.

عالم الأسرة – الأسواق الرمضانية السورية.. طقوس وهوية اجتماعية ثقافية

اخبار الأسره15 فبراير 2026
عالم الأسرة – الأسواق الرمضانية السورية.. طقوس وهوية اجتماعية ثقافية


دستور نيوز

عنب بلدي – محمد ديب بزت

مع اقتراب شهر رمضان، تتحول المدن السورية إلى مشهد يومي مختلف، حيث تعود الأسواق إلى الواجهة كمركز للحركة والذاكرة معًا. ومن دمشق إلى حلب واللاذقية، تمتزج روائح الحلويات والعصائر مع أصوات الباعة وازدحام المارة، فيما تستعد العائلات لموائد الإفطار بطقوس متوارثة تحمل خصوصية كل مدينة.

ولا يقتصر ذلك على التسوق فقط، بل يمتد ليعكس الروابط الاجتماعية والذاكرة الجماعية والمشاركة التي تتجاوز الانتماءات الدينية، وحتى حدود البلاد، حيث يستذكر المغتربون صور الأسواق السورية كأحد أبرز وجوه رمضان.

في هذه الأجواء، تبدو الأسواق السورية مكاناً يلتقي فيه التقليد بالهوية المحلية، حيث تعكس طقوس الإفطار والاستعدادات الرمضانية أصالة كل مدينة، وتحكي قصصاً من الحياة اليومية وتجارب السكان وأصحاب المتاجر، ليصبح رمضان مناسبة تتجاوز البيع والشراء، ويتحول إلى موسم فرح وذاكرة مشتركة.

وفي دمشق، تمتلئ الأسواق بالحلويات التقليدية مثل عصير “النعيم” و”الجلاب”، ويحرص الناس على شرائها لتحضير موائد الإفطار على الطريقة الدمشقية الأصيلة.

محمد علي، من حي ركن الدين، قال لعنب بلدي، إن التسوق الرمضاني لا يمكن اعتباره مجرد شراء مستلزمات الإفطار، بل أصبح طقسًا يوميًا يرافق الأهالي طوال الشهر.

وأضاف أن الأسواق تبدأ بالتحرك منذ الأيام الأولى، وتمتلئ «الأكشاك» بعصير النعام والجلاب، فيما تعيد الروائح ذكريات الطفولة.

ولقاء الجيران والأصدقاء في الأسواق جانب أساسي من أجواء الشهر، بحسب محمد، مؤكدا أنه حتى الزحام له طابع خاص في رمضان.

شعور بالمشاركة والفرح

وفي حلب، تعد الأسواق أصنافاً محلية خاصة، أبرزها “حلوى القطن” المحشوة بالفستق والجوز، إلى جانب “المروك”، وتزدحم الأرصفة بالرجال والنساء الذين يختارون ما يلزم لمائدة الإفطار.

وقال أحمد حنايا، أحد سكان حي صلاح الدين، إن “حلوى القطن” المحشوة بالفستق والجوز، و”المروك”، يشكلان جزءا من هوية المدينة الرمضانية، ولا تكتمل الأجواء بدونهما.

وأضاف أن مرافقة أطفاله إلى الأسواق قبل أذان المغرب تعيد له مشاهد طفولته في الأزقة القديمة، معتبرا أن هذه التفاصيل تساهم في ربط الأجيال ببعضها البعض وإحياء ذاكرة المكان عاما بعد عام.

محمد قمري، بائع في محل حلويات في حي الجميلية، قال لعنب بلدي، إن الاستعدادات للشهر تبدأ قبل نحو أسبوع، من خلال فرز أفضل أنواع الفستق والجوز وتحضير “المروق” و”حلوى القطن” بعناية.

ويبلغ الطلب ذروته قبل أذان المغرب بنصف ساعة تقريبا، عندما تمتلئ المحلات التجارية بالعائلات، وهذا الضغط، رغم صعوبته، يمنح العمال شعورا بالمشاركة في فرحة الناس، بحسب محمد.

وتحدث محمود دالاتي، صاحب محل «بسطة» للعصائر الرمضانية في حي صلاح الدين، عن تحضير علب «العرقسوس» و«التمر الهندي» التي تبدأ في الساعات الأولى من الصباح، لافتاً إلى أهمية خلط المكونات بعناية لضمان أفضل طعم.

ويتزايد الإقبال على “البسطة” بشكل كبير قبل أذان المغرب، بينما تتجول العائلات بين “البسطات” لاختيار العصير المفضل للأطفال والكبار على حد سواء، بحسب محمود، مؤكدا أن هذا المشهد يعكس فرحة رمضان المستمرة على مر السنين.

الروابط الاجتماعية

وتنتشر في اللاذقية عادة تناول “الخروب” خلال شهر رمضان، وهو عصير طبيعي شعبي يعتمد على نقع قطع “الخروب” المجففة. يؤكل أثناء الإفطار ويصنع منه عصيراً يروي الصائمين.

وقال سعيد جود، أحد سكان حي الشيخ ضاهر، إن رمضان في اللاذقية لا يقتصر على الصيام وتناول الوجبات فقط، بل يشكل مناسبة اجتماعية متكاملة تعكس الروابط بين سكان المدينة.

وأضاف أن المسلمين والمسيحيين على حد سواء يشاركون في إعداد موائد الإفطار وشراء الحلويات الرمضانية التقليدية مثل “المروق” و”العرقسوس” و”التمر الهندي”.

ولا تعكس هذه الممارسات طقوسًا يومية فحسب، بل هي جزء من ذاكرة المدينة وهويتها المحلية، إذ تتيح الفرصة للسكان للالتقاء وتبادل الأجواء الرمضانية بين الجيران والأصدقاء، وبالتالي زيادة الألفة والتواصل الاجتماعي مع اقتراب أذان المغرب.

الغربة والشوق إلى الأسواق

بالنسبة للعديد من السوريين المغتربين، يشكل شهر رمضان تجربة مختلفة تمامًا عن الواقع في المدن السورية، بعيدًا عن الأسواق المزدحمة والأكشاك والحركة اليومية، حيث تصبح طقوس رمضان أقل حيوية، مما يجعلهم يشعرون بالحنين إلى المدن والطرق التي عرفوها منذ الطفولة.

وأوضح محمد قلجي، أحد سكان مدينة حلب، والذي عاش تجربة المنفى في السودان، أن فرحة رمضان في سوريا تختلف عن تجربته في الخارج.

وقال إن رمضان في السودان يتضمن موائد الإفطار أمام المنازل وبعض العادات الشبيهة بما يعرفه السوريون، لكنه أشار إلى أن الحركة والازدحام في أسواق دمشق أو حلب قبل أذان المغرب، و”أكشاك الشوارع” المليئة بالحلويات والعصائر، والناس الذين يختارون احتياجاتهم بسرعة، كلها أشياء لا يمكن العثور عليها في أي مكان آخر.

الأجواء في الخارج أكثر هدوءاً، بينما في سوريا كل شيء نابض بالحياة، يعكس روح رمضان بكل تفاصيله.

مناسبة ثقافية واجتماعية

رمضان في سوريا ليس موسم صيام وعبادة فحسب، بل هو مناسبة ثقافية واجتماعية تتجاوز الانتماءات الدينية. وحتى المسيحيون في المناطق ذات الطابع الإسلامي يشاركون بنشاط في بعض تقاليد الإفطار، ويحرصون على شراء الحلويات المحلية وإعداد الموائد إلى جانب جيرانهم المسلمين.

وقالت ماريا حنا، من حي العزيزية بحلب، إن رمضان يمثل مناسبة اجتماعية شاملة تتجاوز الطابع الديني. وأوضحت خلال حديثها لعنب بلدي أن العديد من العائلات المسيحية تتشارك أجواء الشهر مع جيرانها من خلال شراء الحلويات الرمضانية وتبادل الأطباق.

وتعكس هذه المشاركة الترابط بين مكونات المدينة المختلفة، وتعزز الهوية المحلية المشتركة بين الأهالي.

الأسواق السورية، بكل بساطتها وفوضاها، تعكس سوريا الحقيقية. «الشوارع» المزدحمة، وأصناف الطعام، وأصوات الأطفال، ولحظات اللقاء العابرة بين الناس والحلويات، من «النعيم» في دمشق إلى «المروك» في حلب أو «الخرنوب» في اللاذقية، هي أكثر من مجرد طعام أو شراب، بل هي حكايات كل محافظة، وعطر كل بيت، وذاكرة كل مدينة.

#الأسواق #الرمضانية #السورية. #طقوس #وهوية #اجتماعية #ثقافية

الأسواق الرمضانية السورية.. طقوس وهوية اجتماعية ثقافية

– الدستور نيوز

عالم الأسرة – الأسواق الرمضانية السورية.. طقوس وهوية اجتماعية ثقافية

المصدر : www.enabbaladi.net

.