دستور نيوز
عنب بلدي – شعبان شامية
ويحذر خبراء في علم النفس والاجتماع من أن مفهوم “الخصوصية” في العصر الحالي تحول إلى غطاء ثقافي يغذي العزلة الاجتماعية المتزايدة التي تهدد التماسك الأسري والمجتمعي.
ويأتي هذا التحذير في ظل التحولات العميقة التي طرأت على أنماط التواصل والعلاقات الإنسانية، حيث أصبح الفرد قادراً على قضاء معظم يومه دون أي تفاعل إنساني عميق، مكتفياً بوهم التواصل مع الآخرين عبر الفضاء الرقمي.
وفي هذا السياق، قالت استشارية علم النفس الأسري، الدكتورة هبة كمال العرنوس، في حديث إلى عنب بلدي، إن الشعور بالانفصال عن الآخرين لا يمثل مجرد مزاج عابر، بل تهديد حقيقي يؤثر على الصحة النفسية والجسدية والقدرات المعرفية على المدى الطويل.
وأضاف العرنوس أن الأبحاث الحديثة في علم النفس الاجتماعي وعلم الأعصاب تشير إلى أن دماغ الإنسان لا يفرق دائماً بين الألم الجسدي الملموس والألم الناتج عن العزلة الاجتماعية.
ويرى العرنوس أن هذه الأزمة تأتي كتغير حاد في مسار السلوك البشري، إذ تطور العقل البشري على مدى آلاف السنين ضمن مجموعات صغيرة كانت حياتها تقوم على الترابط والتعاون والتفاعل اليومي المباشر، حيث كانت العلاقات الاجتماعية جزءا لا يتجزأ من آليات البقاء نفسها، قبل أن تتغير هذه المفاهيم لصالح العزلة المتخفية في ثوب الخصوصية.
خط فاصل بين الخصوصية والعزلة
وحددت استشارية علم النفس الأسري الفرق الجوهري بين «الخصوصية الصحية» و«العزلة المقنعة»، مؤكدة أن الأولى تزود الروابط الاجتماعية بالقوة، بينما العزلة المقنعة تفرغها من محتواها، وتدفعها نحو التفكك.
وفي تفصيل هذه الرؤية، قال العرنوس إن العزلة المقنعة تتسلل إلى حياة الفرد عندما تتحول مساحته الخاصة من مجرد وقت مستقطع إلى بديل كامل للعلاقات الإنسانية الحقيقية، إذ يبدأ بالانسحاب التدريجي من محيطه والاكتفاء بعالمه الخاص. وفي هذه الحالة تتحول الخصوصية من أداة للتوازن إلى وسيلة لتجنب المواجهات أو الهروب من ضغوط الحياة أو الاحتماء من خيبات الأمل.
وفي مقابل هذا السلوك الانسحابي، أشار العرنوس إلى أن الخصوصية الصحية تمثل ركيزة أساسية لتعزيز النمو النفسي الصحي.
وفسرت ذلك على أنه إعطاء الإنسان فرصة حقيقية للتأمل الذاتي وتنظيم الأفكار وإدارة الانفعالات واستعادة الطاقة الحيوية مما ينعكس إيجاباً على الفرد ويجعله أكثر قدرة على العودة إلى أسرته وتفاعلاته الاجتماعية بشكل أفضل وأكثر كفاءة.
التحول الرقمي للمساحة الشخصية
تراجع حاد في العلاقات الإنسانية العميقة والحقيقية لصالح التواصل الرقمي المستمر والمزيف. وهذه هي النتيجة الأبرز التي لاحظتها استشارية علم النفس الأسري، مشيرة إلى أن التكنولوجيا لم توفر أدوات جديدة للتواصل فحسب، بل أعادت تعريف العلاقة بين الإنسان ومحيطه بشكل كامل.
وحذر العرنوس من أن هذا التحول الرقمي قاد المجتمعات نحو ما يسميه الباحثون “العزلة الوظيفية”، إذ يستغني الفرد تدريجيا، دون أن يشعر، عن التفاعلات اليومية المباشرة التي تغذي صحته العقلية، ويستبدلها ببناء عالم كامل داخل شاشة هاتفه يتيح له العمل والتعلم والتسوق والترفيه دون الحاجة إلى مغادرة غرفته.
ويمثل هذا الواقع الرقمي الجديد، بحسب الشركة الاستشارية، ثورة ملحوظة في المفهوم التقليدي للخصوصية. فبينما كان يعني في الماضي مجرد قطع مساحة شخصية آمنة داخل مجتمع محلي متماسك، تحول اليوم إلى جدار افتراضي يعزل الإنسان تمامًا عن محيطه الإنساني.
أطفال الشاشة: فقر المشاعر وصعوبة التواصل
وأشار العرنوس إلى أن احتلال الشاشات الرقمية وقت الأطفال بدلا من التفاعل المباشر مع الأهل والأشقاء والأقران يهدد بنيتهم النفسية، ويسبب لهم صعوبات في التواصل، وضعف تحمل الإحباط، ومحدودية فهم المشاعر الإنسانية المعقدة.
وذكرت أن المشكلة الحقيقية لا تكمن في التكنولوجيا نفسها، بل في أنها بديل خطير للعلاقات التفاعلية المباشرة التي يحتاجها دماغ الإنسان لينمو بشكل متوازن.
واستندت النصيحة إلى دراسات حديثة تؤكد أن التطور العاطفي يعتمد إلى حد كبير على التجارب الاجتماعية الواقعية. عندما يتبادل الطفل النظرات، ويقرأ تعبيرات الوجه، ويتعامل مع الاختلافات، ويتعلم الانتظار والتفاوض والتعاون، تتشكل الشبكات العصبية المسؤولة عن التعاطف والتنظيم العاطفي والذكاء الاجتماعي.
العزلة الرقمية وتشكيل هوية المراهقين
وترتبط «الوحدة المزمنة» بحسب الأبحاث بارتفاع معدلات القلق والاكتئاب واضطرابات تقدير الذات لدى المراهقين، في وقت يحذر العرنوس من أن هذه العزلة قد تكون مخفية خلف قناع «التواصل الرقمي المستمر».
وأوضح المستشار أن انشغال المراهق بهاتفه طوال الوقت لا يعني بالضرورة أنه مرتبط بالآخرين، بل أنه غالبا ما يفتقر إلى العلاقات العميقة التي تمنحه الأمان النفسي الحقيقي.
وأرجع المستشار هذه العزلة الرقمية إلى ضعف الروابط الأسرية والاجتماعية الحقيقية، مما يدفع المراهق للبحث عن مشاعر الانتماء والقبول والاعتراف بقيمته داخل العالم الافتراضي، معتبرا أن هذه الديناميكية تمثل تهديدا مباشرا لعملية تكوين هويته النفسية والاجتماعية خلال هذه المرحلة العمرية الحرجة.
الوحدة تحت سقف واحد
وأكد استشاري علم النفس الأسري أن أفراد الأسرة الواحدة قد يعيشون حالة من “الانفصال النفسي” رغم اجتماعهم اليومي تحت سقف واحد، لافتاً إلى أن شعور الإنسان بالوحدة القاتلة داخل أسرة مستقرة يعد من أكثر التحديات المعاصرة انتشاراً.
وتابع العرنوس أن الوحدة النفسية لا تقاس بعدد الأشخاص المحيطين بالفرد، بل بنوعية الاتصال العاطفي معهم، ومدى شعوره بأنهم يسمعونه ويفهمونه ويقدرونه.
وأشار المستشار إلى بحث يؤكد أن العامل الحاسم في تعزيز شعور الفرد بالانتماء لا يرتبط بكثرة العلاقات، بل بتوفر روابط تتميز بالأمان والثقة والاحتواء العاطفي المتبادل.
مؤشرات العزلة المقنعة داخل الأسرة
وحذر العرنوس الأسر من تجاهل علامات “العزلة المقنعة” التي قد تظهر بين أفرادها، مؤكداً أن هذه المؤشرات لا تعني بالضرورة وجود مشكلة نفسية، لكنها تتطلب الاهتمام والتقييم المبكر.
ومن أبرز هذه العلامات تراجع الحوار العفوي داخل المنزل، واستمرار الإصرار على تفضيل العزلة والابتعاد عن الأنشطة العائلية، بالتزامن مع ضعف الاهتمام بالعلاقات الاجتماعية الواقعية.
ويصاحب ذلك أيضاً الاعتماد المفرط على الأجهزة الرقمية كوسيلة للهروب من الضغوط اليومية، ويصاحب ذلك شعور متكرر بالوحدة والفراغ، ونقص ملحوظ في التعاطف والتفاعل العاطفي مع الآخرين، فضلاً عن ظهور علامات واضحة للتوتر بمجرد الانفصال عن الشاشات الإلكترونية.
طقوس عائلية تكسر العزلة
وترى المستشارة أن علاج «العزلة المقنعة» لا يكمن في محاربة التكنولوجيا، بل في استعادة التوازن البشري المفقود داخل الأسرة، مؤكدة أهمية التركيز على جودة العلاقة الأسرية أكثر من مجرد حساب عدد الساعات التي نقضيها معًا.
ودعا العرنوس أولياء الأمور إلى تقديم نموذج عملي للتواصل الصحي، والبدء فوراً بجعل الحوار العائلي عادة يومية مستمرة، مع تخصيص أوقات محددة داخل المنزل خالية تماماً من الشاشات الرقمية.
كما أوصت بتشجيع الأنشطة التفاعلية التي تتطلب التعاون والتفاعل المباشر، وتدريب الأطفال على التعبير عن مشاعرهم، بالإضافة إلى بناء طقوس عائلية منتظمة تعزز الانتماء وتوسع شبكة العلاقات الحقيقية مع الأقارب والأصدقاء، مع ضرورة الاهتمام المبكر بأي انسحاب اجتماعي مستمر، وطلب الدعم المهني المتخصص إذا تحول الأمر إلى عزلة مزمنة.
متعلق ب
#العزلة #المقنعة #بالخصوصية. #علامات #تتطلب #التدخل #المبكر
العزلة المقنعة بالخصوصية.. علامات تتطلب التدخل المبكر
– الدستور نيوز
عالم الأسرة – العزلة المقنعة بالخصوصية.. علامات تتطلب التدخل المبكر
المصدر : www.enabbaladi.net
