دستور نيوز
عنب بلدي – يزن قار
وفي 17 نيسان/أبريل 1946، غادرت القوات الفرنسية سوريا، منهية فترة الانتداب وبداية مرحلة الاستقلال الرسمي.
حدث كان من المفترض أن يكون لحظة تأسيسية في الوعي الوطني، لكنه مع مرور الوقت لم يبقى ثابتا في معناه، بل تحول إلى فضاء تتقاطع فيه الذاكرة مع السياسة، والتاريخ مع إعادة التفسير.
وفي ظل حكم حزب «البعث»، لم يكن يوم الجلاء مجرد مناسبة وطنية تستعاد، بل أصبح جزءاً من سرد تربوي وسياسي متكامل.
وفي المدارس، كان يتم طرح يوم الجلاء من خلال الدروس الوطنية وتاريخ التحرير، لكنه غالبا ما كان ينتهي بترديد الشعارات المعلبة، بدلا من النقاش الحي حول معنى الاستقلال.
وهكذا تحول الجلاء من حدث تاريخي مفتوح للتأويل، إلى نص محفوظ يُدرّس، وإلى ذاكرة رسمية تُعاد صياغتها في إطار الحزب والدولة.
إلا أن هذا اليوم بقي حاضراً في التقويم السوري، إلا أن حضوره العملي تغير.
وفي مراحل كثيرة، وخاصة المتأخرة منها، لم يعد عيد الاستقلال يعتبر عطلة رسمية، على عكس الدول الأخرى التي يتم إحياء الذكرى فيها من خلال فعاليات عامة واسعة وطقوس جماعية تعيد إنتاج معنى الوطن بشكل متجدد.
تلاشت المظاهر الاحتفالية تدريجياً في الحالة السورية، وكأن الدولة تكتفي بالرمز دون الحاجة إلى إحيائه في الفضاء العام.
ذاكرة الجيل القديم
يستذكر محمود بيطار (84 عاماً) يوم الجلاء باعتباره أكثر من مناسبة وطنية، وخط فاصل بين زمنين.
ذكراه لا تبدأ من لحظة الاستقلال نفسها، بل من القصص التي سبقتها، من زمن الانتداب الفرنسي، ومن أخبار الإضرابات والخوف التي تناقلتها الأجيال.
محمود، قال لعنب بلدي، “لم يكن 17 نيسان مجرد تاريخ للتدريس، بل كان لحظة تحول حقيقية، فعندما خرج الفرنسيون، لم نشعر فقط أن قوة أجنبية قد رحلت، بل أن البلد بدأ يشبه شعبه”.
بالنسبة لجيله، كان الجلاء بمثابة استعادة حية للذاكرة الوطنية، وليس مجرد احتفال رسمي، لكن مع مرور الوقت، أصبح هذا الحضور أقل كثافة وكان تأثيره أضعف على الأجيال اللاحقة.
الجيل الجديد له ذاكرته الخاصة
يعتقد جزء من جيل الشباب أن عيد الإخلاء لم يعد يحمل نفس المعنى، لأن مصدر الوعي تغير. ولم يعد التاريخ يُبنى بالسرد فقط، بل بالتجربة المباشرة وما تراكم في الذاكرة اليومية.
وقال محمد كخيا (27 عاماً): «لم نعيش تلك المرحلة، لذلك نتعامل مع 17 أبريل باعتباره تاريخاً ندرسه أكثر مما نشعر به».
لكن في المقابل، ظهرت رموز جديدة أكثر ارتباطا بتجارب هذا الجيل المباشرة، حيث بدأ بعض الشباب في إعادة تعريف فكرة “التحرر” استنادا إلى التحولات السياسية والاجتماعية التي عاشوها.
بالنسبة لهم، لم يعد المعنى مرتبطًا فقط برحيل القوة الاستعمارية، بل باللحظات الداخلية التي غيرت علاقتهم بالدولة والسلطة والهوية.
وهذا التحول لا يعكس قطيعة كاملة، بل يعكس اختلافا في مصادر الوعي، فهناك جيل تشكل عبر السرد التاريخي، وجيل آخر تشكل عبر التجربة المباشرة.
العلم بين الاستقلال والثورة والدولة
ويبرز رمز العلم السوري كواحد من أكثر الرموز تعقيداً في هذا السياق. وظل العلم ذو النجوم الحمراء، والذي ارتبط بفترة ما بعد الاستقلال، حاضرا في مراحل متعددة من تاريخ الدولة، لكنه لم يحافظ على معنى واحد ثابت.
ومع اندلاع الثورة السورية عام 2011، عاد هذا العلم إلى الواجهة من زاوية جديدة، حيث تم رفعه كرمز للمعارضة في مواجهة علم النظام السابق، وليس مجرد رمز تاريخي للاستقلال.
ومع سقوط نظام «البعث» لاحقاً، أعيد اعتماده رسمياً، لكن معناه بقي محل خلاف، بين من رأى فيه علم الدولة واستمراريتها، ومن رأى فيه امتداداً مباشراً لرمزية الثورة وتجربتها.
ويعكس هذا التعدد في القراءات أن الرموز ليست ثابتة، بل تتغير حسب التجربة السياسية والاجتماعية التي تسقط عليها.
ورغم هذا التناقض، يبقى يوم 17 نيسان حاضراً في التقويم السوري كنقطة تحول في طريق الاستقلال، لكنه حاضر في ذاكرة متعددة الطبقات. بين ذكرى تنتقل وتجربة تعيشها، وبين احتفال رسمي محدود وذاكرة اجتماعية تتشكل بشكل متفاوت، تتباين معاني هذا اليوم من جيل إلى آخر.
وهكذا فإن السؤال عن يوم الجلاء لم يعد سؤالاً عن حدث انتهى عام 1946، بل عن معنى الاستقلال نفسه. هل هي لحظة تاريخية لمرة واحدة، أم تجربة مستمرة يعاد تعريفها مع كل جيل؟
متعلق ب
#عيد #الاستقلال #السوري #بين #ذكرياتين
عيد الاستقلال السوري بين ذكرياتين
– الدستور نيوز
عالم الأسرة – عيد الاستقلال السوري بين ذكرياتين
المصدر : www.enabbaladi.net
