.

عالم الأسرة – دمشق.. ما أسباب تغير نمط التسوق في حي حاميش؟

عالم الأسرة – دمشق.. ما أسباب تغير نمط التسوق في حي حاميش؟


دستور نيوز

وشهدت أحياء مدينة دمشق خلال السنوات الأخيرة تحولات واضحة في أنماط التسوق والنشاط التجاري، مع انتشار المراكز التجارية الحديثة التي أصبحت نقطة جذب للمستهلكين. ويبرز حي حاميش كمثال على هذه التحولات منذ افتتاح «مول قاسيون الجديد»، حيث تغير إيقاع الحياة اليومية في المنطقة وازداد النشاط الشرائي بشكل ملحوظ.

ويفتح هذا الواقع الباب أمام تساؤلات حول أسباب تفضيل المستهلكين لـ«المولات»، وتأثيرها على المحلات التجارية الصغيرة والأسواق التقليدية، إضافة إلى تداعياتها على أسعار العقارات والنشاط الاقتصادي في الأحياء المحيطة.

كما يفتح باب النقاش حول تأثير المركز التجاري على المحلات التجارية التقليدية في الحي، وقدرتها على البقاء وسط المنافسة.

وتشتد حركة المرور أمام المول طوال اليوم، ويتنقل الزوار بين المتاجر وأقسام الطعام والمناطق الترفيهية، فيما تصطف السيارات على جانبي الشوارع المحيطة، يصاحبها ضجيج متواصل يعبر عن حيوية المكان، ليلاحظ المارة وسكان المنطقة تغير الإيقاع اليومي للحي.

تأثير المول على البيئة المحيطة

وذكر أحد أصحاب المكاتب العقارية في المنطقة، والذي يسكن الحي منذ أكثر من ثلاثة عقود، أن وجود «المول» كان له تأثير إيجابي عام على حي هاميش، سواء من حيث الحركة التجارية أو زيادة الطلب على العقارات.

وقال إن المنطقة كانت مخدومة سابقًا بالأكشاك، لكن قرار محافظة دمشق بإلغاء الأكشاك أدى إلى نقص المحلات التجارية الصغيرة التي تلبي الاحتياجات اليومية السريعة، وهي احتياجات لا تتطلب الدخول إلى “المول”.

وأضاف صاحب المكتب العقاري، أن «المول» أصبح معلماً معروفاً على المستويين السياحي والتجاري، نظراً للخدمات المتنوعة التي يقدمها، وساهم بشكل واضح في رفع أسعار العقارات. الإيجار الذي كان قبل افتتاحه حوالي 300 دولار شهرياً، وصل فيما بعد إلى حوالي 500 دولار.

ورغم أن طبيعة المنطقة تساهم جزئياً في هذا الارتفاع، إلا أن قرب العقار من المول يرفع سعره، حتى لو كان الفارق شارعاً واحداً فقط، نتيجة رغبة الناس المتزايدة في السكن بالقرب منه.

في المقابل، لاحظ صاحب المكتب العقاري ضعف رغبة المستثمرين في افتتاح محلات تجارية جديدة قرب «المول»، خوفاً من المنافسة المباشرة، على عكس المناطق القريبة مثل ركن الدين، حيث يلاحظ انتشار واسع للمحلات التجارية، فيما يغيب هذا النشاط التجاري في هاميش نتيجة سيطرة «المول» على النشاط التجاري.

وفيما يتعلق بالازدحام، يرى بعض السكان أن الازدحام المروري يمثل جانباً من الحيوية التي أضافها المول، خاصة مع تحسن التنظيم المروري.

كما قال أحد سكان الحي، إن أسعار العقارات شهدت ارتفاعاً ملحوظاً سواء في الإيجارات أو المبيعات، نتيجة زيادة الكثافة السكانية وتحول المنطقة إلى منطقة جذب تجاري.

دوافع التسوق في “المول”

وقالت ربة منزل من الحي إنها تفضل التسوق في «المول» بسبب العروض التي تعتبرها أكثر وفرة من الأسواق التقليدية، إضافة إلى إمكانية شراء معظم الاحتياجات من مكان واحد.

كما أنها تفضل دخول المول أحياناً للتدفئة في الشتاء أو التكييف في الصيف، بدلاً من الوقوف في الشمس أو البرد لشراء احتياجاتها.

إلا أنها أشارت إلى وجود اختلاف في أسعار بعض السلع داخل المول، خاصة الخضار والفواكه واللحوم، وهو ما يدفعها أحياناً إلى شراء هذه المنتجات من خارج المول.

رأي أصحاب المحلات المجاورة

وقال أحد أصحاب المحال التجارية في حاميش، إنه افتتح محله بعد التحرير، ولم يشعر بتأثير سلبي مباشر نتيجة وجود «المول». ويرى أن المنافسة لا تعتمد على السعر فقط، بل على حسن التعامل مع العملاء وكسب ثقتهم.

وأشار إلى أن فروق الأسعار تختلف باختلاف نوع المنتج، حيث أن بعض المنتجات تكون أرخص في «المول» نتيجة العروض، بينما تظل سلع أخرى أرخص في المتاجر الصغيرة.

ويرجع ذلك إلى الكميات الكبيرة التي يستوردها المول، مما يسمح له في بعض الأحيان بتقديم أسعار أقل مقارنة بالمتاجر القريبة.

إدارة المخزون وفروق الأسعار

عبد الرحمن محمد، أستاذ العلوم المالية والمصرفية في كلية الاقتصاد بجامعة حماة، قال لعنب بلدي، إن “المولات” تعتمد على مبدأ الشراء بكميات كبيرة لتقليل التكلفة، ما يسمح بالتعاقد المباشر مع المصانع أو استيراد شحنات كبيرة، ويقلل التكلفة الإجمالية.

ويخلق هذا الفارق السعري، بحسب محمد، ضغطاً تنافسياً على محلات الأحياء الصغيرة، التي تشتري بكميات محدودة وبأسعار أعلى من الأسواق المركزية، ما يقلل من قدرتها على المنافسة في السلع الأساسية ذات الطلب المرتفع، لتتحول إلى متاجر تكميلية أو طارئة، ما يهدد إيراداتها الثابتة واستمراريتها.

وأضاف محمد أن «المولات» تتمتع باستقرار نسبي في الأسعار بسبب تخزين البضائع، فيما تعتمد المتاجر الصغيرة على إعادة الشراء بمعدل مماثل (يومي أو أسبوعي)، ما يجعلها تتأثر بشكل مباشر بأي تغير في سعر الصرف.

ويمكن وصف المحل الصغير بأنه يعكس سعر السوق الفوري، في حين تمثل «المولات» آلية تخزين تمتص صدمات الأسعار بشكل مؤقت بفضل حجم مخزونها وسيولتها، بحسب محمد.

الفجوة الرقمية

وفي ظل التحول الرقمي السريع الذي يشهده قطاع التجزئة، تحولت «المراكز التجارية» التجارية إلى منصات تكنولوجية متكاملة تضع تجربة المستخدم في المقام الأول، مع توفير بنية تحتية متقدمة لتوفير نظام دفع إلكتروني شامل.

وذكر الأستاذ الجامعي أن «المولات» تتمتع بهيكل تنظيمي وإداري مركزي يسمح لها بتوقيع اتفاقيات موحدة مع البنوك وشركات الدفع الإلكتروني، مما يقلل تكاليف التعاقد ويسهل نشر أجهزة الدفع (POS) داخل جميع منافذها.

في المقابل، أوضح محمد أن المحلات التجارية الصغيرة تواجه تحديات تتعلق بالبنية التحتية، أو قد ترفض الدفع الإلكتروني لتجنب الضرائب أو لا تملك الحسابات المصرفية اللازمة، ونتيجة لذلك، تبدو “المولات” أكثر استعدادا لتكون القناة الرئيسية لاقتصاد النقد الرقمي.

أكثر من مجرد التسوق

ويشرح محمد سلوك المستهلكين بتحمل تكاليف النقل للوصول إلى «المول» من خلال مبدأ «اقتصاد السلة الواحدة»، حيث يجمع المستهلك بين عنصري الوقت وتكاليف النقل ضمن معادلة الشراء. إلا أن المستهلك يحقق التوفير الإجمالي بفضل انخفاض أسعار معظم السلع وتوافرها في مكان واحد، بالإضافة إلى تقليل الوقت والجهد المبذول في التنقل بين المتاجر.

«المولات» لا تبيع السلع فحسب، بل توفر تجربة حسية واجتماعية. وتهدف الإضاءة والموسيقى والتكييف والعروض المرئية إلى خلق بيئة محفزة للشراء المندفع، ليصبح التسوق وسيلة للترفيه، وليس مجرد تلبية الاحتياجات الأساسية، بحسب محمد.

رؤية تكاملية

وأوضح الأستاذ الجامعي عبد الرحمن محمد، أن صعود «المولات» وتراجع المحلات التجارية الصغيرة يعكس مرحلة من النضج الرأسمالي التجاري، حيث ينتقل السوق من التنافسية الاحتكارية إلى احتكار القلة، مما يزيد من كفاءة الأسعار على المدى القصير، لكنه قد يضعف المرونة الاقتصادية على المدى الطويل.

وأشار إلى أن التحدي الذي يواجه الاقتصاد السوري لا يتمثل في منع “المولات”، بل في إدارة التحول من خلال خلق رؤية متكاملة، مثل تحويل المحلات التجارية الصغيرة إلى وكلاء خدمات لـ”المولات” أو مراكز خدمية تقدم ما لا يقدمه “المول”.

وبرأي أكاديمي اقتصادي، أوضح محمد أن «المولات» التجارية تعكس ازدواجية واضحة في الاقتصاد المعاصر. فهي من ناحية تمثل قمة التنظيم الإداري وكفاءة التوزيع، وتخلق فرص عمل مستقرة نسبيا، وتحفز النشاط الاقتصادي من خلال تحويل الاستهلاك إلى تجربة ثقافية واجتماعية.

ومن ناحية أخرى، فهو يساهم في خلق اقتصاد هش قائم على الإغراءات والرغبات الجديدة، ويحتكر التدفقات النقدية على حساب التجارة التقليدية، مما يعرض شريحة واسعة من رؤوس الأموال المحلية الصغيرة لمخاطر وجودية.

وخلص محمد إلى أن «المول» الناجح في المستقبل هو الذي يستطيع تحقيق التوازن بين الربحية التجارية والمسؤولية الاجتماعية والاقتصادية تجاه العمال والتجار والمجتمع ككل.

#دمشق. #ما #أسباب #تغير #نمط #التسوق #في #حي #حاميش

دمشق.. ما أسباب تغير نمط التسوق في حي حاميش؟

– الدستور نيوز

عالم الأسرة – دمشق.. ما أسباب تغير نمط التسوق في حي حاميش؟

المصدر : www.enabbaladi.net

.