.

عالم الأسرة – أعياد وطقوس ذات أبعاد ثقافية ودينية في الساحل السوري

اخبار الأسره31 يناير 2026
عالم الأسرة – أعياد وطقوس ذات أبعاد ثقافية ودينية في الساحل السوري


دستور نيوز

عنب بلدي – شعبان شامية

تزخر المنطقة الساحلية السورية بالأعياد والمناسبات الشعبية التقليدية، وتتميز بخصوصية ثقافية تجمع بين الطقوس الدينية والتراث الاجتماعي المتأصل في الطبيعة، إذ تتقاطع مع التراث الديني (المسيحي والإسلامي) والتقاليد القديمة التي تعكس ارتباط الإنسان السوري بالطبيعة وتجدد فصولها.

تبدأ الأعياد الاجتماعية في الساحل السوري بعيد “البربارة”، تليها أعياد أخرى: “البشارة” المقترن بميلاد السيد المسيح، ثم عيد “الحبيبة” وصولاً إلى “القوزلي” و”القداس”، حيث يمثل “القوزلي” (الغريغوري) رأس السنة حسب التقويم الشرقي، ويوافق 13 كانون الثاني/يناير من كل عام.

بداية القصة من “باربرا”

قرى الساحل السوري تحتفل بـ”البربارة” بطقوس تختلف بعض الشيء عن المعتاد. صباح 16 كانون الأول/ديسمبر، تزور النيران منازل الأمهات لطهي طعام “الهريسة” أو “القمح”، المكون من القمح المقشر والدجاج المحلي أو “الحبش”، ويجب قليه بالسمن المحلي، وسر نجاح الطبق، كما يؤكد “أبو علاء”، يكمن في “تحريكه بقوة”.

طقوس “الهريسة” التي لا تزال حاضرة في معظم مناطق الساحل السوري، ترافقها طقوس تبدو أكثر جمالية، وهي التنافس على إشعال النيران مع بقية أحياء القرية، والذي تبقى ناره مشتعلة أطول فترة من الزمن هو الذي ينتصر، “لكن السماء دائماً هي الغالبة”، يقول “أبو علاء” من قرية بلوزة بريف بانياس، في إشارة إلى الأمطار الغزيرة التي غالباً ما تتزامن مع هذه المناسبات.

وارتبطت بهذه المناسبة الاجتماعية العديد من الأمثال الشعبية، منها: “في يوم البربارة ينسكب الماء من كأس الفأرة” في إشارة إلى كثرة المطر، و”إذا لم ترَ الأرض في يوم البربارة.. رد قمحك إلى الكوارة” أي وعاء القمح.

و”بعد عيد البربارة تطول الأيام”، إذ من المعروف أن أقصر أيام السنة هي في النصف الأول من شهر ديسمبر، الذي يقع فيه عيد البربارة، ويعتقد الناس بالملاحظة أن الأيام ستزداد قليلا ابتداء من يوم 16 ديسمبر.

وإلى جانب الأمثال الشعبية، هناك العديد من الأغاني التي تتناقلها الفتيات احتفالا بالقديسة بربارة والمرتبطة بهذه المناسبة، منها “هاشيلا بربارة مع بنات الحي” والتي غنت إحداها الفنانة الراحلة صباح، وأغنية “كان يا مكان.. كان يا مكان.. بنت اسمها بربارة.. ممتلئة إيمان”.

عيد القديسة بربارة هو عيد مسيحي، لكنه تحول إلى عيد محلي في الساحل السوري، تحتفل به مختلف الديانات، كما تحتفل به الطوائف المسيحية المختلفة، مع بعض الاختلافات في الأيام. ويحتفل به البعض في 4 ديسمبر، والبعض الآخر في 16 أو 17 من نفس الشهر.

الباحث في التراث الشعبي حيدر نعيسة، أوضح لعنب بلدي أن “البربارة” في الساحل السوري هي مناسبة الشتاء الأولى، وهو احتفال شعبي يتم فيه إحياء ذكرى القديسة بربارة، مشيرًا إلى أن هذه المناسبة تقع في 17 كانون الأول حسب التقويم الغريغوري الغربي، الذي يوافق 3 كانون الأول في التقويم الشرقي.

وتأتي الاحتفالات في مناسبات متتالية، تبدأ من يوم “البربارة” حتى يوم “القداس”، الذي يصادف يوم 19 يناير غربًا، الموافق 6 يناير شرقًا، بحسب نعيسة. فإذا مثلاً، إذا صادف يوم الأربعاء تذكار “البربارة”، فإن المناسبات التالية جميعها تقع في يوم أربعاء أيضاً، مع فارق أسبوع بين كل مناسبة.

ويوضح نعيسة أن أهالي الساحل غير المسيحيين يحتفلون بـ”البربارة” من خلال إعداد طبق “الهريسة” التقليدي الذي يعتمد بشكل أساسي على القمح المقشر. وأوضح أن إطعام الجيران بها ونثر حباتها في مجاري المياه ليتدفق الخير والمواسم كالماء، وكذلك نثرها للدجاج وإطعام الحيوانات منها، ليتقاسم الأهل وجيرانهم ومواشيهم الطعام، وهو ما يعتبر من أبرز شعائر هذه المناسبة.

“الخبر السار” و”الجميل”

يمنى (62 عامًا)، من منطقة الخراب بريف محافظة طرطوس، قالت لعنب بلدي إن أهالي الساحل السوري يحتفلون بعيد “البشارة” من خلال تقاليد وعادات مميزة تجمع الطوائف على المحبة، أبرزها تحضير “كبيبات السلق” التي تحمل نكهة خاصة من المطبخ السوري التقليدي.

وهذه المناسبة ليست مجرد طقوس دينية، بحسب السيدة الستينية، بل هي فرصة لتعزيز الروابط الاجتماعية بين العلويين والمسيحيين، لافتة إلى أن عيد “البشارة” يحمل معاني دينية عميقة، إذ يذكّر بإعلان الملك جبرائيل للسيدة العذراء مريم ميلاد يسوع المسيح، ويأتي قبيل رأس السنة الميلادية.

وأوضحت يمنى أن “الكبة بالسلق” هي أكلة شتوية تقليدية من الريف الساحلي، وخاصة ريف بانياس وجبلة. وهي تختلف عن “الكبة” التقليدية إلى حد كبير، حيث يتم تحضيرها من البرغل الناعم المحشو بالسلق المقلي مع البصل وزيت الزيتون. ويتم سلقه بدلًا من المقلية أو المشوية، ويقدم مع “الصلصة” الخاصة به والتي تحتوي على زيت الزيتون والثوم ودبس الفلفل الحار وعصير الليمون.

ومن الطقوس التي يتبعها بعض الأشخاص المرتبطين بعيد “البشارة”، وضع حبة الحمص رمز “السعادة”، وحبة الفول رمز “سوء الحظ”. ويعتقد أن من يحصل على حمص ستكون بشرى سارة له في العام الجديد، في حين يُطلب من من يحصل على حبة فول أن يكون حذرا، لكن هذا ليس أكثر من تقليد شعبي للتسلية والتسلية.

وأضافت يمنى أن أهالي الساحل السوري اعتادوا الاحتفال بعيد “الحلو” بحسب اللهجة المحلية، في الأسبوع الثالث بعد عيدي “البربارة” و”البشارة”، مشيرة إلى أن هناك أنواعاً من الحلويات المتوارثة في الجبال الساحلية لهذه المناسبة، مثل الحلاوة الطحينية المهروسة والدبس والثلج والهريسة والعومة.

وأشار حيدر نعيسة، الباحث في التراث الشعبي، إلى أن “الحلويات” (البشارة والحلوى) تختلف عن “البربرة”، حيث تعتمد على الدقيق والحليب والبرغل والزيت، وخاصة “الزليبة” وهي أقراص محشوة باللحم والسلق والبصل والبهارات.

ويستحب أن يحتفل به الجميع، بحسب نعيسة، إلى حد القول إن «الحلوة الأخيرة» تسمى «الحلو الفارغ»، وتدعو من لا يحتفل به بقوله: «اللهم أفرغ البيت الذي خالي مني»!

وأضاف نعيسة أنه بعد “الحلويات” يأتي عيد ميلاد السيد المسيح، حيث تقام الصلوات في كنائس المسيحيين، وفي بيوت سائر أهل الساحل، كما يحتفل به أهل الريف الساحلي، وفيه يتم طحن البرغل مع اللحم والزيت، ويؤكل ويوزع ويصلى عليه للقبول.

«القوزلي».. احتفالاً برأس السنة الشرقية

ومهما تدهور الوضع الاقتصادي، لا بد من تجمع جميل للعائلة للاحتفال برأس السنة الشرقية أو “القوزلي” وممارسة طقوسها المميزة، كما يفعل معظم سكان جبال وريف الساحل السوري منذ مئات السنين، في 13 كانون الثاني/يناير من كل عام، أي 13 يوماً خلف التقويم الغريغوري الغربي.

فريدة (50 عامًا) من قرية طنيتا بريف بانياس، تقول لعنب بلدي، إنه يتم في هذه المناسبة تحضير نوع من الخبز المختلط (عدة طبقات) يسمى “الميليدي” أو “الفطير”، يتكون من الدقيق وزيت الزيتون والسمسم، وأحيانًا تضاف إليه الحبة السوداء أو أعشاب أخرى، حيث يتم خبزه ولصقه على جدران الفرن.

وأضافت أن الاحتفال بـ”القوزلي” (الميليدي) يعتمد على اللحوم الحمراء كمكون أساسي، ويختلف نوع اللحوم من منزل إلى آخر حسب عدد أهله وظروفهم المعيشية. فمنهم من يذبح شاة، ومنهم من يحتاج إلى عجل حتى تكتمل مائدته. وقد تغير هذا الأمر جذرياً منذ سنوات طويلة مع بدء الحرب السورية، لدرجة أن من يستمتع بكيلو لحم في هذا اليوم أصبح “بيته في رأس القلعة”، على حد وصفها.

“القوزلة” اسم مشتق من الفعل الآشوري “قزال” ويعني إشعال النار، بحسب كتاب “اللاذقية، حضارة البحر الأبيض المتوسط ​​الأولى”. بشكل عام، يتم استخدامها باسم “القوزل”، وتعني المشاركة في الاحتفال بمناسبة “القوزلة”. وتعني أيضًا “قوزي زلبا”، و”قوزي” لحم ضأن، و”زلبا” لحم عجين محشي ومقلي.

“بعد العيد لا كعك”، “بين القوزلي والقداس لن يُداس بيت الفلاح”، وغيرها الكثير من الأمثال الشعبية في الساحل السوري المرتبطة بإحياء “القوزلي” أو الاحتفال برأس السنة بحسب التقويم الشرقي.

ويحتفل بـ”القوزلي” حتى يومنا هذا في العديد من قرى الساحل السوري، مثل عرامو ودمسرخو وكرسانة وجناتا وقرى بانياس وجبلة، كما يحتفل به بعض أهالي الداخل والسهل والجبل.

“أبو محمد” (65 عامًا)، من قرية دمسرخو على أطراف مدينة اللاذقية، قال لعنب بلدي إن عيد “القداس” في الساحل السوري طقس اجتماعي قديم له دلالات دينية، عاشه منذ طفولته، مؤكدًا أنه يشبه عيد “الغطاس” عند المسيحيين من حيث الماء والتطهير.

وأضاف “أبو محمد” أن الأهالي اعتادوا في هذا اليوم أن يستيقظوا باكراً ويذهبوا مع أطفالهم إلى النبع أو الساقية، فالمياه باردة جداً بحيث لا يمكن الغوص فيها، مشيراً إلى معتقداتهم في نقاء وبركة مياه “القداس” ودلالاتها المرتبطة بالبدايات الجديدة.

وتحدث «أبو محمد» عن تراجع هذه الشعيرة اليوم إلى حد كبير، إلا أن بعض الأهالي، القليل منهم، ما زالوا يحافظون عليها باستخدام ماء «الصنبور» بشرط أن يكون بارداً، لافتاً إلى أن المناسبة لا تقتصر على الغطس في الماء البارد، بل هو يوم صلاة وجمعة ومصالحة بين الناس، إضافة إلى «أعياد العيد» للأطفال.

وأشار “أبو محمد” إلى أنه لا يزال يمارس هذه الشعيرة في منزله حتى اليوم، حيث يقوم بوضع غصن زيتون على باب المنزل. كما يقوم بعض الناس بوضع الريحان أو أغصان الزيتون في أوعية من الماء البارد ليلاً قبل أن يغتسلوا وينغمسوا بها في الصباح لما لهذه الأشجار من دلالات مباركة.

وعيد “القداس” تاريخيا من الطقوس الكنعانية الفينيقية التي كان يحتفل بها قبل انتشار المسيحية. وهو عيد مرتبط بالطبيعة السورية، وخاصة المياه، كمصدر للخصوبة ورمز للحياة. أدخلها المسيحيون في عقيدتهم وحافظوا عليها، إذ إن “المعمودية” واجب ديني، من أساسيات الديانة المسيحية، مصحوبة بطقوس الصلاة. كما تم الاحتفال به في الساحل السوري مع انتشار الإسلام بعد أن أضيفت إليه بعض الشعائر.

وأبرز المناسبات، بحسب الباحث في التراث الشعبي، هي “القوزلة” أو رأس السنة الشرقية، والتي يتم الاحتفال بها بإشعال النيران في أكوام من الحطب لحظة غروب الشمس أو عند ظهور الشمس وهي تغوص في البحر، إحياء لذكرى نجاة إبراهيم عليه السلام من نار النمرود بن كنعان والنرجس من رمادها.

ثم تقوم كل عائلة في السابق بذبح طفل أو خروف، وقد تراجع ذلك إلى حد كبير بسبب الظروف الاقتصادية، وتقام رقصات شعبية حول النيران ويتم ترديد الأهازيج والأهازيج. وفي اليوم التالي، قبل شروق الشمس، يزور الجميع القبور ويقرأون الفاتحة، وكلمة الترحيب المستخدمة في هذه المناسبة هي “عيد مبارك عليك”. وتابع نعيسة: “يتبادل الناس الزيارات، ويتصالحون، وتقام السهرات، وتستمر الاجتماعات لمدة ستة أيام، وتنتهي بـ”القداس”.

ويرتبط عيد “القداس” في الساحل السوري، بحسب نعيسة، بإحياء ذكرى معمودية السيد المسيح عليه السلام في مياه نهر الأردن على يد النبي يحيى عليه السلام.

ويأتي “القزلي” في منتصف فصل الشتاء بعد مرور 20 يومًا على بدايته، فيتبقى 20 يومًا على انتهائه ويأتي دور “السعوديين” الأربعة، كل منها يستمر 12 يومًا ونصف حتى الظهر، وعندما تكتمل (50 يومًا) بالأربعينية ينتهي الشتاء ويأتي الربيع، حيث الضوء والدفء والخضرة والحياة، واختتم الباحث في التراث الشعبي حيدر نعيسى حديثه لعنب بلدي.

#أعياد #وطقوس #ذات #أبعاد #ثقافية #ودينية #في #الساحل #السوري

أعياد وطقوس ذات أبعاد ثقافية ودينية في الساحل السوري

– الدستور نيوز

عالم الأسرة – أعياد وطقوس ذات أبعاد ثقافية ودينية في الساحل السوري

المصدر : www.enabbaladi.net

.