال عرض قصص نشعر فيها بحالات البداية والنهاية ضمن إطار زمني لا يتوقف أبدًا.
«الظاهرة السردية» تشمل كل أشكال وجودنا على الأرض. ومن هنا حاول رواد السرد الأدبي التقاط الثابت في السرديات من أجل تحديد الخصائص التي تميز النشاط السردي. ولا يرجع ذلك فقط إلى التقنيات التي استخدمها رواة القصص لبناء قصصهم، بل كان أيضًا محاولة للسيطرة على شكل الحضور الإنساني في الفضاء العام. نخصص قدرًا محدودًا من الوقت للممارسات التي نحاول فيها البحث عن حبكة تكون أداتنا لبناء قصص مستقلة.
والحقيقة أن التاريخ نفسه قد يكون أيضًا ذو طبيعة سردية، فهو معروف عند الكثيرين بأنه سلسلة من الروايات التي هي أداة المؤرخ الوحيدة لتحديد معنى الحدث ومكانته في الذاكرة، كما تصور هايدن وايت. فالحقائق في نظره لا قيمة لها قبل أن تروى، أي قبل أن تصبح رواية تدين أو تقدر أو تحتفي بحدث أو واقعة. إن ما يكتشفه المؤرخ ليس سلسلة من الحقائق، بل شكلا، أي صيغة تشخيصية، يحتفظ بها. وهذا هو محور «الحقيقة» في الحدث التاريخي. إن تاريخ الظلم على الأرض لا يتجسد في مفاهيم تصف تأثيره على حياة الناس. بل وردت في روايات تروي شكل الفوارق بينهم في متاع الدنيا.
إن مركزية هذه القصص هي ما دفع بول ريكور إلى جعل الزمن مرتبطًا ارتباطًا وثيقًا بالسرد. وهي في نظره مترابطة ومركزية في صياغة التجربة الإنسانية الحياتية بكل مظاهرها. إن ترابطها هو المدخل الرئيسي لتحديد محتويات التجربة الوجودية على الأرض. الحنين والأمل والأمل والدعوة والندم والأسى وعواطف كثيرة، كل ذلك لن يصبح محسوساً إلا من خلال فعل سردي يتحقق في سياقات، أي في روايات هي محور معناه. وهذا هو شرط الكشف عن شكل العلاقة القائمة بين الإنسان وزمانيته الخاصة والعامة.
وعلى هذا السرد المعمم أيضًا استندت الفينومينولوجيا السردية عند فيلهلم شاب. كان هذا الفيلسوف يعتقد اعتقادا راسخا أن “النفس لا تتعلم ولا تدرك العالم الخارجي إلا في سياق قصة، وهذه القصة تعرض عليها وتنظم على شكل سرد. نحن جزء من قصص العالم، فيقيننا الوحيد هو أنها مروية. وما نسميه “الجوهر” أو “الشخصية” هو ما يتسرب من النشاط الفكري إلى الروايات وما ينتزعها منها”.
سيشهد العالم عودة قوية إلى «السرد» مع بداية التسعينيات فيما سمي بـ«المنعطف السردي». يعتبر استخدام السرد هو العمود الفقري لسرد القصص، وقد تم تداوله في أوروبا وأمريكا منذ التسعينيات في مجالات التسويق والإعلان والسياسة، حيث أن السرد هو طريقه إلى ضمير المتلقي. وهي رؤية جديدة لدفع آليات التحكم إلى أقصى حدودها، حيث يصبح الإنسان مطيعاً لذاكرته ومنفصلاً عن حالة وجوده في الحاضر في الوقت نفسه.
وهذا جزء من حالة وجودنا على الأرض. في التواصل البشري، يميل الناس نحو ما يثير عواطفهم، وليس ما يحرك آلياتهم العقلية. وهكذا تصبح القصة بالنسبة للمعلن والسياسي والداعية وسيلة لبيع «منتج» يتحول للمستهلك إلى وسيلة تماهٍ مع العوالم التي تبشر بها الرسالة الدعائية في هذه المجالات معًا.
#سعيد #بنكراد #يطلق #نسخة #جديدة
سعيد بنكراد يطلق نسخة جديدة
– الدستور نيوز
اخبار منوعه – سعيد بنكراد يطلق نسخة جديدة
المصدر : www.hespress.com
