دستور نيوز
ومع حلول فصل الربيع، يتحول الريف الممتد بين القحطانية والمالكية، مروراً بالجوادية ومعبدة، في ريف محافظة الحسكة شمال شرقي البلاد، إلى وجهة مفضلة لعشرات العائلات القادمة من مختلف مناطق المحافظة.
وتتميز هذه المناطق بتنوعها البيئي، من السهول الخضراء إلى الينابيع الطبيعية وضفاف نهر دجلة، مما يجعلها متنفساً طبيعياً للسكان.
إلا أن هذا الطلب الكبير صاحبه ارتفاع واضح في معدلات التلوث، أبرزها الرمي العشوائي للنفايات وإشعال الحرائق بين الأشجار، ما أدى إلى تدهور الواقع البيئي في عدد من المواقع الطبيعية.
ويقول سكان محليون إن بعض الزوار يتعاملون مع هذه الأماكن على أنها “مساحات مفتوحة بلا ضوابط”، دون مراعاة كونها مصادر مياه ومواقع بيئية حساسة، ما أدى إلى تفاقم حجم الأضرار خلال الفترة الأخيرة.
قرارات الحظر.. “الحل الأخير”.“
وفي ريف القحطانية، قرر أهالي قرية علي بدران منع التنزه بالقرب من الينابيع التي تنبع في محيط القرية، بعد تفاقم مشكلة تراكم النفايات وتلوث مصادر المياه.
كما اتخذ أهالي قرية الجارودية بمدينة المالكية قراراً مماثلاً، بعد زيادة رمي القمامة داخل المساحات الخضراء.
ولم يكن المنع قرارا لحظيا، بل جاء بعد محاولات سابقة لتنظيم حركة الزوار، من خلال تخصيص أماكن لرمي النفايات وتوجيه الدعوات المتكررة للحفاظ على النظافة العامة، إلا أن هذه المبادرات لم تلق الاستجابة الكافية.
ويؤكد السكان أنهم اضطروا إلى هذه الخطوة “إكراهاً”، بعد أن تحولت بعض المواقع الطبيعية إلى مكبات مفتوحة للنفايات، ما هدد استدامتها وأثر على مصادر المياه الخاصة بها.
““لقد سئمنا.” شهادات من العائلات
سليمان أحمد، من قرية علي بدران، قال لعنب بلدي، إن الإقبال الكبير على التنزه في قريتهم، يقابله سلوك غير مسؤول من قبل بعض الزوار، بما في ذلك رمي النفايات وإشعال الحرائق وقطع الأشجار، ما يسبب أضرارًا بيئية كبيرة.
وأضاف: “طلبنا من المتنزهين عدم زيارة القرية، ولم نغلق أبوابنا حتى سئمنا تلوث ينابيعنا، والمشاكل التي يتركها بعض الزوار وراءهم، فالطبيعة أمانة، والقرى بيوت أصحابها، ويجب احترام هذه الثقة”.
وأشار أحمد إلى أن الأهالي حاولوا في السابق تنظيم الأمر بشتى الطرق، إلا أن تفاقم المشكلة دفعهم في النهاية إلى اتخاذ قرار المنع حفاظاً على بيئتهم المحلية.
من جانبه، قال عزيز علي، من ريف القامشلي الشرقي، إن التلوث لم يقتصر على القرى، بل امتد إلى سد السفان، ما زاد من خطورة الوضع، نظراً لأهميته كمصدر لمياه الشرب بعد تكريره.
وأضاف أن عددا من القرى مثل الظاهرية وعين ديوار وجم شرف تواجه نفس المشكلة، داعيا إلى تعزيز الوعي البيئي لدى السكان والزوار على حد سواء.
سد السفان.. خطر يهدد مصدر المياه
ويعتبر سد سعفان من أبرز المواقع المتضررة من التلوث، إذ أدى إلقاء النفايات في محيطه إلى تلوث مياهه، رغم كونه مصدراً مهماً لمياه الشرب لعدد من المدن، بينها المالكية ومعبدة والقامشلي.
ويحذر السكان من أن استمرار هذه الممارسات قد يؤدي إلى تفاقم المشكلة، خاصة في ظل محدودية الموارد المائية في المنطقة، مما يجعل الحفاظ على جودة المياه أولوية قصوى.
كما يشيرون إلى أن إشعال الحرائق في المناطق الحرجية القريبة من السد يهدد الغطاء النباتي ويؤثر سلبا على التوازن البيئي.
خبير بيئي: ما يحدث هو إنذار مبكر“
وتعليقًا على هذه التطورات، قال الخبير البيئي مروان الحسن، إن ما يشهده ريف الحسكة يعد “مؤشرًا خطيرًا على تراجع الوعي البيئي”، مشيرًا إلى أن قرارات السكان بمنع التنزه تعكس غياب الحلول المؤسسية الفعالة.
وأوضح الحسن أن رمي النفايات في البيئات الطبيعية لا يؤدي إلى تشويه المنظر العام فحسب، بل يسبب تلوث التربة والمياه، ويؤثر على التنوع البيولوجي، خاصة في المناطق التي تشمل الينابيع والمسطحات المائية.
وأشار إلى أن الحل لا يكمن في الوقاية فقط، بل في “إطلاق حملات توعية بيئية متواصلة، وتوفير بنية تحتية مناسبة لإدارة النفايات، إضافة إلى فرض رقابة حقيقية على السلوك المخالف”.
وتعكس هذه الظاهرة حالة من التوتر بين حاجة السكان إلى أماكن للترويح عن النفس والترويح عن النفس، وضرورة الحفاظ على البيئة الطبيعية من التدهور. وفي غياب التنظيم الفعّال، وجد الأهالي أنفسهم أمام خيار صعب: إما فتح مناطقهم على حساب بيئتهم، أو إغلاقها مؤقتاً لحمايتهم.
ويرى الحسن أن هذه الإجراءات، رغم قسوتها، قد تكون حافزا لإعادة التفكير في آليات إدارة المواقع الطبيعية، سواء من خلال إشراك المجتمعات المحلية في حمايتها، أو من خلال تدخل الجهات المعنية لوضع ضوابط واضحة للتنزه.
يدعو إلى تعزيز الوعي والمسؤولية
وفي ختام حديثهم، أكد الأشخاص الذين التقتهم عنب بلدي أن حماية البيئة مسؤولية جماعية، تبدأ من سلوك الأفراد، ولا تنتهي عند حدود القرارات المحلية. وطالبوا الزوار باحترام خصوصية القرى والمحافظة على نظافة الأماكن التي يزورونها، مؤكدين أن الطبيعة ليست ملكاً لأحد، بل هي تراث مشترك يجب الحفاظ عليه للأجيال القادمة.
وفي ظل استمرار هذه التحديات، يبقى السؤال مفتوحا حول مدى قدرة المجتمعات المحلية وأصحاب المصلحة على إيجاد التوازن بين الاستفادة من الطبيعة وحمايتها، دون اللجوء إلى إجراءات الوقاية التي قد تحرم الكثير منهم من التمتع بها.
متعلق ب
#الحسكة #قرى #تلجأ #إلى #الإغلاق #البيئي #لحماية #الطبيعة
الحسكة: قرى تلجأ إلى “الإغلاق البيئي” لحماية الطبيعة
– الدستور نيوز
عالم الأسرة – الحسكة: قرى تلجأ إلى “الإغلاق البيئي” لحماية الطبيعة
المصدر : www.enabbaladi.net
