دستور نيوز
عنب بلدي – موفق الخوجة
في منزل غير مأهول في حي الشوربجي بمدينة داريا قرب العاصمة دمشق، انطلق العدد “صفر” من صحيفة عنب بلدي، في 29 كانون الثاني 2012، معلنا عن ميلاد إحدى أبرز وسائل الإعلام المحلية، التي بدأت رحلتها من هذه المدينة، ووصل صداها إلى كامل الجغرافيا السورية.
وبعد 14 عاماً، عادت الصحيفة إلى مسقط رأسها ومحل ميلادها، حاملة معها “عنب بلدي – داريا” وشبكة واسعة من المحررين والمراسلين في معظم المحافظات السورية، الذين ينقلون الأخبار، ويصوغون هموم السوريين، ويناقشون قضاياهم.
البداية
بدأت عنب بلدي مشوارها أواخر عام 2011، بعد أشهر من انطلاقة الثورة السورية، حيث كانت تلك الأحداث التي شهدتها البلاد هي مبرر إنشائها والسبب في إنشائها، في ظل القبضة الأمنية التي يمارسها النظام السابق على العمل الإعلامي، وشوق الناس لمعرفة ما يحدث حولهم.
وعلى هذا الأساس، تجمع نحو 25 ناشطاً وناشطة من مختلف قطاعات المدينة لبدء المسيرة السرية. ولم يكن اجتماعهم جسديا، بل على شكل مجموعات. كانوا يعرفون بعضهم البعض فقط في أضيق الدوائر. ثم انطلقت الدعوة العامة، من خلال فرق التحرير، وأخرى طبعت، وأخرى وزعت نسخًا في جميع أنحاء المدينة.
وعلى هذا الطريق استشهد عدد من كوادرها، ممهدين طريقاً ملطخاً بدمائهم، منهم محمد أنور قريطم، وأحمد خالد شحادة، ومحمد فارس شحادة، بالإضافة إلى نبيل وليد شربجي وأحمد وليد حلمي، اللذين استشهدا تحت التعذيب في سجون النظام.
وكان قريطم في مقر الصحيفة الذي دمرته غارة للطيران الحربي في 28 تشرين الثاني/نوفمبر 2012، بصاروخ يشتبه في أنه يحمل مواد كيميائية. ورحل معه المصور الميداني مروان شربجي والناشط عبد الرحيم شربجي.
عودة رمزية واستراتيجية
تحمل عودة عنب بلدي إلى مدينة داريا، التي انطلقت منها، بعدًا رمزيًا، حيث قامت إدارة الصحيفة بتأهيل المكان المدمر الذي ولدت فيه، بالقرب من المركز الثقافي في المدينة، وتجديد المكان ليصبح جاهزًا لبث أخبار المدينة ومحيطها، بالإضافة إلى إدارة تغطية الأحداث في عموم سوريا، من خلال فريق من الصحفيين والفنيين، غالبيتهم تلقوا تدريبات داخل المؤسسة وواصلوا عملهم فيها، وآخرون التحقوا بالصحيفة بخبرات عملية سابقة. تجربة.
وعادت بمجموعة برامج وأقسام أطلقتها “عنب بلدي – داريا”، منها “صوت الناس” وهو مرصد للشكاوى والملاحظات المجتمعية، بالإضافة إلى قسم “ذاكرة البلد” الذي يعمل على جمع ذاكرة المدينة وتوثيقها، وحفظ قصصها الإنسانية وأحداثها المحورية وشخصياتها وأماكنها.
وبالإضافة إلى الكلمة، ستوثق “عنب بلدي – داريا” بـ”الصور والفيديو” مشاهد يومية من المدينة عبر عدساتها.
وعن عودتها إلى داريا، اعتبر رئيس تحرير عنب بلدي، جواد شربجي، هذه الخطوة بمثابة “صحوة متأخرة”، جاءت بعد عام من سقوط النظام وانتقال الصحيفة للعمل من دمشق، اكتشف خلالها أن ضواحي العاصمة، التي دفعت “الثمن الأكبر للتغيير” في سوريا، مهملة إعلاميًا، ولم تحظى بتغطية إعلامية عادلة.
واعتبر الصحفي خالد الجراتلي الذي تدرب في عنب بلدي ثم عمل في تلفزيون سوريا، أن عودة الصحيفة إلى داريا ستضع المدينة تحت الأضواء من جديد، للتركيز على قضاياها الثقافية والخدمية، بعد اختفاء أخبارها من الواجهة الإعلامية، إثر التسوية التي أجراها النظام مع المدينة عام 2016.
وقالت نوران السمان، الصحافية التي تدربت في عنب بلدي ثم انتقلت إلى قناة العربي، إن هذه الخطوة تعيد الصحيفة إلى بيئتها الأصلية، وتجعلها أقرب إلى الناس وقضاياهم اليومية، وأكثر تفاعلاً مع المشاكل المحلية. كما يساهم وجودها في المنطقة في تعزيز مصداقيتها وحضورها الميداني، خاصة بعد سقوط النظام.
وترى نوران، التي عملت سابقًا في عنب بلدي، أن أداء التنظيم تحسن بشكل ملحوظ بعد انتقاله إلى الداخل، خاصة إلى داريا التي تعتبر مهد انطلاقته منذ بداية الثورة.
من دمشق إلى داريا
وأوضح رئيس التحرير جواد شربجي، أن عنب بلدي عادت من منفاها إلى سوريا بعد أسبوعين من سقوط نظام الأسد، أواخر عام 2024، واتخذت مقرها في دمشق، على أطراف الممر الجنوبي للمزة، المطل على مدخل داريا.
وبالتزامن مع عملها في مكتب دمشق، بدأت المؤسسة بترميم المنزل المدمر الذي انطلقت منه الجريدة في داريا، ليصبح مقرًا رمزيًا لعنب بلدي في مكان ميلادها الأصلي.
وأشار شربجي إلى أن نقل أعمال عنب بلدي بالكامل إلى داريا لا يعني حصرها في المدينة، إذ لا تزال الصحيفة تقدم تغطية إخبارية على مدار الساعة من عموم سوريا، كما تواصل توسيع شبكتها من المحررين والمراسلين في كافة المحافظات.
العمل في الميدان
وغادرت عنب بلدي داريا للمرة الأولى أواخر عام 2012، حيث حوصرت المدينة واشتدت الحصار، واستقر جزء من فريقها في لبنان، قبل أن تنتقل الصحيفة إلى إسطنبول مطلع عام 2014 وتؤسس أول مكتب لها هناك.
وفي تركيا، وسّعت عنب بلدي شبكة مراسليها في سوريا، وبنت غرفة أخبار احترافية، وأطلقت برامج تدريبية رفيعة المستوى، تخرّج منها العشرات من الصحافيين، عمل قسم كبير منهم لاحقًا في الصحيفة، وآخرون انتشروا في معظم وسائل الإعلام السورية والعربية.
ومع عودتها مجددًا إلى سوريا، يرى الصحفيون الذين التقتهم عنب بلدي أن عمل الصحفي داخل البلاد يجعله أقرب إلى المجتمع، ومطلعًا بشكل مباشر على هموم الناس.
وبحسب نوران السمان فإن الصحافيين خارج سوريا يواجهون صعوبات كبيرة في الوصول إلى المصادر والاطلاع على الواقع الميداني.
وفي الداخل، يستمتع الصحفي بالتواجد على الأرض والتفاعل المباشر مع الناس، مما يساعد على نقل المعلومات بشكل أكثر دقة وواقعية، بحسب ما أضافت نوران.
ويتفق خالد الجراتلي مع نوران، مؤكدا أن الصحفي على الأرض على احتكاك مباشر مع المجتمع والسلطة، بما فيهما من سلبيات وإيجابيات.
مشيراً إلى أن الصحفي يشعر بقيمة المادة الصحفية التي يعمل بها ويشعر بأثرها مهما كان موضوعها.
من «مارس» إلى العمل الصحفي
نوران السمان وخالد الجراتلي، الذين التقتهم عنب بلدي لإعداد هذا التقرير، هما من بين عشرات الصحفيين الذين خاضوا برنامج “أفراس” التدريبي، ومن ثم خاضوا تجربة العمل الصحفي.
“المريخ” هو برنامج تدريبي أطلقته عنب بلدي عام 2018، ومن خلال 20 دورة تدريبية حتى الآن، تخرج أكثر من 200 متدرب ومتدربة في تركيا وسوريا، انتقل معظمهم إلى العمل الإعلامي، سواء في عنب بلدي نفسها أو في مؤسسات إعلامية سورية ودولية.
من جانبها، كانت عنب بلدي نقطة الانطلاق لدخول نوران إلى عالم الصحافة، بدءًا من برنامج “المريخ”، حيث تلقت التدريب تحت إشراف أساتذة “محترفين”، قالت إنها تعلمت منهم الكثير.
وأضافت نوران أن البرنامج كان تجربة “مميزة” خاصة للسوريين خارج البلاد، وساهم في تطوير مهاراتهم المهنية، معربة عن سعادتها باستمرار البرنامج داخل سوريا بعد سقوط النظام، ليمنح خريجي الصحافة فرصة حقيقية للعمل والتطور.
أما عملها في قسم التحرير فكان له قيمة مضافة هامة لمسيرتها المهنية، حيث اكتسبت خبرة كبيرة من خلال المشاركة في اللقاءات التحريرية اليومية والتعامل المباشر مع مدراء التحرير، مما عزز فهمها لآليات العمل الصحفي وساهم في صقل مهاراتها.
ويعتبر خالد الجراتلي عنب بلدي “مدرسة” تتيح للصحفي، وخاصة المتنقل بين المؤسسات الإعلامية السورية، أن يضيف إليها أكثر مما يأخذ منها.
متعلق ب
#داريا. #عنب #بلدي #تعود #إلى #مسقط #رأسها
داريا.. “عنب بلدي” تعود إلى مسقط رأسها
– الدستور نيوز
عالم الأسرة – داريا.. “عنب بلدي” تعود إلى مسقط رأسها
المصدر : www.enabbaladi.net
