دستور نيوز
مع حلول منتصف نيسان/أبريل من كل عام، تبدأ ملامح موسم جز الأغنام بالظهور في ريف محافظة الحسكة. ويعرف هذا الموسم محلياً بـ”القفص”، ويستمر حتى بداية شهر أيار/مايو، وسط طقوس متوارثة تعكس خصوصية الحياة الريفية في شمال شرقي سوريا، حيث تتقاطع المصلحة الاقتصادية مع القيم الاجتماعية والتقاليد العريقة.
تأخر الطقس المعتدل هذا العام دفع بعض مربي الماشية إلى التريث لبدء عملية القص، فيما بدأ آخرون العمل مع أولى موجات الدفء، مدفوعين بضرورات تتعلق بصحة الأغنام واستعدادها لفصل الصيف القاسي الذي تتميز به المنطقة.
طقس موسمي ذو أبعاد اقتصادية
ويعتبر موسم “القصاص” محطة أساسية في الدورة الإنتاجية لمربي الأغنام، إذ لا تقل أهميته عن مواسم الحليب ومشتقاته مثل “الحلب والحلب”. ولا يزال الصوف، رغم تراجع استخداماته المنزلية في السنوات الأخيرة، يشكل مصدر دخل جانبي للأسر الريفية التي تعتمد بشكل كبير على تربية الماشية بالإضافة إلى الزراعة.
ويقول علي السلمان، وهو عامل ذو خبرة في قص الصوف (الكسوس)، إن هذا الموسم “لم يعد الصوف فرصة مهمة لتحسين دخل المربين كما كان في الماضي، واليوم تختلف الأسعار حسب الجودة والنظافة وطريقة القص، لكنها بسيطة ولا تقارن بما كانت عليه الأسعار قبل عقود”.
ويضيف: «إن مهارة القص لها دور كبير في الحفاظ على قيمة الصوف، إذ يجب أن يتم تجميعه على شكل قطعة واحدة تعرف بالجززة».
في السابق، كان الصوف يستخدم على نطاق واسع في صناعة المفروشات والأغطية المنزلية، لكن مع انتشار المنتجات الجاهزة تراجع هذا الاستخدام بشكل كبير، واتجه معظم المربين إلى بيع الصوف مباشرة للتجار.
وقال مربو الأغنام الذين التقتهم عنب بلدي، إن الناس كانوا يعتمدون على الصوف في كل شيء داخل المنزل، لكن اليوم تغيرت العادات، وأصبح البيع هو الخيار الأسهل.
مهنة تورث بالخبرة والتجربة
ويشرح علي السلمان تفاصيل العمل هذا الموسم، موضحاً أن تعلم القص «لا يقتصر على استخدام الأداة، بل يشمل معرفة سلوك الأغنام وكيفية التعامل معها بهدوء ودون إيذاءها».
ويشير إلى أنه خلال يوم القص ينقسم الشباب إلى مجموعتين: الأولى ذوي الخبرة الذين يقومون بالجز، والثانية المساعدون المسؤولون عن جر الأغنام وتثبيتها.
ويتابع: “نستخدم حبالاً صوفية واسعة لربط أرجل الخروف بشكل لا يضره، ثم يبدأ القص تدريجياً من المناطق الحساسة التي تتطلب دقة عالية”. ويؤكد أن الخبرة المتراكمة هي الأساس لتجنب إصابة الحيوانات، خاصة في المناطق الحساسة من الجسم.
“الفزعة.. روح التعاون الريفي
ومن أبرز سمات موسم “القصاص” مبدأ “الفزعة” وهو تقليد اجتماعي يقوم على التعاون بين مربي الأغنام في القرية.
ويوضح محمود الرجب، وهو رجل مسن يعيش هذه الطقوس منذ عقود، “الفزعة تعني أن يتعاون الجميع في جز قطيع مربي واحد، ومن ثم ينتقلون إلى قطيع آخر، دون أي مقابل مالي”.
وهذه العادة، بحسب الرجب، “تقوي الروابط الاجتماعية بين أهل القرية، وتخلق جواً من الألفة والمحبة، خاصة مع الجميع المشاركين في العمل، كباراً وصغاراً”.
ويتذكر الرجب كيف أن هذه المناسبات “تحولت إلى ما يشبه الاحتفال، حيث يتم ذبح الأضاحي وتقديم الوجبات من الإفطار حتى العشاء، ويشارك الجميع في الغناء والعمل”.
الحذاء… صوت التراث في العمل
ولا يكتمل موسم «الكصاص» من دون «الهدا»، وهي أغاني شعبية يؤديها أحد المشاركين، ويكررها آخرون، بهدف كسر رتابة العمل وغرس الحماس في نفوس العاملين. وتتنوع كلمات هذه الأغاني بين الفخر بالمهنة ووصف الغنم والغناء عن الكرم والتعاون.
ويؤكد علي السلمان أن «الأحذية جزء لا يتجزأ من هذا الموسم، فهي تخفف تعب العمل الطويل وتمنح الجميع طاقة إيجابية للاستمرار».
الأدوات والتقنيات التقليدية
وتستخدم في عملية القص أداة تقليدية تعرف باسم “الزو”، وهي تشبه المقص ولكن يتم الضغط عليها براحة اليد دون فتحات للأصابع، وهي مصنوعة من الفولاذ على يد حدادين محليين. تأكدي من تنظيفه بعد كل استخدام بوضعه في اللبن الرائب لإزالة الشوائب وضمان استمرار فعاليته.
ويوضح علي السلمان أن عملية القص تبدأ من منطقة البطن مروراً بالجوانب وصولاً إلى الظهر ومنطقة الأرداف، مع ضرورة الحذر في المناطق الحساسة لتجنب إصابة الحيوان بجراح قد تتفاقم لاحقاً.
البعد الصحي: توقيت وطريقة القص
وأوضح الطبيب البيطري عبدالله المصلح، أن توقيت وطريقة القص لهما تأثير مباشر على صحة الأغنام، وأن “أفضل وقت للجز هو أثناء الطقس المعتدل والجاف، مع تجنب البرد الشديد أو المطر، لتجنب أمراض الجهاز التنفسي”.
وحذر المصلح من قص النعاج في أواخر الحمل أو عندما تكون بطونها ممتلئة، لأن ذلك قد يسبب التوتر وصعوبة التنفس. وشدد على أهمية التعامل بهدوء مع الحيوانات أثناء العملية لتجنب التوتر والإصابات.
ونبه إلى ضرورة اتخاذ الإجراءات الوقائية بعد الانتهاء من القص، مثل استخدام القطران لحماية الجلد من الحشرات، ومراقبة القطيع خلال الأيام الأولى لرصد أي أعراض غير طبيعية.
كما ينصح باستشارة الطبيب البيطري عند ظهور علامات وجود الطفيليات مثل القشرة أو ضعف الصوف لاختيار العلاج المناسب.
طقوس اجتماعية
ولا يزال موسم “الكصاص” يحتفظ بمكانته كأحد أبرز مظاهر الحياة الريفية، إذ يجمع بين العمل والتراث الثقافي، ويعكس قدرة المجتمعات المحلية على التكيف مع الظروف والحفاظ على تقاليدها في مواجهة المتغيرات.
«الكصاص» لا يمثل مجرد عملية جز الصوف، بل مشهد اجتماعي متكامل، تتجسد فيه قيم التعاون، وتروى من خلاله قصص الأجداد، وتروى من خلالها قصص الأجداد، وتنتقل إلى الأطفال كجزء من هوية المكان والشخص.
متعلق ب
#مع #اعتدال #الطقس #يبدأ #موسم #الكصاص #في #ريف #الحسكة
مع اعتدال الطقس يبدأ موسم “الكصاص” في ريف الحسكة
– الدستور نيوز
عالم الأسرة – مع اعتدال الطقس يبدأ موسم “الكصاص” في ريف الحسكة
المصدر : www.enabbaladi.net
