.

عالم الأسرة – “التعليم المكثف” للطفل.. متى يثير القلق؟

اخبار الأسرهمنذ ساعتين
عالم الأسرة – “التعليم المكثف” للطفل.. متى يثير القلق؟


دستور نيوز

عنب بلدي – شعبان شامية

هناك أمور كثيرة يجب أن تقلق الآباء اليوم، لكن قد يشعر بعضهم بالقلق إلى درجة أن أسلوبهم في التربية يميل إلى الانخراط بشكل مفرط في كل تفاصيل حياة الطفل، من تعليمه إلى أوقات فراغه وعلاقاته، بالإضافة إلى الإفراط في الحماية، وهو ما أصبح يُعرف مؤخراً باسم “التربية المكثفة”.

ظاهريًا، تبدو هذه التنشئة تعبيرًا عن الحب والرعاية، بحسب ما قالت المستشارة النفسية الأسرية الدكتورة هبة كمال العرنوس، في حديث إلى عنب بلدي، لكنها تصبح مثيرة للقلق عندما تتحول من الدعم إلى السيطرة، ومن المرافقة إلى الإدارة الكاملة لحياة الطفل.

وتكمن الخطورة، بحسب الاستشاري، في أن هذا الأسلوب في التربية قد يعيق نمو الاستقلالية ويضعف قدرة الطفل على اكتشاف ذاته.

كما تمتد الآثار السلبية لهذا النمط أحيانًا إلى الوالدين. وفي أغسطس 2024، حذّر تقرير للجراح العام الأميركي فيفيك مورثي، من الضغوطات التي تتعرض لها الأمهات، مشيراً إلى أن تربية الأبناء أصبحت تشكل خطراً على الصحة العامة للآباء، وتزيد من مستويات القلق والتوتر والضغط النفسي.

التحذير جاء في وقت تشهد فيه تربية الأبناء تحولا جذريا، حيث زادت متطلبات التربية بشكل كبير، لدرجة أن تربية الأبناء أصبحت أكثر استهلاكا للوقت والجهد والمال، وتحول الكثير من الآباء إلى “آباء شديدي الوطأة”، مما يضر الأسرة بأكملها، بحسب التقرير.

تحولت الرعاية إلى عبء نفسي

ويتحول اهتمام الوالدين من الرعاية الصحية إلى العبء النفسي على الطفل عندما يفقد المساحة الخاصة به ويشعر أن قيمته مشروطة بإنجازه أو رضا والديه.

وإذا أصبح الطفل يشعر بالقلق باستمرار من ارتكاب الخطأ، أو يصبح غير قادر على اتخاذ قرارات بسيطة دون استشارة الوالدين، فهذا مؤشر، بحسب العرنوس، على أن القلق تجاوز حدوده الصحية، مؤكدا أن الرعاية الصحية تمنح الأمان، بينما العبء يخلق ضغطا مستمرا وخوفا من الفشل.

تحويل الطفل إلى «مشروع إنجاز»

غالبًا ما تنبع التربية المكثفة من القلق، سواء كان خوفًا على مستقبل الطفل أو رغبة في تعويض النقص الذي عاشه الوالدان في طفولتهما.

أحياناً، بحسب الاستشاري، يرتبط «التعليم المكثف» بثقافة اجتماعية تقيس نجاح الأهل بإنجازات أبنائهم.

وفي بعض الحالات، يسعى الأهل دون وعي إلى تحقيق طموحاتهم الشخصية التي لم تتحقق من خلال الطفل، فيحولونه إلى مشروع وليس إلى فرد مستقل.

ما هو دور مواقع التواصل الاجتماعي؟

ووجد استطلاع أجرته منظمة Little Sleepies عام 2024، أن نحو 73% من الأمهات يقارنن أنفسهن بما تفعله الأمهات الأخريات على مواقع التواصل الاجتماعي، وأفادت 77% منهن أنهن يشعرن بـ”الذنب الأمومي” بسبب مواقع التواصل الاجتماعي.

تلعب وسائل التواصل الاجتماعي دوراً كبيراً في الضغط على الأمهات، بدءاً من عرض الوجبات المعبأة بشكل مثالي، وصولاً إلى الأنشطة التي تدعي أنها معتمدة من مونتيسوري (فلسفة تعليمية شاملة طورتها ماريا مونتيسوري)، والتي تتطلب ساعات من الإعداد، ويتم تقديمها كأنشطة يومية عادية، مما يجعل الأمهات يشعرن بأن الأساس يجب أن يكون استثنائياً، لا مجال فيه للانحراف أو الإهمال.

انعكاسات ذلك على الصحة النفسية للطفل

قد يعاني الطفل من القلق المزمن، وانخفاض الثقة بالنفس، وصعوبة تحمل المسؤولية.

الأطفال الذين ينشأون في بيئة شديدة الرقابة غالبًا ما يفتقرون إلى مهارات حل المشكلات، بحسب العرنوس، لأنه لا يتم منحهم الفرصة للتجربة والخطأ.

وعلى المدى الطويل، قد يطورون اعتماداً مفرطاً على الآخرين أو تمرداً شديداً في الاستجابة للسيطرة.

وقالت المستشارة إن “التربية المكثفة” قد تؤدي إلى حرمان الطفل من طفولته، حيث يكون جدوله اليومي مثقلا بالأنشطة المنظمة والضغوط الأكاديمية، وبالتالي يفقد وقت اللعب الحر الذي يعد عنصرا أساسيا في النمو النفسي والاجتماعي.

الطفولة ليست مرحلة تعلم فقط، بحسب العرنوس، ولكنها أيضًا مرحلة اكتشاف وخيال، معتبرًا أن التعامل مع الطفل على أنه “مشروع إنجاز” يحرمه من العفوية والتجارب البسيطة التي تشكل ذاكرته وتوازنه النفسي.

الفرق بين الدعم والتدخل المفرط

الدعم يعني تواجد الوالدين عند الحاجة، بينما التدخل المفرط يعني الحضور المستمر حتى في غياب الحاجة. الدعم يعزز الاستقلالية، بينما التدخل يقيدها.

وفرقت الفتوى بين الطفل المدعم الذي يشعر أن لديه شبكة أمان، والطفل الذي يتعرض لتدخلات مفرطة تجعله يشعر بأنه غير قادر على إدارة حياته دون وصاية.

أهمية التوازن في التعليم

التوازن يبدأ بالثقة في قدرات الطفل، وإعطائه المساحة لاتخاذ القرارات المناسبة لعمره. ومن المهم أيضًا قبول الأخطاء كجزء من التعلم، وليس كجزء من الفشل الذي يجب تجنبه بأي ثمن.

التثقيف الصحي، بحسب الاستشاري، يقوم على الحضور الواعي وليس السيطرة، وعلى التوجيه وليس الإملاء. الحوار المفتوح مع الطفل يساعد على فهم احتياجاته بدلاً من فرض توقعات جاهزة عليه.

ومن العلامات التي تنبه الأهل إلى أنهم يمارسون “التربية المكثفة” بشكل مفرط، بحسب العرنوس، التدخل في كل صغيرة وصغيرة في حياة الطفل، والشعور بالقلق الدائم عليه، وصعوبة تركه يواجه التحديات بمفرده، وربط نجاحه بقيمة الذات.

وأشارت المستشارة إلى أنه إذا شعر الأهل بالإرهاق المستمر أو أن حياتهم تتمحور بالكامل حول الطفل، فغالباً ما يكون هناك خلل في التوازن.

الخطوة الأولى لتصحيح هذا النمط من التربية دون الشعور بالذنب هي إدراك أن الهدف ليس أن تكون والدًا مثاليًا، بل أن تكون كافيًا وداعمًا.

والتغيير، بحسب الاستشاري، يكون تدريجيًا، من خلال منح الطفل مساحات صغيرة من الاستقلالية، ومراقبة النتائج دون تدخل مباشر.

ومن المهم أيضًا أن يتقبل الآباء أن الأخطاء جزء طبيعي من النمو، وأن فقدان السيطرة لا يعني الإهمال، بل شكل أكثر نضجًا من الرعاية.

واختتمت المستشارة النفسية العائلية حديثها لعنب بلدي، قائلة إن حب الطفل لا يقاس بمقدار سيطرتنا عليه، بل بقدرتنا على إعداده للحياة بدوننا.

ليس الهدف الحقيقي من التربية تكوين طفل مثالي، بل إنسان قادر على الاعتماد على نفسه، واثق من نفسه، متصالح مع أخطائه. في بعض الأحيان، أفضل ما يمكن أن يفعله أحد الوالدين هو التراجع وإعطاء الطفل الفرصة لاتخاذ خطوة إلى الأمام.

#التعليم #المكثف #للطفل. #متى #يثير #القلق

“التعليم المكثف” للطفل.. متى يثير القلق؟

– الدستور نيوز

عالم الأسرة – “التعليم المكثف” للطفل.. متى يثير القلق؟

المصدر : www.enabbaladi.net

.