.

عالم الأسرة – من منظور نفسي اجتماعي مقاربة للحالة السورية.. ما دور الأسرة في تربية الأبناء لتحليل المحتوى؟

اخبار الأسره30 يناير 2026
عالم الأسرة – من منظور نفسي اجتماعي مقاربة للحالة السورية.. ما دور الأسرة في تربية الأبناء لتحليل المحتوى؟


دستور نيوز

عنب بلدي – شعبان شامية

في ظل الانفجار الرقمي وتسارع تدفق المحتوى الإعلامي، لم تعد عملية التنشئة النفسية والاجتماعية للأطفال مقتصرة على الأسرة والمدرسة. بل أصبحت الشاشات بأشكالها المختلفة شريكًا أساسيًا في تشكيل الوعي والهوية والانتماء.

وفي الحالة السورية، تتفاقم خطورة هذا الواقع بسبب الاستقطاب السياسي والطائفي الحاد، والإرث “المؤلم” للحرب، وتراجع المؤسسات التعليمية، والغياب شبه الكامل للرقابة الفعالة على المحتوى. وهنا تبرز الأسرة ليس فقط كحاضنة عاطفية، بل كخط الدفاع الأول عن الصحة النفسية والفكرية للأطفال.

وفي حديث إلى عنب بلدي، يرى الباحث الأكاديمي المتخصص في التعليم والسكان والتنمية، الدكتور ياسر محمد علوش، أن دور الأسرة لم يعد يقتصر على الرعاية الجسدية أو التوجيه المعنوي فقط، بل يشمل أيضًا إعداد الأبناء لمواجهة التحديات الفكرية والإعلامية التي تفرضها البيئة الحديثة.

ويشير الأخصائي التربوي إلى أن الطفل الذي ينشأ في منزل واعي يتعلم منذ الصغر طرح الأسئلة، والتفريق بين المعلومات الصحيحة والمضللة، ووزن ما يقدم له على ميزان العقل والقيم.

المهام العائلية

وتعدد الباحثة في التربية والسكان والتنمية المهام الأسرية الأساسية التي تساهم بشكل كبير في مساعدة الأطفال على تحليل المحتوى:

  • الأسرة قدوة حسنة: يتعلم الطفل من خلال السلوك أكثر من الكلام. وعندما يرى والديه يتعاملان مع الأخبار والمحتوى الرقمي بعقلانية، يتعلم أن التسرع في إصدار الأحكام خطأ وأن التحقق من المصدر قيمة أساسية. بالإضافة إلى أهمية ممارسة النقد بوعي أمام الأطفال، والمشاركة مع الأطفال في اختيار البرامج أو الصفحات التي يتابعونها.
  • تعزيز الحوار والتفكير النقدي: التفكير النقدي لا يبنى بالتحريم أو التلقين، بل بالمناقشة الحرة التي تعلم الطفل أن يسأل: “من كتب هذا؟ ولماذا؟” يفتح الحوار العائلي الطريق أمام الأطفال لاختبار أفكارهم. مثال: جلسة مسائية في منزل يناقش فيها الأب مع أولاده مقطعاً متداولاً على الفيسبوك، فيسألهم: “هل هذا منطقي؟ ما الهدف من نشره؟”

علوش يروي موقفا حياتيا: طفل يروي قصة شاهدها على اليوتيوب، فيسأله والده: “من يملك القناة؟ هدفه التعليم أم الترفيه؟”

  • توجيه الاستخدام الرقمي: أصبحت الأجهزة الرقمية جزءاً من حياة الأطفال، إلا أن دور الأسرة يتمثل في تحويلها من أداة استهلاك إلى أداة تعليمية.

الإرشاد، بحسب علوش، يعني الموازنة بين الترفيه والمعرفة. مثال: أم تضع جدولاً لاستخدام الهاتف: ساعتين للترفيه، وساعة لمشاهدة قناة تعليمية، وتشرح لابنها أن الهدف هو أن يستفيد من التكنولوجيا وليس أن تسيطر عليه.
وضعي في الحياة: أب يشجع ابنته على متابعة منصة تعليمية للعلوم بدلاً من قضاء ساعات في الألعاب.

  • بناء شخصية متكاملة: تحليل المحتوى ليس مجرد مهارة عقلية، كما يوضح الأخصائي التربوي، بل يرتبط بتكوين شخصية متوازنة تحمل القيم الأخلاقية والاجتماعية. الطفل الذي يتعلم الصدق والاحترام يصبح قادراً على رفض الشائعات والأخبار الكاذبة.

وبحسب علوش، عندما تدرك الأسرة أن التعليم لم يعد مجرد تلقين، بل إعداد جيل قادر على التفكير النقدي والتمييز بين الحق والباطل، تصبح قادرة على تحويل التحديات إلى فرص، والمخاطر إلى دروس، والمحتوى العابر إلى تجربة واعية.

لذا فإن الاستثمار في دور الأسرة هو استثمار في مستقبل المجتمع بأكمله، فالأطفال ينشأون على وعي يحميهم، وقيم ترتقي بهم، وشخصية متوازنة تجعلهم بناة المستقبل، وليس سجناء الماضي، كما يختتم الباحث الأكاديمي المتخصص في التعليم والسكان والتنمية، لعنب بلدي.

المنظور النفسي

من جانبها، قالت المستشارة النفسية الأسرية، الدكتورة هبة كمال العرنوس، لعنب بلدي، إن دور الأسرة من الناحية النفسية ليس الوقاية أو العزل، بل:

  • تنمية التفكير النقدي: مساعدة الأطفال والمراهقين على التمييز بين الرأي والمعلومات، والأخبار والدعاية، والعاطفة والحقيقة.
  • تنظيم الاستجابة العاطفية: الكثير من المحتوى المتداول في السياق السوري محمل بالخوف أو الغضب أو الكراهية أو مشاعر التهديد، لافتاً إلى أن دور الأسرة هو احتواء العاطفة وتسميتها ومناقشتها بدلاً من كبتها أو المبالغة فيها.
  • بناء نظام قيم داخلي: عندما تكون القيم واضحة (العدالة، الكرامة، التنوع، المسؤولية)، يصبح الابن أقل عرضة للانجرار إلى خطاب الكراهية أو التطرف.

هل العائلة السورية مؤهلة؟

ويجيب العرنوس أن الإجابة المهنية الصادقة على هذا السؤال هي: «جزئياً» و«غير كاف في الغالب»، وذلك لمجموعة أسباب:

  • الضغوط النفسية المزمنة لدى الوالدين (القلق، الصدمات غير المعالجة، ضغوط المعيشة).
  • فجوة الجيل الرقمي.
  • تسييس الوعي الجمعي، حتى داخل الأسرة الواحدة.
  • وينتقل الآباء أنفسهم من دور “المحلل” إلى دور “المتلقي السلبي”.

وهذا لا يعني أن الأسرة فشلت، بل يعني أنها بحاجة إلى الدعم والتأهيل، وليس الإدانة، كما يقول المستشار النفسي الأسري.

التأهيل النفسي قبل التربوي

وتؤكد العرنوس أنه لا يمكن للأهل الذين يعيشون في حالة خوف أو غضب دائمة أن يربوا أطفالهم على التفكير بهدوء، وتنصح:

  • جلسات دعم نفسي جماعية.
  • برامج التوعية حول الصدمات عبر الأجيال.
  • كسر فكرة أن “التسامح” بديل للعلاج.

التوعية الإعلامية العائلية

وتتحدث الاستشارة عن أهمية عقد ورش عمل مبسطة لتكوين هذا الوعي حول:

  • كيف يتم صناعة الأخبار؟
  • ما هو المحتوى المستهدف؟
  • كيف تعمل الخوارزميات؟

إعادة تعريف النظام الأبوي

ويقول العرنوس إنه لا بد من الانتقال من قوة النهي إلى قوة الحوار، ومن الترهيب إلى البيان، ومن السيطرة إلى التوجيه.

خطوات وإجراءات الرقابة الواقعية داخل الأسرة

  • وضع قواعد واضحة ومعلنة لاستخدام الأجهزة.
  • تخصيص وقت للعائلة بدون شاشات.
  • استخدم أدوات المراقبة الفنية كوسيلة مساعدة، وليس كحل وحيد.
  • مراقبة التغيرات السلوكية والانفعالية (الانسحاب، العدوان، الخوف الزائد، لغة الكراهية المفاجئة)، وعندما تظهر هذه المؤشرات لا نبحث عن «الخطأ»، بل عن الرسالة النفسية وراء السلوك، كما يوضح الاستشاري العرنوس.

مقاربة خاصة للقضية السورية

وتشير الاستشارة إلى أن الأسرة في المجتمع السوري لم تعد مجرد مؤسسة تعليمية، بل أصبحت مساحة تعويض لانعدام الأمن، وخط مقاومة لتطبيع العنف، وجسراً بين الذاكرة الجريحة والمستقبل. لذلك فإن تربية الأطفال على تحليل المحتوى ليست ترفاً ثقافياً، بل ضرورة نفسية وأخلاقية لحماية جيل نشأ في بيئة مشحونة بالاستقطاب والخسائر.

توصيات نفسية

وتختتم المستشارة النفسية والأسرية حديثها لعنب بلدي بمجموعة من التوصيات، منها:

  • ابدأ بنفسك قبل أطفالك: الأسرة لا تستطيع تربية الأبناء على الوعي والتحليل وهم يعيشون في حالة من الإنكار أو الاستقطاب الشديد أو الإرهاق النفسي غير المعالج. إن الاعتراف بالتعب النفسي وطلب الدعم ليس ضعفاً، بل هو شرط أساسي للتربية السليمة.
  • واستبدلوا ثقافة التفاهم بثقافة الوقاية: فالمنع يولد الخوف أو التمرد، والفهم يبني مناعة نفسية داخلية. والمطلوب ليس حماية الأطفال من كافة المحتويات، بل تزويدهم بالأدوات النفسية والعقلية للتعامل معها.
  • اطرح السؤال، وليس الإجابة الجاهزة: الطفل أو المراهق الذي يتعلم كيفية طرح الأسئلة يكون أقل عرضة للتطرف وأكثر قدرة على مقاومة المعلومات المضللة. شجّع على طرح الأسئلة، حتى عندما تكون غير مريحة أو تتعارض مع قناعاتك.
  • فصل المشاعر عن المواقف: من حق الأطفال أن يغضبوا، وأن يحزنوا، وأن يخافوا مما يرون، ولكن من واجب الأسرة أن تعلمهم أن المشاعر لا ينبغي أن تتحول إلى كراهية أو عنف أو تعميمات.
  • تقديم نموذج صحي للتعامل مع الصراع: الطريقة التي يناقش بها الآباء الأخبار والسياسة والاختلافات داخل المنزل هي أقوى درس غير مباشر. إن الاحترام والتحقق والاعتراف بالأخطاء هي أدوات تعليمية صامتة ولكنها فعالة.
  • راقب التأثير النفسي، وليس المحتوى فقط: الخطر لا يكمن دائمًا في نوع المحتوى، بل في تأثيره: القلق المفرط، أو تطبيع العنف، أو الانسحاب الاجتماعي، أو اللغة العدائية. وهذه علامات تدعو إلى الحوار والدعم وليس العقاب.
  • لا تُثقلوا الأطفال بأعباء الصراع الجماعي: الأطفال ليسوا مشاريع سياسية ولا امتدادًا لصراعات الكبار. ومن حقهم أن ينموا نفسياً، بعيداً عن ثقل الاصطفاف والذاكرة الجريحة.
  • لقد أدركوا أن التعليم اليوم هو عمل تعاوني: الأسرة وحدها لا تكفي. المطلوب هو التعاون مع المدرسة والأخصائيين النفسيين والمبادرات الثقافية والإعلامية التي تدعم الوعي النقدي.
  • وتذكروا أن الحياد ليس هو الهدف، بل الإنسانية: ليس الهدف إنتاج جيل “محايد”، بل جيل قادر على الفهم بلا شيطنة، وعلى الاختلاف بلا إلغاء، وعلى التعبير بلا عنف.
  • الرهان على نتائج طويلة الأمد وليست سريعة: إن بناء الوعي النقدي هو عملية تراكمية. كل محادثة صغيرة، كل سؤال، كل لحظة احتواء هي استثمار نفسي طويل الأمد.

#من #منظور #نفسي #اجتماعي #مقاربة #للحالة #السورية. #ما #دور #الأسرة #في #تربية #الأبناء #لتحليل #المحتوى

من منظور نفسي اجتماعي مقاربة للحالة السورية.. ما دور الأسرة في تربية الأبناء لتحليل المحتوى؟

– الدستور نيوز

عالم الأسرة – من منظور نفسي اجتماعي مقاربة للحالة السورية.. ما دور الأسرة في تربية الأبناء لتحليل المحتوى؟

المصدر : www.enabbaladi.net

.