دستور نيوز
عنب بلدي – شعبان شامية
في الوقت الذي تتضارب وتتغير فيه نماذج التنبؤات الجوية أحياناً، وتتغير ملامح الطقس، يبقى سؤال واحد على شفاه الناس كلما اشتد الصقيع: متى سينتهي البرد؟ الجواب لا يكمن في أجهزة الرصد الحديثة فحسب، بل في تقويم عمره آلاف السنين، ورثناه عن أجدادنا في حضارات الشام.
التقت عنب بلدي مزارعين وأهالي قرى طرطوس وبانياس والقدموس في الريف الساحلي السوري. تحدثوا عن الأحوال الجوية والمناخية على طرقاتهم البدائية، ومعايير أسلافهم القدماء.
“أبو إبراهيم” (74 عامًا) من قرية العصيبة بريف بانياس، يبدأ حديثه لعنب بلدي بالقول، “في أيامنا كان الشتاء أشد صقيعًا وأمطارًا غزيرة، وكانت الحيوانات المفترسة مثل الضباع والخنازير البرية تهاجم المنازل نتيجة صعوبة المناخ”. وأضاف بلهجة أهل المنطقة: «كنا نحصد القمح وندرسه، ويبقى البيدر رطباً حتى في ذروة شهر حزيران».
تبدأ القصة بـ “الساحة”
ويروي لنا “أبو إبراهيم” قصة تقسيم الطقس بحسب نظرياتهم القديمة. ويقول إن «ساحة الشتاء» فترة زمنية تمتد لنحو 40 ليلة. ويستخدم في التقاليد الشعبية لتحديد ذروة موسم البرد الشديد، فهو بمثابة دليل زراعي ومناخي، وهو الوقت الأنسب لوصول الكتل الهوائية القطبية، بسبب استقرار الأنظمة الشتوية.
وارتبطت “المربع” في ذكريات وتجارب وأذهان أجدادنا بقدوم الأمطار الباردة والأشد غزارة على مدار العام، وهو ما يتفق مع العلم الحديث، إذ إن الزاوية التي تدور بها الأرض تزيد من عدد ونشاط المنخفضات الجوية التي تؤثر على منطقة الشام والجزيرة العربية خلال هذه الفترة.
وتبدأ “المربعانية” أو “أربعين الشتاء” في بلاد الشام ومعظم الدول العربية في 22 ديسمبر من كل عام، وتستمر لمدة 40 يومًا حتى نهاية يناير، بحسب “أبو إبراهيم” فيما يعرف باختصار بـ”الكوانين”.
وقال العم السبعيني إن “المربعانية” في الجزيرة العربية تأتي بعد موسم “الوسم”، ويختلف وقت دخولها من حساب إلى آخر، ولكنها تكون في العشرة أيام الأولى من شهر ديسمبر عند معظم أهل الصحراء في الجزيرة العربية وصحاري الشام والعراق.
وبحسب أبو إبراهيم فإن هذه الفترة تمثل 30-40% من إجمالي الموسم المطري.
ويعتبر يوم الانقلاب الشتوي بداية “الرباعي الشتوي” وهو بداية فصل الشتاء في النصف الشمالي من الكرة الأرضية وفقا للحسابات الفلكية، حيث تشهد مناطق شمال خط الاستواء أقصر نهار وأطول ليل في السنة، ثم بعد هذا اليوم يتناقص طول الليل ويزداد طول النهار تدريجيا، حيث تبدأ الشمس في الارتفاع شمالا في حركتها الظاهرية بعد وصولها إلى أقصى نقطة جنوبا في يوم الشتاء. الانقلاب.
ويوضح “أبو إبراهيم” أن “المربعانية” حسب رأي أجداده هي ثلاث نجوم متساوية الأيام. الأول هو “الإكليل”. يقول: «كنت أسمعهم يضربون المثل (إذا ظهر الإكليل غضبت الفحول، وتدحرجت ذيولها، وجرت السيول).» والثاني: «القلب»، وهو الذي فيه أطول ليل وأقصر نهار في السنة، «فإذا ارتفع القلب انقطعت الحلاوة، وتضايق أهل البادية». والثالث يسمى “الشعلة” وهو آخر يوم في السنة. “التربيعية”.
ومن الأمثال الشعبية التي قيلت في “المربانية”: “اللهم نجنا من بلاء المربعانية”، كناية عن دعاء للحماية من الأمراض والأسقام في فترة “المربعانية”، و”المربعانية يا مساح يا مختبئ”، و”المربعانية يا شمس”. الذي يحرق، أيها المطر الذي يغرق.”
“خمسينية الشتاء” و”السعودية”
“أبو حسن” (62 عامًا)، من قرى الشيخ بدر في ريف محافظة طرطوس، قال في حديثه لعنب بلدي، إن التراث الشعبي لم يترك حادثة أو مناسبة دون ربطها بقصة أو مثل تتناقله الأجيال. وكغيره من الأحداث والمناسبات، امتلأ فصل الشتاء بعدد كبير من القصص والأمثال، أهمها قصة «خمسينية الشتاء» و«السعودية».
وعن أصل اسم جماعة “السعود”، يقول “أبو حسن” إن قصص كبار السن تتحدث عن شخص يدعى “سعد” كان في طريقه للسفر، ونصحه والده بإحضار بعض الفراء والحطب لتجنب الطقس البارد المحتمل، لكنه لم يستمع لنصيحة والده، ظنًا منه أن الطقس لن يتغير كثيرًا خلال رحلته.
وما أن وصل سعد إلى منتصف الطريق حتى أصبحت السماء ملبدة بالغيوم، وهبت رياح باردة، وتساقطت الأمطار الغزيرة والثلوج. ولم يكن أمامه إلا أن يذبح ناقته، وهي كل ما يملك، ليحتمي بأحشائه من البرد القارس. وكان ذبح الجمل يسمى “سعد الذابح”. لكن بعد ذلك شعر سعد بالجوع ولم يجد أمامه سوى أحشاء البعير ولحمه ليأكله، فابتلعها و”يسعد بالبلع” كما تقول القصة عندما ابتلع. ولا تستقبل الأرض أي أمطار ولا تظهر برك على سطحها خلال هذه الفترة.
وبعد أن هدأت العاصفة وأشرقت الشمس، خرج «سعد» من مخبئه سعيدًا، حيث كتبت له الحياة من جديد «سعد السعود». وحرصاً على السير في طريقه دون عوائق، صنع معطفاً من جلد الإبل، واحتفظ بكمية من لحم الإبل المتبقي باستخدام طرق بدائية لحفظ الطعام الذي ورثه عن عائلته. كان ذلك “سعد الخبايا”، يختتم العم أبو حسن حديثه لعنب بلدي.
وفي الجغرافيا المناخية، تعود ظاهرة “السعود” إلى ما يعرف بـ”اليوم الخمسيني” الذي يبدأ في 1 فبراير من كل عام ويستمر 50 يوما، مقسمة إلى أربع فترات. «طول كل سعود 12.5 يومًا».
“السعود” في التراث الشعبي
وينتهي «سعد الذبَّاح» منتصف نهار 13 فبراير، وتقول الأمثال الشعبية عنه «سعد الذبَّاح، لا باب فتح، ولا كلب ينبح»، للدلالة على البرد الشديد خلال هذه الفترة، أي أنه حتى كلاب الشوارع تختبئ بحثاً عن الدفء.
أما «سعد بلعة» فيبدأ في النصف الثاني من 13 فبراير وينتهي في 25 «في سعد بلعة تسقط القطرة فتبلع». وفي هذه الفترة، مهما كثرت الأمطار، فإن الأرض تبتلع مياهها بسرعة لتهيئ الأرض للزراعة الصيفية. ويقال أيضاً: “سعد بلعة… لا زرع ولا اقتلاع”.
وفي «سعد السعود» الذي يبدأ في 26 فبراير وينتهي ظهراً في 10 مارس، قالوا «يدور ألمي مع العود.. ويدفئ كل شيء بارد»، والماء هو الروح والحياة، أي أنه خلال هذه الفترة يبدأ النسغ بالتدفق عبر جذوع الأشجار وأغصانها، كالدم الذي يتحرك في شرايين «سعد» بعد أن تجمد من البرد.
وبين «سعد السعود» و«سعد الخبايا» التي تليها، تأتي فترة «المستقرات» التي تستمر سبعة أيام، وهي الأيام الأربعة الأخيرة من شهر فبراير والأيام الثلاثة الأولى من شهر مارس.
أما «سعد الخبايا» الذي يبدأ ظهر يوم 10 مارس وينتهي في 22 مارس، فقال شيوخه «في سعد الخبايا تنبثق الحياة وتزهر البنات»، ومع نهايته تنتهي «السنة الخماسية»، ويبدأ الاعتدال الربيعي، وتخرج الزواحف المختبئة خلال فترة السبات الشتوي من جحورها، مثل الثعابين والعقارب.
وتشكل «خمسينيات الشتاء» عادة 38% من موسم الأمطار، و«الثلوج» كثيرة، بحسب مختصين، وأمطارها مهمة جداً للمحاصيل الصيفية ولمزارعي الزيتون والقمح والشعير.
“مستخرجو الروم”
السيدة “أم عمران” (78 عامًا) من قرية السميحقة بريف القدموس، تشرح لعنب بلدي حول الروايات الشعبية عما يعرف بأيام “مستوطنات الرومان”.
مع اقتراب نهاية شهر فبراير، غالبًا ما يبدأ الطقس بالتحول إلى الدفء، إذ تخرج امرأة عجوز من منزلها وتجلس في «الحكورة» (الحقل)، تحت أشعة الشمس، تغزل الصوف، مستمتعةً بالأجواء.
وبحسب القصة، قالت العجوز بشماتة: «ذهب شبات وألقى لنا المفك (عصا طويلة) خلفه». سمعها شبات فغضب من هذه الإهانة، وطلب المساعدة من ابن عمه أدار، وقال: “أدار ابن عمي، ثلاثة منكم وأربعة مني، دع عجلة الرجل العجوز تغني (العجلة المغزلية)”.
وكانت هناك سبعة أيام من الأمطار الغزيرة والبرد، بحسب القصة، مما أجبر المرأة العجوز على حرق كل الحطب الذي كان لديها للتدفئة. حتى أنها أشعلت مغزلها بحثًا عن الدفء. ولهذا كان المثل الشعبي: «ليس لك أرض تقف، ولا سفينة تطفو، إلا بعد مستوطنة الروم»، تقول «أم عمران».
«العجائز».. اسم آخر لـ«النازعات».
واتفق السيد “أبو حسن” والسيدة “أم عمران” على أن “المستقلات” تسمى أيضاً “أيام العجائز”، لأن بردها الشديد أودى بحياة العديد من كبار السن، حيث لم تكن وسائل التدفئة متوفرة كما هي اليوم، إضافة إلى انتشار الأوبئة والأمراض في ظل عدم وجود علاج فعال لها.
رأي علم الفلك والأرصاد الجوية
من جانبه، قال رئيس مركز التنبؤ المركزي في المديرية العامة للأرصاد الجوية السورية، شادي جاويش، لعنب بلدي، إنهم لا ينفون الانقسامات السائدة في الموروث الشعبي المتعلقة بالطقس والمناخ، لأنها نتيجة تجارب متتالية على مر السنين.
وأوضح جاويش أن الأرصاد الجوية تعتمد على القياس الدقيق وليس على التجارب، لافتا إلى أن بعض الممارسات قد تكون خاطئة، مثل ربط الرطوبة خلال أشهر الصيف بالهطول خلال الشتاء، مثل ما يعرف بـ”الابيات”.
بدوره، أوضح رئيس الجمعية الفلكية السورية، محمد العسيري، لعنب بلدي، أن “السعوديين” هم خمسة من أطوار القمر، وليسوا أبراجًا مستقلة بذاتها. وهي جزء من نظام أطوار القمر العربي القديم الذي يقسم مسار القمر إلى 28 مرحلة.
وبحسب العسيري، فإن «سعود» جميعها تقع فلكياً في نطاق كوكبة الدلو وجوارها المباشر، باستثناء اتصال «سعد الأخبية» بامتداد نجوم الدلو نحو برج الحوت، مشيراً إلى أنها ليست موزعة بين الجدي والدلو والحوت كما يقال شعبياً، بل أربعة منها في الدلو، وواحد في الجدي.
وعن رواية «السعودات»، أشار العسيري إلى أن هذه القصة رمزية وليست تاريخية، مؤكداً أنها تعبر عن تطور المناخ من أقسى الشتاء إلى أخفه، لافتاً إلى غياب السعد الخامس في القصة الشعبية (سعد الملك) إلى حد كبير، حيث استقر الطقس وأصبح الجو معتدلاً، وكأن «سعد» حكم الزمن، فلقب بـ «سعد الملك».
“السعودية” في علم الفناء
العسيري يؤكد أن «السعود» في التراث المناخي العربي لها دلالاتها:
- «سعد الذهبي»: غالباً من أبرد أيام السنة.
- «سعد بلعة»: المطر وامتلاء الأرض بالماء.
- «سعد السعود»: بداية دفء النهار.
- “سعد الاخباية”: نشاط الحشرات وخروج الحيوانات.
- «سعد الملك»: الاعتدال الواضح واقتراب الربيع.
وأشار العسيري إلى أن هناك مزارعين ورعاة يتحكمون في مواسم الزراعة والرعي تبعاً لذلك حتى اليوم.
المعلومات الفلكية الحديثة
- “سعد الملك” (ألفا الدلو) هو نجم عملاق أصفر يبعد عنا حوالي 760 سنة ضوئية.
- “سعد السعود” (بيتا الدلو) هو نجم عملاق أصفر لامع للغاية.
ولا تزال العديد من أسماء نجوم كوكبة الدلو عالميا عربية الأصل بسبب نقل التراث الفلكي العربي إلى أوروبا في العصور الوسطى، بحسب العسيري، ولهذا نجدها في الخرائط الفلكية الحديثة.
متعلق ب
#بين #المربعات #والمستخرجين #والسعود. #وراء #كل #ورقة #حكاية
بين “المربعات” و”المستخرجين” و”السعود”.. وراء كل ورقة حكاية
– الدستور نيوز
عالم الأسرة – بين “المربعات” و”المستخرجين” و”السعود”.. وراء كل ورقة حكاية
المصدر : www.enabbaladi.net
