.

عالم الأسرة – الأب في حياة الطفل… من الدور العاطفي إلى تكوين الشخصية

اخبار الأسره22 مارس 2026
عالم الأسرة – الأب في حياة الطفل… من الدور العاطفي إلى تكوين الشخصية


دستور نيوز

عنب بلدي – شعبان شامية

وفي كثير من البيوت، لا يزال دور الأب يقتصر على فكرة الرعاية المادية والانضباط العام، وكأن حضوره النفسي والعاطفي أمر ثانوي.

لكن التحولات الاجتماعية الحديثة وتسارع الحياة وتغير احتياجات الطفل النفسية، كلها أعادت طرح سؤال جوهري: ماذا يمثل الأب في البنية النفسية للطفل غير دوره المالي؟

تتناول عنب بلدي في هذا التقرير الموضوع من زاوية نفسية عائلية متخصصة، لفهم تأثير الأب في تشكيل الشخصية، وتنظيم الانفعالات، وبناء الهوية، وترسيخ الأمن الداخلي لدى الأبناء.

الأبوة في التربية الحديثة

وعن مفهوم الأبوة في التربية الحديثة، قالت المستشارة النفسية الأسرية، الدكتورة هبة كمال العرنوس، لعنب بلدي، إن ما تغير ليس صورة الأب فقط، بل فهمنا العلمي لمعنى التربية نفسها.

في التصورات القديمة، كان يُنظر إلى الأب على أنه مصدر للسلطة والحماية الخارجية، أي الشخص الذي يوفر الحدود والموارد ويضمن بقاء الأسرة مستقرة اجتماعيًا واقتصاديًا.

وأضاف العرنوس أنه في الفهم الحديث للتربية لم يعد ينظر إلى الطفل ككائن يحتاج فقط إلى الغذاء والتعليم والانضباط، بل كإنسان في طور التكوين النفسي والعاطفي والعقلي، يحتاج إلى علاقة عميقة ومتوازنة مع كلا الوالدين.

وهنا يتعدى دور الأب فكرة الإشراف أو السيطرة إلى فكرة المشاركة في بناء العالم الداخلي للطفل. وبحسب الاستشارة، فإن الأب في هذا السياق لا يربي فقط من خلال الأوامر والتوجيهات، بل من خلال حضوره العاطفي، وطريقة استجابته للمشاعر، ونوع العلاقة التي يبنيها مع الابن أو الابنة.

ومن الناحية النفسية، يقول العرنوس، إن الطفل لا يتأثر فقط بما يقوله الأب، بل أيضا بالرسائل غير المباشرة التي يبثها يوميا. كيف يتعامل مع الغضب، وكيف يتعامل مع التوتر، وكيف يحترم الأم، وكيف يعتذر، وكيف يستمع، وكيف يحمي دون اختناق، وكيف يضع حدوداً دون ذل. هذه التفاصيل اليومية هي التي تعيد تعريف الأبوة والأمومة الحديثة.

وأشار العرنوس إلى أن مفهوم الأبوة بحد ذاته تغير في التعليم الحديث، وليس فقط توقعات المجتمع من هذا الدور. ولم يعد الأب مجرد ممول أو صاحب قرار نهائي، بل أصبح عنصرا حاسما في تشكيل الأمان النفسي، وتنمية الكفاءة العاطفية، وبناء صورة الطفل عن نفسه وعن العالم.

القيمة النفسية لوجود الأب

وقالت المستشارة إن وجود الأب لا يقاس فقط بحضوره الجسدي داخل المنزل، بل بمدى حضوره النفسي والعاطفي في وعي الطفل، معتبرة أن هناك فرقا كبيرا بين الأب الحاضر في المنزل ولكنه بعيد عاطفيا، والأب الحاضر بإصغائه واهتمامه واستجابته وتفاعله الحقيقي.

وتتمثل القيمة النفسية لحضور الأب، بحسب العرنوس، على عدة مستويات متداخلة:

• يساهم الأب في بناء ما يسمى بالسلامة النفسية. يحتاج الطفل إلى الشعور بأن هناك شخصًا ذا أهمية يمكن الاعتماد عليه، ليس فقط في أوقات الخطر الخارجي، بل أيضًا في أوقات الارتباك الداخلي. عندما يخاف الطفل، أو يفشل، أو يخطئ، أو يشعر بالرفض، فإن الطريقة التي يستجيب بها الأب لهذه المواقف تترك أثراً عميقاً.

فإذا كان الرد مبنياً على الاحتواء والتفهم، ينمي لدى الطفل شعور داخلي بأنه مقبول حتى في لحظات ضعفه. وإذا كان الرد مبنياً على السخرية أو القسوة أو الإهمال، فقد يكبر الطفل وهو يربط قيمته الشخصية بمدى نجاحه أو طاعته.

• وجود الأب يساهم في تنظيم الانفعالات. لا يولد الطفل قادرًا على فهم عواطفه والتحكم فيها؛ يتعلم هذا من الكبار. وخاصة عندما يكون الأب متوازنا في تعبيره الانفعالي، ويعطي مساحة للمشاعر دون فوضى أو كبت، فهو يعلم الطفل بطريقة غير مباشرة أن المشاعر ليست خطرا، وأن الغضب يمكن فهمه، وأن الحزن يمكن احتماله، وأن الخوف لا يلغي الكرامة.

• وجود الأب يلعب دوراً هاماً في بناء الصورة الذاتية. يطور العديد من الأطفال تصوراتهم عن الكفاءة والقدرة والقيمة من خلال نظرة والدهم إليهم. الأب الذي يرى طفله بعمق، ويشجعه دون مبالغة، ويصحح خطأه دون أن يدمره، يساعده على بناء احترام الذات المتوازن.

أما الأب الذي لا يرى إلا الفشل، أو لا يمنح القبول إلا عند الإنجاز، فقد يدفع الطفل إلى علاقة مشروطة مع نفسه.

بمعنى آخر، إن وجود الأب ليس تفصيلاً تربوياً، بل هو جزء من البنية النفسية التي يبني من خلالها الطفل شعوره بالأمان، وقيمته، وقدرته على مواجهة الحياة.

الحاجة للأب عاطفياً رغم وجود الأم

يفترض البعض أن وجود الأم الحنون قد يعوض أي غياب في دور الأب. والحقيقة، بحسب العرنوس، أن هذا الفهم غير دقيق نفسيا، ليس لأن الأم مهملة، بل لأن الطفل يحتاج إلى مصادر متعددة للتواصل والتفاعل، ويستفيد من الاختلاف الطبيعي بين أدوار الوالدين عندما يكون هذا الاختلاف صحيا ومتعاونا.

فالطفل لا يحتاج إلى الأب فقط كنسخة ثانية من الأم، بل يحتاج إليه كحضور مختلف ومكمل. العلاقة مع الأب تمنح الطفل تجربة نفسية مميزة.

وفي كثير من الحالات، يكون الأب هو بوابة الطفل إلى العالم الخارجي، وإلى الاستقلال، واكتشاف حدود القدرة، والمجازفة، والانفصال الآمن عن الارتباط الراسخ.

وأوضح المستشار أن الأب المتوازن يساعد الطفل على الانتقال من دائرة الاحتواء الأساسي إلى دائرة المبادرة والثقة والانطلاق في الحياة.

ومن ناحية أخرى، فإن وجود أب متاح عاطفيا يريح الطفل من عبء الارتباط الأحادي. عندما يعتمد الطفل نفسياً على شخص واحد فقط ليحظى بالأمان والتقدير، فإنه يصبح أكثر هشاشة عندما يحدث أي تغيير أو توتر في تلك العلاقة، ولكن عندما يكون لديه رابطة صحية مع الأم والأب، تصبح بنيته النفسية أكثر مرونة واتساعاً.

كما يمنح الأب الطفل تجربة مختلفة في فهم السلطة والعلاقة بالقانون والحدود. فإذا مارس الأب حضوره بطريقة عادلة وحازمة ومحترمة، يتعلم الطفل أن السلطة ليست مرادفة للخوف، وأن القوة يمكن أن تكون رحمة، وأن الحزم لا يعني الإهانة.

وهذه تجربة نفسية مهمة جدًا، لأنها تؤثر لاحقًا على علاقة الابن أو الابنة بالمعلمين والمسؤولين والشركاء، وحتى بصورة الله والعدالة والمعنى.

لذا فإن الطفل لا يحتاج إلى أب لأن الأم لا تكفيه، بحسب الاستشاري، بل لأنه يحتاج إلى بنية أسرية متوازنة تمنحه تنوعا صحيا من الحب والحدود والاحتواء والقدوة.

الآثار العاطفية لغياب الأب

ويعد الغياب العاطفي من أكثر أشكال الغياب التربوي غموضا، بحسب الاستشاري، لأنه لا يظهر بوضوح مثل الغياب الجسدي. وقد يكون الأب حاضراً يومياً، في الذهاب إلى العمل والعودة منه، يعيل الأسرة، ويتابع بعض الشؤون العامة، لكن الطفل لا يشعر بأنه معروف أو مسموع أو مفهوم من والده. وهنا تبدأ فجوة صامتة بالتشكل.

ويترك هذا النوع من الغياب عدة آثار نفسية محتملة، أبرزها شعور الطفل بأنه ليس مهمًا بما يكفي ليستحق الاهتمام.

وقد لا يترجم الطفل هذا الشعور إلى كلمات، لكنه يظهر في العديد من السلوكيات مثل الانسحاب، أو البحث المفرط عن الاهتمام، أو الحساسية المفرطة للنقد، أو التعلق المفرط بالأصدقاء، أو محاولة إثبات الذات بطرق اندفاعية.

يفسر بعض الأطفال غياب الأب العاطفي على أنه رفض غير مباشر. وبما أن الطفل يميل بشكل طبيعي إلى تفسير ما يحدث وفقًا لشروطه الخاصة، فقد يعتقد في أعماقه أنه ليس جيدًا بما يكفي ليكون موجودًا.

وهذا الاعتقاد، إذا تأسس مبكراً لدى الطفل، قد يرافقه لسنوات عديدة، مما يؤثر على اختياراته وعلاقاته وصورته المستحقة للحب.

كما أن غياب الأب العاطفي قد يدفع الطفل إلى البحث عن نماذج بديلة للانتماء والتقدير، أحياناً في مجموعات غير ناضجة، أو علاقات غير آمنة، أو تعلق مفرط بمن يمنحه التقدير ولو بطريقة ضارة. ولذلك فإن المشكلة لا تكمن فقط في غياب التوجيه، بل في الفراغ العاطفي الذي يجعل الطفل عرضة للتعويض الخاطئ.

الحضور الجسدي مهم، لكنه لا يحل محل العلاقة. يتذكر الطفل ليس فقط من دفع الفاتورة، بل أيضاً من انتبه لصوته، ومن تحمل دموعه، ومن صدق خوفه، ومن فرح بنجاحه دون أن يستغل، ومن بقي قريباً منه عندما فشل.

الخطوات العملية والتوصيات

يقدم الإرشاد النفسي الأسري خطوات عملية للوالدين لتفعيل دورهما داخل المنزل، منها:

بناء حضور يومي ثابت: خصص وقتًا يوميًا ثابتًا مع طفلك، مثل 20 دقيقة بعد العودة إلى المنزل أو قبل النوم. وهذا الاتساق أهم من المبادرات العشوائية البعيدة المدى.

أنشئ طقوس حوار أسبوعية: قم بجلسة أسبوعية قصيرة تسأل فيها أطفالك ثلاثة أشياء: ما الذي أسعدك هذا الأسبوع؟ ما الذي أزعجك؟ ماذا تحتاج مني؟

شارك التفاصيل الصغيرة: شارك في الواجبات المنزلية، أو قم أحيانًا بإعداد الطعام، أو الذهاب إلى المدرسة، أو ممارسة الهوايات. يتشكل التأثير التعليمي إلى حد كبير في التفاصيل الصغيرة، وليس فقط في الأحداث الكبرى.

راجع أسلوبك عند التوتر: اسأل نفسك بعد كل موقف مرهق: هل كنت أثير مشاعري أم أحررها؟ هل أهدف إلى التوجيه أم السيطرة؟ هل خرج طفلي من الموقف متفهمًا أم مكسورًا؟

إصلاح العلاقة بعد الخطأ: إذا كنت قاسياً أو أخطأت فلا تتجاهل ذلك. ارجع إلى طفلك، وسمي ما حدث، واعتذر له بوضوح، وأعد بناء الجسر. إصلاح العلاقة هو جزء من الأبوة والأمومة، وليس علامة على الفشل.

الاتفاق التربوي مع الأم: كلما كان الوالدان متسقين وواضحين، كلما شعر الطفل بالأمان أكثر. لا تخالفوا القواعد الأساسية أمام أبنائكم، وناقشوا الخلافات التربوية بعيداً عنهم.

تنمية الوعي النفسي لديك كوالد: اقرأ واستمع وتعلم. يكرر العديد من الآباء ما عاشوه دون فحص. الوعي يحرر الأب من إعادة إنتاج القسوة أو الغياب أو التنمر الذي تعرض له.

#الأب #في #حياة #الطفل.. #من #الدور #العاطفي #إلى #تكوين #الشخصية

الأب في حياة الطفل… من الدور العاطفي إلى تكوين الشخصية

– الدستور نيوز

عالم الأسرة – الأب في حياة الطفل… من الدور العاطفي إلى تكوين الشخصية

المصدر : www.enabbaladi.net

.