.

عالم الأسرة – “الخبازون الأديغة”.. كيف حافظ الشراكسة السوريون على مجتمعهم؟

اخبار الأسرهمنذ 10 ثواني
عالم الأسرة – “الخبازون الأديغة”.. كيف حافظ الشراكسة السوريون على مجتمعهم؟


دستور نيوز

عنب بلدي – علاء شعبو

على إيقاع “الشكبشنا” في الأعراس الشركسية، لا تزال العائلات تتناقل قواعد “الخبزة الأديغة”، وكأنها دستور غير مكتوب نجا من الحرب والشتات.

في البيوت الشركسية في دمشق والقنيطرة وحلب، لا تزال اللغة والرقصات الفلكلورية وحتى طقوس “الخطيفة” جزءًا من محاولة الحفاظ على الهوية الاجتماعية التي واجهت النزوح والهجرة وتغيير الأماكن. وتحولت هذه العادات إلى وسيلة لحماية الذاكرة الجماعية من الانحلال، والعودة التدريجية إلى الجذور في مرحلة ما بعد الصراع، وبداية تشكيل المبادرات المدنية بعد سقوط نظام الأسد.

ما هو “الخباز الأديغي”

المفهوم: هو دستور عرفي وأخلاقي وقانوني غير مكتوب ينظم أدق تفاصيل الحياة اليومية للفرد والمجتمع الشركسي. ويعود أصل الاسم إلى كلمتين في اللغة الشركسية هما “أديغة” وتعني الشركس، و”خبزة” وتعني القانون أو النظام الذي ينظم الحياة.

الركائز الأساسية: تقوم على الاحترام المطلق لكبار السن، فهم مصدر الحكمة والخبرة، إذ لا يجوز للشاب الجلوس أو التحدث في حضور كبير السن إلا بإذنه، وفقاً لأحكام هذا الدستور.

وكذلك منح المرأة مكانة عالية من الكرامة، واحترام الجيران، والحفاظ على الدين الحنيف، والالتزام بالمناسبات الاجتماعية، والحضور الدائم للزي الشركسي والفلكلور التعبيري في جميع المناسبات والتجمعات.

طريقة التطبيق: لا يختصرها الشراكسة في الفولكلور، بل هي أسلوب حياة صارم يحدد طريقة التحدث والجلوس وحل الخلافات وطقوس الزواج المختلط.

الهدف الحالي: تحويلها من مجرد تراث تاريخي إلى “حصن اجتماعي بديل للجغرافيا”، لحماية النسيج المجتمعي من التفكك بعد سنوات من الحرب والتشتت.

رئيس المجلس العشائري الشركسي في سوريا، الشيخ محمد إلياس ججوك، أوضح لعنب بلدي عمق هذا المفهوم، لأن “الأديغة خبازة” هي ما يشكل أساس السلوك والهوية الشركسية الذي لا يمكن فصل الفرد عنه. وبفضل صرامة هذا النظام الأخلاقي واحترام الجميع له، تمكن الشراكسة من الحفاظ على تميزهم الثقافي وتماسكهم الاجتماعي، على الرغم من تشتتهم الجغرافي القاسي عبر التاريخ.

“الخاطية”: عندما تتحول العادات إلى رابطة اجتماعية

لقد كانت العادات الشركسية دائمًا وسيلة لحماية بقاء المجتمع الشركسي وتماسكه كمجموعة متماسكة، أينما استقر اللاجئون.

وفي دمشق، أوضحت الشابة الشركسية ريتاج هاتوك، لعنب بلدي، أن الكثير من هذه الطقوس لا تزال حاضرة في تفاصيل الحياة حتى اليوم، خاصة في الزواج والعلاقات الأسرية.

وتحدثت ريتاج عن طقوس “الخطف”، وهي من أشهر الطقوس المرتبطة بالزواج الشركسي، وتقوم على “الخطف بالتراضي” بين الشاب والفتاة بعلمها ورضاها، استنادا إلى قصة شعبية قديمة في التراث العرقي تحكي عن شابة غنية لم يسمح لها أهلها بالزواج من حبيبها الفقير، فتهرب الشابة وتحاول الانتحار، ليتدخل عشيقها وينجح في إنقاذها وإعادتها إلى أهلها. وهنا تراجعت الأسرة وزعماء القبيلة، مقتنعين بأن الفتاة مستعدة للموت. ومن أجل حبها لا ينبغي قتلها، بل يسمح لها بالزواج، وقد خلقوا هذا التقليد.

وقالت ريتاج إن العرف الشركسي يعتبر نجاح “الخطيبة” التزاما اجتماعيا وقانونيا يدفع أهل الفتاة إلى الموافقة على الزواج فورا.

ولا يتوقف “مخبز الأديغة” عند الزواج فقط، بل يمتد إلى فرض قوانين اجتماعية صارمة تحمي النسيج العائلي من التفكك وتحدد علاقة القرابة.

في مجتمعنا، تعتبر ابنة العم مثل الأخت تماما، لذلك يعتبر الزواج منها عيبا كبيرا في العادات الشركسية. وعلى الرغم من حدوث بعض الاستثناءات من وقت لآخر، إلا أن هذه القاعدة تمنع ذوبان الحدود العائلية وتوسيع المجتمع الأديغي من خلال التزاوج مع عائلات أخرى، ويكون الحب شرطًا أساسيًا للزواج.

ريتاج هاتوك

شابة شركسية

يترافق هذا التماسك الاجتماعي مع حضور واضح للموسيقى التقليدية، لا سيما آلة “الشكبشنا” الوترية التقليدية التي يتم العزف عليها باستخدام “ذيل الحصان”، ويرافقها آلة قرع خشبية تنتج ألحاناً تحاكي تماماً أصوات حوافر الخيول أثناء الجري السريع، وتتناغم مع رقصات جماعية (مثل الكافا، والوج، والقافا)، في ترميم رمزي يعيد إلى أذهان الشباب السوريين من أصول شركسية قصص الفروسية وقيم أجدادهم في القوقاز.

لقد غيرت الحرب الجغرافيا… وحافظت الجمارك على التماسك

استقر الشراكسة في سوريا في أواخر القرن التاسع عشر، وتحديداً بعد عام 1878، إثر تهجيرهم القسري من موطنهم الأصلي في القوقاز نتيجة الحروب الدموية والجرائم التي ارتكبتها الإمبراطورية الروسية بحقهم. وتركزت تجمعاتهم الأساسية في القنيطرة والجولان ودمشق وريفها وغيرها من المحافظات، حيث اعتبروا سوريا وطناً أخيراً لهم.

لكن المجتمع الشركسي واجه موجات نزوح متتالية، بدأت بعد حرب 1967 والاحتلال الإسرائيلي لقرى الجولان التاريخية، ثم تعمقت مع الصراع الذي رافق الثورة السورية الممتدة بعد 2011، نتيجة القمع العسكري وسياسات نظام الأسد.

وفي هذا السياق، أوضح رئيس المجلس العشائري الشركسي في سوريا، الشيخ محمد إلياس جوجوك، كيف تغيرت ملامح جغرافية الشركس، قائلاً إن النزوح الواسع النطاق كان سببه الظلم والسياسات القمعية، مما دفع أعداداً كبيرة من الشراكسة إلى الهجرة داخل سوريا وخارجها باتجاه تركيا والقوقاز وأوروبا، وجعل المجتمعات الشركسية اليوم أكثر تشتتاً وأقل تماسكاً جغرافياً مما كانت عليه سابقاً.

وأضاف الشيخ ججوك لعنب بلدي أن مناطق مثل مرج السلطان في غوطة دمشق، والتي كانت تعتبر أبرز خزان للتراث الشركسي، تعرضت عام 2016 إلى تدمير كامل، نتيجة القصف، ما زاد من حالة التشتت الاجتماعي.

وعلى الرغم من ذلك، واجهت الأسر هذا التباعد من خلال التمسك بالنظام الأخلاقي (الأديغة خبزة) داخل منازلهم بديلاً عن الجغرافيا المفقودة، وظلت الأسرة تلعب الدور الأساسي في تناقل العادات والتقاليد والحفاظ على قيم الجوار والشهامة بين الأجيال.

الشركس السوريون يحتفلون بـ”يوم الحداد” في حلب – 21 أيار 2026 (القبائل الشركسية في سوريا/ فيسبوك)

خريطة توزيع الشراكسة في سوريا

التقديرات العددية: قبل عام 2011، كانت تتراوح بين 100 و150 ألف نسمة، مع تقديرات أعلى تصل إلى 175 ألفاً، فيما أصبحت المراقبة الدقيقة الآن صعبة بسبب غياب الإحصاءات الرسمية الموثوقة، وموجات اللجوء والنزوح، وتغير منازل العائلات في العقود الأخيرة.

خريطة التوزيع الجغرافي الحالية:

دمشق وريفها: أحياء المهاجرين، ركن الدين، قدسيا وضواحيها، مشروع دمر، ضاحية حرستا، مجمع الكسوة، مرج السلطان.

القنيطرة والجولان السوري: قرى المنصورة والعدنانية وعين زيوان والخشنية وغيرها الكثير من القرى التي هجر أهلها تاريخياً.

حمص وريفها: قرى أبو حمامة ومرج الدر (المرج) وعسيلة والطليل وعين النسر وتل عمري ودير فول.

حماة وريفها: قرى تلادة وتلسنان ودير العجل (ذيل العجل).

حلب وريفها: وخاصة خناصر ومنبج وعين دقنة والري.

اللغة.. التحدي الأصعب في مواجهة الانحلال

الخوف الأكبر الذي يواجه المجتمع الشركسي اليوم في شتاته ونزوحه هو غياب ممارسة اللغة التي تعتبر حارس الذاكرة والتاريخ الشفهي. وفي هذا السياق، يلجأ الشراكسة إلى مثلهم القديم، “روح الشعب لغته… فلنتكلم اللغة الشركسية”.

وأشار رئيس المجلس العشائري الشركسي في سوريا، الشيخ محمد إلياس جوجوك، إلى أن معركة الحفاظ على اللغة (بلهجتيها الأديغة والقبرصية) هي التحدي الأكبر حالياً مقارنة بالعادات. وبينما تظل عادات “الخبزة” قوية ومحترمة في السلوك اليومي بفضل الترابط العائلي، إلا أن اللغة تأثرت بشكل مباشر بتشتت الأسر، وظروف الحرب الصعبة، واعتماد اللغة العربية لغة أساسية وحيدة في التعليم والعمل والحياة اليومية.

من الذاكرة العاملة إلى العمل المنظم

وبعد سنوات طويلة اعتمد خلالها الشراكسة على العائلة باعتبارها الوصي الأساسي على الهوية، بدأت مرحلة جديدة من العمل المنظم لإحياء اللغة والتراث بعد سقوط نظام الأسد.

واليوم، يبرز دور المجلس العشائري الشركسي في سوريا، إلى جانب الجمعية الخيرية الشركسية التي تأسست عام 1948، في تنشيط الأنشطة التراثية وتعليم الرقصات والفلكلور للأجيال الجديدة.

كما ظهرت مبادرات ثقافية حديثة تهدف إلى تعليم اللغة الشركسية وربط الأطفال والشباب بجذورهم التاريخية، في محاولة لتحويل الهوية الشركسية من ذاكرة معرضة لخطر الانقراض إلى حضور اجتماعي وثقافي أكثر استقرارًا داخل المجتمع السوري.

هوية خاصة ضمن الهوية السورية.. آمال العودة

ويعتقد الشراكسة في سوريا أن الحفاظ على خصوصيتهم الثقافية الفريدة لا يتعارض إطلاقاً مع انتمائهم الوطني السوري، بل يشكل جزءاً أصيلاً وغنياً من التنوع الاجتماعي في البلاد. ولم يكن ارتباطهم بسوريا اتصالا عابرا. وفي السنوات التي سبقت الحرب، كان التخلي عن الجنسية السورية مستحيلاً في ضمائرهم، لأن هذه الأرض احتضنتهم يوم تهجيرهم قسراً، وقاتلوا ضمن صفوف جيشها وسجلوا انتصارات تاريخية ملحوظة، ولعل أهمها ما حققته الكتيبة الشركسية في حرب 1960. 1948.

اليوم، وعلى الرغم من وجود تحديات كبيرة تتعلق بالوضع الاقتصادي والمعيشي الصعب، واستمرار استنزاف الهجرة، وصعوبة إعادة بناء الحياة الاجتماعية والثقافية بشكل كامل بعد سنوات الحرب الطويلة، فإن الشراكسة يتطلعون إلى المستقبل بالكثير من الأمل والمسؤولية لأنهم جزء لا يتجزأ من الشعب السوري ومن الثورة السورية التي طالبت بالحرية والكرامة والعدالة.

#الخبازون #الأديغة. #كيف #حافظ #الشراكسة #السوريون #على #مجتمعهم

“الخبازون الأديغة”.. كيف حافظ الشراكسة السوريون على مجتمعهم؟

– الدستور نيوز

عالم الأسرة – “الخبازون الأديغة”.. كيف حافظ الشراكسة السوريون على مجتمعهم؟

المصدر : www.enabbaladi.net

.