.

عالم الأسرة – التركمان يعبرون.. لسان الأوغوز الذي لم يختف في الساحل السوري

اخبار الأسره29 مارس 2026
عالم الأسرة – التركمان يعبرون.. لسان الأوغوز الذي لم يختف في الساحل السوري


دستور نيوز

عنب بلدي – علاء شعبو

في أزقة قرية صليب التركمان بمحافظة اللاذقية، حاضرة لغة “الأوغوز” القديمة في تفاصيل الحياة اليومية لسكانها، إذ حافظت على استخدامها نحو ألفي عائلة، لتبقى التركمانية لغة البيت والشارع تتوارثها الأطفال قبل دخولهم المدرسة، ولم تتمكن عقود من الاستقرار في البحر الأبيض المتوسط ​​من محوها.

وأكد رئيس بلدية القرية، عبد الله حسين، لعنب بلدي، أن هذه اللغة تشكل الرابط الأقوى بين الأجيال. وفي أزقة القرية، يكتسب الأطفال اللغة التركمانية المنزلية قبل اللغة العربية، والتي يتعلمونها لاحقاً في المدرسة. وهذا الترتيب جعل من التركمانية “لغة العاطفة والعيش”، بينما ظلت اللغة العربية لغة المعاملات والتعليم.

ويشير السكان إلى أن استمرارية اللغة يعود إلى نمط الحياة الاجتماعي داخل القرية، حيث تتم إدارة تفاصيل البيع والشراء في «المحلات» والاستشارات في «النزل» باللغة الأم.

وفي المجتمع التركماني لا يزال شيوخنا يتحدثون لغة أجدادنا، ومنهم من قضى حياته دون أن يحتاج إلى التحدث باللغة العربية.

عبدالله حسين

مختار قرية صليب التركمان

العلم… بقي على قيد الحياة لمدة ستة عقود

ولا يقتصر حضور الهوية في الصليب التركماني على اللسان، ويمتد إلى رموز مادية موروثة، أبرزها العلم الذي يزيد عمره عن 60 عاماً.

ويوضع هذا العلم على أربعة كراسي صغيرة مزينة بزخارف مصنوعة يدوياً، ويجوب شوارع القرية في المناسبات الكبرى، مثل الأعراس الجماعية واستقبال الحجاج القادمين من مكة.

وتوقف رفع العلم بين عامي 2008 و2009 نتيجة القيود الأمنية على أي تعبير عن الخصوصية العرقية أو الثقافية في سوريا، لكن الأهالي خاطروا بإخفائه في منازلهم، ليعود بعد سقوط النظام إلى مكانه الطبيعي في مقدمة المحافل، كدليل على استمرارية التقاليد وكسر القيود التي كانت مفروضة عليهم سابقاً.

تراث الأعراس.. من «الحناء» إلى «العميل»

ويظهر التمايز الثقافي واضحا في طقوس الزفاف التي تمتد على عدة أيام، بدءا بليلة “الحناء” التي تسبق يوم الزفاف، حيث تتجمع النساء على إيقاع الطبل والناي التركماني، ويجهزون أزياء تقليدية تحمل ملامح أناضولية واضحة. ويرتدي الرجال “الزبون” و”اليشماغ”، بينما تتزين النساء بـ”الشورت” و”التنانير” و”الفيس”، المرصعة أحياناً بقطع معدنية تقليدية.

ينتقل هذا الزي التقليدي من الأمهات إلى زوجات أبنائهن، ويتم صناعته يدوياً بمهارة تضمن بقاء تفاصيل التطريز التي تعكس ذاكرة جماعية لم تتمكن الحداثة من محوها.

وتترافق هذه المظاهر مع مقامات موسيقية يتقن المطربون المحليون أداءها. وتتقاطع هذه المقامات بشكل مذهل مع مقامتي كركوك وتلعفر، مما يثبت وحدة الفن التركماني رغم تشتت الجغرافيا.

المطبخ.. سر “سيرجي بورما” وطبخته

وفي بيوت الشعب التركماني، يحتفظ المطبخ بنكهته الأصلية، وتعتبر حلويات “بورما” أيقونة موائد الأعياد.

السيدة ماريا الصابوني (50 عامًا)، قالت لعنب بلدي إن مهارة صنع هذه الحلوى تكمن في “فرد العجينة” باليد حتى تصبح شفافة كالورق، ثم حشوها بالجوز أو القشطة، وتغليفها على شكل حلزوني، مما يعطيها قوامًا مقرمشًا يختلف تمامًا عن البقلاوة الشامية المعتادة.

أما «اليخنة» (يهني) فيتم طهيها في القرية باستخدام طريقة «الطهي البطيء» للحوم والخضار، مع التقليل من الزيوت والاعتماد على مرق اللحم الصافي، وهو ما يعكس نمطاً غذائياً قديماً يعتمد على البقوليات والماشية التي توفرها الأرض. وكذلك “الكفتة” التي يتم تحضيرها باللحم الصافي دون إضافات كثيرة من البرغل، لتكون أقرب إلى المطبخ الأناضولي الأصيل.

«فروسية» الجوار والتعايش المتجذّر

ورغم خصوصيته الثقافية واللغوية، فإن للصليب التركماني علاقات اجتماعية وثيقة مع محيطه الجغرافي، يصفها مختار عبد الله حسين بأنها مبنية على “الفروسية والاحترام المتبادل”.

وتظهر هذه الروابط بشكل واضح مع القرى المجاورة ذات الأغلبية العلوية، إذ يتشارك أهالي المنطقتين تفاصيل الحياة اليومية التي لم تتأثر بتغير الظروف السياسية، وهو ما أكده لنا أهالي قرية الشبطلية المحاذية للصليب التركماني.

ويترجم هذا التعايش عمليا إلى تضامن اجتماعي، خاصة في شهر رمضان المبارك، حيث تتبادل الأسر من مختلف القرى الأطباق وتتقاسم موائد الإفطار، وهو ما يعكس حالة من الاستقرار المجتمعي المبني على جيران قدامى ومصالح مشتركة على الساحل.

جذور “الأوغوز” في أحضان “المالديف”

يعود استيطان التركمان في المنطقة إلى القرن الحادي عشر، حيث استقرت قبائل “الأوغوز” في مرتفعات الساحل السوري، لتشكل ما يعرف بـ”باير بجاك” (جبل التركمان).

وفي “الصليب التركماني” تحديداً، يمتزج هذا التاريخ العريق بجمال طبيعي فريد، حيث تلتف المنازل التي لا تزال تتحدث التركمان حول شاطئ صخري أبيض بمياه فيروزية صافية، أصبح يطلق عليه اسم “جزر المالديف السورية”.

ويمتد هذا التناغم بين لغة الأجداد وسحر البحر الأبيض المتوسط ​​ليشمل قرى أخرى في اللاذقية، مثل قرية أم الطيور (ترونش) التي تتميز بجمالها الجبلي والساحلي، وصولاً إلى أعماق جبل التركمان في قرى منطقتي باير وبجك، والقسم الشمالي المحاذي للحدود.

واليوم يقف شاطئ القرية بتكويناته الجيرية البيضاء، شاهداً على بقاء هذا المكون السوري الأصيل، الذي حافظ على هويته الثقافية، ليبقى “الصليب التركماني” والقرى التركمانية المجاورة له من أجمل نقاط الالتقاء بين التاريخ الآسيوي والجغرافيا السورية.

#التركمان #يعبرون. #لسان #الأوغوز #الذي #لم #يختف #في #الساحل #السوري

التركمان يعبرون.. لسان الأوغوز الذي لم يختف في الساحل السوري

– الدستور نيوز

عالم الأسرة – التركمان يعبرون.. لسان الأوغوز الذي لم يختف في الساحل السوري

المصدر : www.enabbaladi.net

.