دستور نيوز

عمان – نمر بالكثير من الضغوط اليومية ونعتقد أننا قادرون على تحملها بمفردنا فندعي القوة أحيانا وربما نعاند أنفسنا بتحميل أنفسنا فوق طاقتنا وكأننا آلة تعمل دون تعب أو تمثال لا يشعر. مهما عندنا واختبأنا خلف قناع القوة فإننا ننهك وقد ينتهي بنا الأمر إلى الاكتئاب والإحباط لذلك نحتاج إلى أن نكون لطفاء مع أنفسنا ونحمي أنفسنا من كل ما يرهقنا أو يسرق راحتنا وهذا لا يمكن أن يحدث إلا إذا تقاسمنا المسؤولية مع الآخرين وتمكنا من تحقيق التوازن النفسي وإدراكنا أن الحياة لا تستقيم إلا بالمشاركة وتوزيع الأدوار. سلمى (26 عاما) تظهر دائما بشكل متعمد كفتاة قوية داخل المنزل وخارجه فهي لا تعترف بالتعب بل على العكس تقنع كل من حولها بأنها لا تحتاج إلى مساعدة من أحد على الإطلاق فهي لا تعرف كيف تكون لطفاء مع نفسها وتتجاهل أن لها الحق في أن تعيش حياة متوازنة وأن استقرارها أولوية لا يجب المساس بها. لا تفكر سلمى في عواقب هذه القوة الزائفة، ولا حتى تشكو، بل تصر على احتضان مشاكلها بعيدًا عن أعين من حولها، رافضة المشاركة في تحمل جزء من المسؤولية عنها، وإعطائها حتى مساحة صغيرة تستطيع من خلالها التحدث مع نفسها وفهم نفسها دون أقنعة. وتشير إلى أن طلب المساعدة من الآخرين يشكل عبئًا ثقيلًا عليها، حتى أكبر من الضغوط نفسها، لذلك تجد الراحة في تحملها. أما منال (40 عامًا)، فتوضح أن الاستقرار يتحقق عندما يعرف كل شخص دوره ويؤديه على أكمل وجه. تقول: الضغوط تحتاج إلى تقاسم مع الآخرين، فنحن لا نستطيع وحدنا التعامل مع الأعباء اليومية مثل الآلة. في النهاية نحن بشر لنا الحق في الراحة وإيجاد الوقت لأنفسنا. حتى وإن كثرت الضغوط، إلا أن هناك حلول منطقية تساعدنا على تحرير أنفسنا من الآلام النفسية والجسدية التي قد تصيبنا لمجرد أننا ندعي القوة ونمارسها، دون أن نتوقف لحظة مع أنفسنا ونسأل أنفسنا هل نستطيع أن نتحمل كل تلك الضغوط أم لا. لذلك فهي لا تتردد في طلب المساعدة متى احتاجت إليها. كما أنها تؤمن بأن الحياة تكون أكثر سلاسة بالمشاركة، ومهما أنكرنا هذه الحقيقة، ففي النهاية لكل إنسان طاقة معينة لا يمكنه تجاوزها، فالإنسان روح ونفس وجسد، وهذا ما يوضحه الاختصاصي النفسي الدكتور موسى مطرنة قائلاً: التوازن يتحقق بوعينا لنقطة واحدة وهي أن لكل إنسان حد معين من الطاقة والإمكانات، والنفس هي المحرك، فلا بد من الاهتمام بها وإسعادها حتى تشعر بالسلام والاستقرار في كافة مناحي الحياة. ويوضح أن الضغوطات واقع لا مفر منه، لكن التعامل معها بوعي هو ما يجعلها خفيفة وسهلة ويمكن التغلب عليها بنجاح، بشرط أن نقبل المشاركة في حملها بحثاً عن التوازن الذي سيمنحنا حتماً قدراً من الراحة. ومن القسوة أن نلعب دور الجلاد مع أنفسنا طوال الوقت، وأن نلبس أنفسنا ثوباً لا يناسب حجمنا لنتظاهر بالقوة ولو زوراً. ويشير مطرنة إلى أن هناك من يختارون كبت وإخفاء احتياجاتهم ومتطلباتهم النفسية من أجل التضحية، فنضطر إلى إنكار حقوقنا بسبب معتقدات ومفاهيم تربوية واجتماعية خاطئة. ولسوء الحظ نتجاهل أننا جميعاً بحاجة إلى بعضنا البعض وأن الحياة ليست على ما يرام دون المشاركة وتقاسم الأعباء. فلا أحد يستطيع أن يعيش الحياة بمفرده دون أن يحتاج إلى مساعدة. وهذا يدل على أن كل ما نشاركه مع الآخرين يخفف العبء عنا ويبعدنا عن الإحباط الذي قد يتحول إلى اكتئاب ومن ثم إلى هشاشة نفسية نتيجة عدم إعطاء أنفسنا حقها. وبحسب مطرانة، من الضروري أن يتحرر الإنسان من المفاهيم الخاطئة التي تندرج تحت بعض الكلمات مثل العيب والمحرم وغيرها من الكلمات التي تجبرنا على تحميل أنفسنا فوق طاقتنا، وبالتالي تسبب أمراضاً نفسية لا حصر لها. وترى مطرانة أن الحل هو أن يتعلم كل إنسان كيف يعبر عن نفسه، ويحب نفسه ويهتم بنفسه قبل أي شيء آخر؛ ليصل إلى الاستقرار الذي يتطلب منه تحديد احتياجاته النفسية، ومن ثم بناء أهدافه عليها، وليس أهداف الآخرين. وترى خبيرة علم الاجتماع فادية إبراهيم أن الاستقرار والتوازن هما السر الأساسي لعيش حياة ذات جودة عالية بعيداً عن الضغوط والمشاكل، فالاهتمام بأنفسنا هو سحر النجاح والإنجاز في هذه الحياة، والابتعاد عن الضغوط هو أفضل ما يمكننا فعله لخدمة أنفسنا حتى لا تقودنا هذه الضغوط إلى مشاكل نفسية وصحية مثل التوتر والضغط والإحباط والاكتئاب وغيرها من المشاكل. وتتابع، لذلك، تحديد مصادر وأسباب الضغوط النفسية، من خلال تدوينها على ورقة لتنظيم الأفكار والتعبير عن المشاعر، أي أن نعرف بالضبط ما يقلقنا ويتعبنا ونحدده بطريقة علمية دقيقة لأن معرفة الأسباب هي نصف الحل، ويجب أن ننظم نمط حياتنا ونضع أهدافًا، بحيث تكون واقعية ومعقولة في حدود قدراتنا لتجنب مواجهة الضغوط النفسية، وعدم رفع سقف توقعاتنا في الحياة، حتى لا نتعرض لصدمات وأزمات نفسية، ويمكننا أحيانًا تفويض المسؤولية للآخرين، حتى نجعلهم أشخاصًا مسؤولين من خلال اكتشاف قدراتهم، وفقًا لإبراهيم، وطلب المساعدة وعدم العناد، فإذا احتجنا إلى المساعدة، فيمكننا طلبها من شريكنا أو أفراد أسرتنا أو حتى زملائنا في العمل، لأن المساعدة تساهم في إنجاز المهام وتقليل الأعباء النفسية والجسدية وحتى العقلية علينا، فنشارك الآخرين العمل أو المهام أو الأعباء ونتعاون من أجل تحقيقها، مما يخفف الضغوط علينا بشكل كبير. كما يشير إبراهيم إلى أنه يجب استخدام المرونة والتسامح للتكيف مع الظروف وتجنب ما لا يمكنك تحمله، وعدم المواجهة والصدام بشكل كامل أو لفترة طويلة، فالمرونة تجعلنا نفهم الآخرين وسلوكهم بشكل أفضل. ويمكننا أيضًا أن نبحث عن التنوع والتجديد، لأنه سيبقيك في حالة من الإثارة والحماس والتجديد، فلا نقع في فخ الروتين والملل والحياة التقليدية، ولا نصاب بالاكتئاب أو الملل، بل نبقى دائمًا متحمسين وسعداء بكل ما نقوم به. وينصح إبراهيم، فلا يجب أن ننسى الإجازات وأوقات الراحة والاستمتاع بالوقت الحر، وتخصيص وقت للترفيه والترفيه والاسترخاء بعيدًا عن ضغوطات الحياة اليومية. كما نتعلم كيفية التنفس، لأن التنفس هو أحد أسرار إدارة التوتر، ولكن تنفس بالطريقة الصحيحة، بعمق لتحقيق التناغم العقلي والعاطفي والجسدي للاسترخاء والشعور بالثقة بالنفس وتجديد الطاقة الإيجابية. ولا يجب أن ننسى ممارسة الرياضات المختلفة، ولنركز هنا على المشي مع التنفس الصحيح، لأن الرياضة تحسن المزاج، وتكسر الضغوط النفسية وتزيد من طاقة الإنسان وحيويته ونشاطه، وبالتالي تتحسن صورة الإنسان عن نفسه. وأضافت أنه يجب أن نحصل على قسط كاف من النوم، لأن النوم يمنح العقل استراحة من العمل الذهني، مما يريح الجسم، ولنكن على وعي كامل لنعيش حياة متوازنة، فإذا كان الاعتدال مفتاح الصحة الجسدية، فإن التوازن مفتاح الصحة النفسية، وسبب أساسي للتخلص من التوتر والعيش براحة ونجاح.
الاستقرار النفسي… هل يتحقق عندما نتقاسم الضغوط مع الآخرين؟
– الدستور نيوز