دستور نيوز
الرقة – أحمد الحمدي
يقف عدنان العبود (42 عاماً) كل صباح أمام خيمته المهترئة في مخيم “تل السمن” شمال الرقة، محدقاً في الأفق البعيد، وكأن من يبحث عن طريق ضائع يقوده إلى قريته التي تركها منذ عدة سنوات.
سبع سنوات مرت على خروج عدنان من منزله في خرجة الشيخ قادر شرق ناحية عين عيسى في الريف الشمالي لمحافظة الرقة، لكن تفاصيل الرحلة القاسية لا تزال حاضرة في ذاكرته، رحلة نزوح بدأت بخوف مفاجئ وانتهت بانتظار طويل لا يبدو أن له نهاية في الأفق.
يقول عدنان لعنب بلدي، إن خيمته لم تعد قادرة على مواجهة قسوة الفصول، كما لم تعد ذاكرته قادرة على تحمل ثقل السنين التي أبعدته عن أرضه.
ومع مئات العائلات النازحة، يجد عدنان نفسه عالقاً بين واقع المخيم القاسي، وأمل العودة الذي يصطدم بحقول الألغام التي خلفتها خطوط التماس.
ونزح عدنان مع مئات العوائل من القرى الواقعة على خطوط التماس بين “قوات سوريا الديمقراطية” و”الجيش الوطني السوري”، بعد انطلاق عملية “نبع السلام” في تشرين الأول 2019، والتي أتاحت لفصائل “الوطنية” السيطرة على مناطق رأس العين بريف محافظة الحسكة وتل أبيض بريف الرقة.
تحولت قرى ريف الرقة الشمالي إلى خطوط تماس بعد توقف تمدد “الجيش الوطني” في المنطقة، وأصبح الطريق الدولي “M4” خطاً فاصلاً بين المناطق الخاضعة لسيطرة كل من “الجيش الوطني” و”قسد”.
وتمركزت القوات الروسية في الجهة الشرقية من عين عيسى في قاعدة مستقلة، إضافة إلى توزع قوات النظام السابق على خطوط التماس مع “الجيش الوطني”. وتحولت خطوط التماس إلى مناطق اشتباكات مفتوحة شهدت مواجهات عدة بين “الجيش الوطني” و”قسد” خلال السنوات الماضية قبل أن تنسحب الأخيرة نحو محافظة الحسكة بعد عملية عسكرية واسعة شنها الجيش السوري.
وبحسب روايات النازحين فإن معظم القرى الواقعة على خطوط التماس لا تزال مهجورة حتى اليوم، وتحيط بها حقول الألغام والحواجز الترابية والخنادق العسكرية، مما يمنع الناس من العودة أو حتى الاقتراب من منازلهم، ما يجعل إزالة الألغام الشرط الأول لأي عودة آمنة.
ويؤكد النازحون أن قراهم وعشرات القرى المجاورة كانت بمثابة “خط نار” بين الطرفين، ما دفع مئات العائلات إلى النزوح نحو مخيم “تل السمن” الذي أنشأته “الإدارة الذاتية” إبان سيطرتها على المنطقة، والذي يضم اليوم نحو 500 عائلة.
وقالت زهرة أحمد، نازحة من قرية الصوافية شرق عين عيسى، إنها لم تر منزلها منذ سبع سنوات، بعد أن تركته تحت ضغط القصف، ومنذ ذلك الحين لم تتمكن حتى من تفقده، مضيفة أن قريتها اليوم محاطة بالألغام، ووقعت عدة حوادث انفجارات لأشخاص يحاولون الوصول إلى منازلهم أو مواشيهم.
ولخصت وضع الكثير من مهجري ريف تل أبيض بالقول، “الخوف من الألغام أصبح أكبر من الحنين إلى الأرض”.
سوء الأوضاع داخل المخيم
وفي مخيم “تل السمن” لا تتوقف المعاناة عند حدود النزوح الطويل، إذ يصف عدنان العبود وضع المخيم الذي يضم مئات العائلات، بـ”السيئ جداً”، في ظل غياب المنظمات الداعمة وافتقار المخيم لأبسط الخدمات الأساسية، فيما يضم المخيم آلاف النازحين غالبيتهم من النساء والأطفال وكبار السن.
وفي ظل هذه الظروف، نشأ جيل كامل من الأطفال داخل الخيام. بعضهم ولدوا بعد النزوح ولم يروا قريتهم قط. يركض الأطفال في أزقة المخيم المغبرة بين الخيام المهترئة، ويصنعون ألعابهم الخاصة من بقايا الصناديق البلاستيكية وقطع القماش، فيما تبدو الطفولة هنا مؤجلة ومثقلة بواقع النزوح.
وتقول الأمهات في المخيم إن أطفالهن كثيراً ما يسألون عن معنى “الوطن” و”القرية”، وهي كلمات يسمعونها في محادثات الكبار دون أن يختبروا تفاصيلها. وأصبح بعض الأطفال يعتبرون المخيم موطنهم الوحيد، بعد أن قضوا كل سنواتهم الأولى فيه.
وتشكو خولة العلي (34 عاماً)، نازحة من ريف تل أبيض، من صعوبة تأمين العمل، مشيرة إلى أن المساعدات الغذائية كانت “بسيطة وغير كافية”، قبل أن تتوقف تماماً منذ سيطرة الجيش السوري على المنطقة بأكملها.
وأشار خولة إلى أن سكان مخيم “تل السمن” كانوا يعتمدون على المساعدات الإنسانية التي تقدمها المنظمات غير الحكومية خلال السنوات الماضية، رغم ندرتها إلا أن انقطاعها زاد من معاناة النازحين.
ويؤكد النازحون أن أي حديث عن العودة يبقى مؤجلاً ما لم تتم إزالة الألغام وإزالة التحصينات العسكرية من قراهم، معتبرين أن هذا هو المفتاح الحقيقي للعودة الآمنة.
متعلق ب
إذا كنت تعتقد أن المقالة تحتوي على معلومات غير صحيحة أو لديك تفاصيل إضافية، أرسل لي تصحيحًا
إذا كنت تعتقد أن المقال ينتهك أي مبادئ أخلاقية أو معايير مهنية، قم بتقديم شكوى
#الرقة. #الألغام #تعيق #عودة #مهجري #تل #السمن
الرقة.. الألغام تعيق عودة مهجري “تل السمن”
– الدستور نيوز
عالم الأسرة – الرقة.. الألغام تعيق عودة مهجري “تل السمن”
المصدر : www.enabbaladi.net
