دستور نيوز
يثير اسم منطقة دمسرخو في ريف اللاذقية فضولاً متكرراً لدى الكثيرين، سواء في نطقه أو في محاولة فهم جذوره، خاصة أنه يبدو للوهلة الأولى غير مألوف، ويحمل طابعاً قديماً يختلف عن أسماء المناطق الساحلية الحديثة.
دمسرخو هي إحدى أقدم المناطق الساحلية في سوريا. تقع على أطراف ريف اللاذقية الشمالي، وتشكل امتداداً عمرانياً محاذياً لمدينة اللاذقية، إذ تبعد عن مركزها حوالي كيلومترين، مما يجعلها اليوم جزءاً شبه متشابك مع النسيج العمراني للمدينة، رغم احتفاظها بملامحها الزراعية والساحلية القديمة في بعض أجزائها.
ويضيف القرب الجغرافي من مدينة أوغاريت الأثرية، التي لا تبعد عن دمشق سوى بضعة كيلومترات، إلى هذا التفسير بعدا تاريخيا إضافيا، خاصة أن أوغاريت تعتبر من أهم المراكز الحضارية القديمة التي شهدت أول أبجدية مكتوبة في تاريخ البشرية، ومن أقدم أشكال التدوين الموسيقي، مما يجعل المنطقة بأكملها جزءا من ذاكرة أثرية ممتدة.
الفينيقية أم البابلية أم الكلدانية؟
يختلف الباحثون حول أصل اسم “دمسارخو”. ويقول البعض أنه اسم فينيقي قديم. وبحسب الباحث والكاتب السوري جبرائيل سعادة، فإن الاسم يتكون من ثلاثة مقاطع: “دم”، و”سر”، و”خو”. المقطع الأول يعني “إكسير الحياة”، والمقطع الثاني يعني “السر” أو “السيد الرفيع المستوى”، بينما المقطع الثالث يعني “الحماية والصيانة”.
ويربط باحثون آخرون الاسم بجذر بابلي وكلداني يعود إلى كلمة “يرخو” التي تعني القمر، في إشارة محتملة إلى معابد القمر القديمة التي يعتقد أنها وجدت في المنطقة أو محيطها.
بين اللغة والحكاية الشعبية
ويقال في رواية لغوية شائعة إن اسم “دمسارخو” قد يشير في أصله إلى معنى يتعلق بالمنخفض الخصب في اللغة الفينيقية، وهو تفسير يتوافق مع طبيعة المنطقة الزراعية القديمة، حيث اشتهرت بزراعة الحمضيات، وخاصة الليمون، بالإضافة إلى صيد الأسماك والسياحة، والتي أصبحت فيما بعد من معالمها الاقتصادية.
لكن في المقابل، تظهر روايات شعبية أخرى منتشرة على نطاق أوسع بين الناس، وتقدم تفسيرات مختلفة للاسم، منها قصة “دم أخيه المسفوك”، وهي رواية شفهية موروثة تتحدث عن حادثة قديمة في المنطقة، حيث يقال إن اسمها ارتبط بقصة شقيقين. إلا أن هذا التفسير يظل غير موثق تاريخيا، ويصنف ضمن الحكايات الشعبية التي تناقلها الناس عبر الأجيال.
بين التحول الحضري وذاكرة المكان
مع التوسع العمراني لمدينة اللاذقية، تغيرت ملامح دمسرخو بشكل كبير، حيث دخلت في التنظيم العمراني الحديث، وأنشئت مشاريع ومناطق سكنية جديدة، مثل المدينة الرياضية والمشروع العاشر، إضافة إلى أحياء ومناطق سكنية حديثة تضم خليطاً من السكان من أصول مختلفة، فيما ظلت بعض البساتين والمناطق الداخلية محافظة على خصوصيتها الاجتماعية والتاريخية.
كما تمتد دمسرخو لتشمل المجتمعات المحلية والبساتين والأراضي التي لا تزال تحمل أسمائها القديمة بين الناس، والمعروفة بتنوعها الاجتماعي وارتباط سكانها بالأرض، إضافة إلى امتلاكها نسبة كبيرة من العقارات و”الشاليهات” في المناطق الساحلية المجاورة كالشاطئ الأزرق، وهو ما يعكس امتدادها الاقتصادي والاجتماعي خارج حدودها الجغرافية المباشرة.
ومع هذا التداخل بين التاريخ والأسطورة، وبين التفسير اللغوي والرواية الشعبية، يبقى اسم «دمسرخو» مفتوحا على أكثر من معنى، يجمع بين عمق فينيقي محتمل، وحكايات شفهية متوارثة، وواقع حضري حديث أعاد تشكيل المكان دون محو ذاكرته القديمة.
وقد يتوقف الزائر أو المستمع للاسم عند غرابته لأول مرة، لكنه سرعان ما يكتشف أن وراء هذا الاسم طبقات من التاريخ والقصص والتحولات، وأن دمسرخو ليست مجرد مساحة جغرافية، بل مساحة تتقاطع فيها الذاكرة القديمة مع الحاضر، بين الأرض الخصبة والأسطورة، وبين الحقيقة وما رواه الناس عنها على مر الزمن.
متعلق ب
إذا كنت تعتقد أن المقالة تحتوي على معلومات غير صحيحة أو لديك تفاصيل إضافية، أرسل لي تصحيحًا
إذا كنت تعتقد أن المقال ينتهك أي مبادئ أخلاقية أو معايير مهنية، قم بتقديم شكوى
#دمسرخو.. #من #التاريخ #إلى #الحكاية #الشعبية
“دمسرخو”… من التاريخ إلى الحكاية الشعبية
– الدستور نيوز
عالم الأسرة – “دمسرخو”… من التاريخ إلى الحكاية الشعبية
المصدر : www.enabbaladi.net
