دستور نيوز
غزو القرنفل
سورية لم تصل بعد إلى مرحلة الدولة الفاشلة بكل معنى الكلمة، لكن المؤشرات المتراكمة تشير بوضوح إلى أننا نسير نحوها بخطوات متسارعة. لا تتحول الدول إلى دول فاشلة بين عشية وضحاها، بل تصل إلى تلك الحالة نتيجة لسلسلة طويلة من القرارات والسياسات والإجراءات الخاطئة التي تتراكم مع مرور الوقت حتى يصبح التراجع عنها أكثر صعوبة وأكثر تكلفة.
الدولة الفاشلة ليست وصفًا بنيويًا أو حكمًا سياسيًا يهدف إلى الإضرار بالخصم السياسي. بل هي دولة ذات سمات ومواصفات محددة في العلوم السياسية، دولة تفقد قدرتها على إدارة شؤون المجتمع، وتعجز عن توفير الخدمات الأساسية لمواطنيها، وتزداد فيها مؤسساتها ضعفا إلى حد أنها تصبح غير قادرة على تطبيق القانون أو تحقيق الحد الأدنى من الاستقرار. وعندما تصل الدول إلى تلك المرحلة فإنها لا تعود دولة بالمعنى الحقيقي، بل تصبح كيانا هشا يحمل اسم الدولة لا أكثر، لكنه في الواقع شيء مختلف تماما وهو أقرب ما يمكن. إلى إقطاعيات جغرافية تدير شؤونها عصابات وليس مؤسسات.
وما يثير القلق هو أن العديد من السياسات والقرارات المتخذة اليوم تسير في الاتجاه المعاكس تماما لما تحتاجه البلدان الخارجة من حروب وأزمات عميقة. فبدلاً من بناء مؤسسات قوية ومحايدة، يتم إضعاف مؤسسات الدولة المتبقية من خلال قرارات أو تعيينات مرتجلة تعتمد على الولاء أكثر من الكفاءة. وبدلا من ترسيخ مبدأ سيادة القانون والمساءلة، يتم تكريس ممارسات تعمق الفوضى وتفتح الباب أمام شبكات النفوذ والمصالح الخاصة.
وأخطر ما في الأمر ليس قرارا محددا أو سياسة محددة، بل الاتجاه العام والنمط الذي تسير فيه الأمور. وعندما تتكرر الأخطاء في السياسات الاقتصادية، وتسارع السلطة إلى تصفية وبيع أصول الدولة وممتلكاتها، وتغيب الرؤية الواضحة لإعادة الإعمار والتنمية، ويتم منح المنح والامتيازات بشكل يثير الشكوك والشكوك حول معاييرها، فإن النتيجة الطبيعية لذلك هي مزيد من التآكل في بنية الدولة وقدرتها على أداء وظائفها الأساسية.
ويشكل اعتماد الزبائنية في التعيينات في مناصب المسؤولية عاملاً حاسماً في مستقبل أي دولة، لأن معايير الاختيار تصبح مرتبطة بالانتماءات الضيقة أو العلاقات الشخصية أو الولاءات السياسية، بدلاً من الخبرة والكفاءة، وتتحول مؤسسات الدولة تدريجياً إلى هياكل رسمية غير قادرة على القيام بمهامها، ومع مرور الوقت تتراكم الأخطاء الإدارية وتتسع الفجوة بين ما تحتاجه الدولة وما يمكن أن توفره مؤسساتها.
ولا يقل خطورة عن ذلك غياب السياسات الواضحة لمعالجة الأزمات الاجتماعية والاقتصادية التي يعاني منها المجتمع. إن عدم قدرة الدولة على تأمين الحد الأدنى من الاستقرار الاقتصادي أو توفير الخدمات الأساسية لمواطنيها، يفتح الباب أمام تآكل الثقة بينها وبين المجتمع. ومع تراجع هذه الثقة وتآكلها، يبدأ الناس في البحث عن بدائل خارج إطار الدولة، سواء كانت شبكات محلية، أو سلطات الأمر الواقع، أو علاقات حماية خاصة، وهذه كلها مؤشرات تؤدي في النهاية إلى تفكك فكرة الدولة نفسها.
الطريق إلى الدولة الفاشلة ليس طريقا غامضا أو مجهولا. وقد شهد العالم أمثلة كثيرة لدول سلكت هذا الطريق، وكانت علامات التحذير واضحة قبل أن تصل الأمور إلى نقطة اللاعودة. الموضوع بدأ دائماً مع تآكل المؤسسات، ثم مع ضعف القانون، ثم مع تعديات المصالح الخاصة، قبل أن تتحول الدولة تدريجياً إلى شيء هلامي بلا شكل واضح وبلا ملامح، مجرد اسم بلا مضمون. ولهذا فإن ما يحدث اليوم يجب أن يدق ناقوس الخطر، لأن استمرار السياسات الحالية بنفس النهج سيقودنا إلى… عاجلاً أم آجلاً، سنصل إلى تلك النتيجة التي يخشاها الجميع، مجرد دولة تفقد قدرتها على إدارة نفسها ومجتمعها، وحينها لن يكون الحديث عن الإصلاح سهلاً، لأن الضرر سيكون قد وصل إلى صميم الدولة نفسها.
واليوم لا تزال هناك فرصة لتجنب هذا المصير، لكن ذلك يتطلب تحولاً كاملاً في السياسات العامة، انعطافاً حقيقياً 180 درجة لا أقل، لأننا بحاجة إلى الانتقال من منطق إدارة السلطة إلى منطق بناء الدولة، ومن عقلية الولاءات الضيقة إلى معيار الأهلية والكفاءة، ومن القرارات المرتجلة إلى التخطيط المدروس المبني على رؤية واضحة لمستقبل البلاد. إن الدول لا تبنى بالشعارات، ولا بالكرنفالات والاحتفالات الحمقاء، بل بالمؤسسات القادرة، والقانون العادل، والسياسات الرشيدة. ويحدث هذا التحول الجذري في طريقة إدارة الشؤون العامة. سنجد أنفسنا بعد سنوات قليلة، وغالباً قبل نهاية الفترة الانتقالية، أمام واقع جديد، لكنه أسوأ مما نحن عليه الآن، حيث لا يمكن الادعاء بأن لدينا دولة حقاً، بل مجرد بقايا وحطام دولة أضاعت فرصة النهوض، وسرعان ما اندفعت نحو الحصول على تسمية الدولة الفاشلة.
متعلق ب
إذا كنت تعتقد أن المقالة تحتوي على معلومات غير صحيحة أو لديك تفاصيل إضافية، أرسل لي تصحيحًا
إذا كنت تعتقد أن المقال ينتهك أي مبادئ أخلاقية أو معايير مهنية، قم بتقديم شكوى
#سوريا #الاندفاع #نحو #الدولة #الفاشلة
سوريا: الاندفاع نحو الدولة الفاشلة
– الدستور نيوز
عالم الأسرة – سوريا: الاندفاع نحو الدولة الفاشلة
المصدر : www.enabbaladi.net
