دستور نيوز

عمان – في ظل تغلغل البيروقراطية في مفاصل القطاعين العام والخاص في الأردن، يؤكد الخبراء أن هذه الظاهرة بدأت تهدر الكثير من الفرص المتاحة للاقتصاد الوطني، وخاصة في القطاعات الإنتاجية (الصناعة والزراعة) وقطاعي الاستثمار والتجارة. وهناك أسباب أشار إليها الخبراء ساهمت إلى حد كبير في تضخم حجم البيروقراطية محلياً، منها تركيز المسؤوليات في المستويات الإدارية العليا في القطاع العام على حساب تهميش دور الإداريين الصغار، بالإضافة إلى تأخر معالجة الكثير من القوانين والتشريعات السائدة في المؤسسات الحكومية، وضعف القطاع العام وتقادم أدوات إدارته. ويرى الخبراء أن البيروقراطية من أبرز التحديات التي تواجه الاقتصاد الأردني، فيما يشير هذا المصطلح إلى حالة الترهل الإداري وضعف أداء القطاع العام، والالتزام الحرفي بالأنظمة والنصوص والتردد في اتخاذ القرارات، مشيرين إلى أن مفهومها الحقيقي كان يشير سابقاً إلى الأنظمة والأساليب التي تتبعها المؤسسات الكبرى والحكومات للقيام بأعمالها، إلا أنها تغيرت بسوء استخدامها. واتفق الخبراء الاقتصاديون في تصريحات لـ«الدستور نيوز» على أن مستوى البيروقراطية في الأردن تزايد بشكل كبير ومقلق في السنوات الأخيرة، وأصبحت متجذرة بشكل يصعب التغلب عليه سريعاً، مشيرين إلى أن انتشارها لا يقتصر على القطاع العام، بل امتد إلى القطاع الخاص أيضاً. ودعا الخبراء إلى أهمية تسريع إنجاز مشروع الحكومة الرقمية والتحول إلى رقمنة الخدمات والإجراءات الحكومية، بالإضافة إلى ضرورة تغيير النموذج الإداري المطبق محلياً نحو نماذج إدارية تشاركية حديثة. كما أكد أهمية تسريع خطوات العمل في خطة تحديث القطاع العام، بالإضافة إلى رفع مستوى العاملين في القطاع الحكومي من خلال إشراكهم في دورات تدريبية تواكب تطور بيئات العمل العالمية، بالإضافة إلى أهمية تطبيق أعلى معايير الكفاءة في اكتساب الموظفين في القطاع الحكومي. والجدير بالذكر أن الحكومة أطلقت رؤية لتحديث القطاع العام في عام 2022، والتي تهدف بحسب الحكومة إلى بناء قطاع عام متمكن يعيد التألق والتميز للإدارة العامة، بالإضافة إلى تحسين الخدمات المقدمة للمواطنين ورفع كفاءة الإدارة العامة. وقال قاسم الحموري أستاذ الاقتصاد في جامعة اليرموك: “لقد ارتفع مستوى البيروقراطية في الأردن بشكل كبير ومقلق في السنوات الأخيرة، وأصبحت الآن من الظواهر السلبية التي تعيق الاقتصاد الوطني”، مؤكداً أن جذورها المحلية تجعل من الصعب القضاء عليها والتغلب عليها بسهولة. وأضاف الحموري أن “انتشار البيروقراطية محلياً يعود بشكل رئيسي إلى ترهل القطاع العام وتقادم أدوات إدارته وتركيز المسؤوليات في المستويات الإدارية العليا، ما يجعل الموظفين في المستويات الإدارية الوسطى والدنيا مهووسين بالمسؤولية والخوف منها، والتردد في اتخاذ القرارات، وانتظار الحصول على موافقة الإدارة العليا”. وأكد الحموري أن قطاعات الاستثمار والصناعة والتجارة هي الأكثر تأثراً بالبيروقراطية من القطاعات الاقتصادية الأخرى، حيث يواجه المستثمرون دائماً الوقت الطويل المطلوب لإتمام الإجراءات اللازمة لبدء استثماراتهم، الأمر الذي يدفع بعضهم في كثير من الأحيان إلى تغيير قرارهم الاستثماري في الأردن، بالإضافة إلى مواجهة القطاعات الصناعية والتجارية للبيروقراطية في إنجاز معاملاتها الخدمية (شهادات المنشأ، تراخيص مزاولة الأنشطة) المقدمة من الدوائر الحكومية والبلدية، فضلاً عن مواجهة هذين القطاعين لهيئات تنظيمية وإشرافية متعددة ومعايير وشروط مختلفة بينهما (المواصفات والمقاييس، الغذاء والدواء، الصحة البلدية، وغيرها). وللتغلب على البيروقراطية والحد من انتشارها محلياً وحماية القطاعات الاقتصادية من التأثر بها، دعا الحموري إلى ضرورة الإسراع في تطبيق الحكومة الرقمية، بالإضافة إلى التوسع في برامج أتمتة ورقمنة الخدمات، بالإضافة إلى رفع مستوى مهارات الموظفين، فضلاً عن تفعيل آليات الرقابة والتقييم داخل المؤسسات والدوائر المختلفة. يذكر أن إجمالي الخدمات التي قامت الحكومة برقمنتها حتى نهاية النصف الأول من العام الجاري بلغ نحو 1273 خدمة، تشكل ما نسبته 53% من إجمالي الخدمات الحكومية، حيث تنفذ الحكومة برنامج التحول الرقمي الذي يهدف إلى تحويل الخدمات الحكومية إلى خدمات رقمية بالكامل بحلول نهاية عام 2025. من جانبه، أكد الخبير الاقتصادي مفلح عقل أن البيروقراطية تسببت في إهدار العديد من الفرص المتاحة للاقتصاد الأردني خلال السنوات الماضية، وخاصة في قطاع الاستثمار الذي أصبح الأكثر معاناة بسبب هذه الظاهرة. وأوضح أن كفاءة القطاعات الإنتاجية (الصناعة والزراعة) ضعفت أيضاً بسبب هدر العديد من الفرص المتاحة نتيجة اصطدامها بجدار البيروقراطية. وتابع عقل “إن تهميش دور الإداريين الصغار في القطاع العام والتأخر في معالجة العديد من القوانين والتشريعات السائدة في المؤسسات الحكومية ساهم بشكل لا لبس فيه في تعميق ظاهرة البيروقراطية”. وأشار عقل إلى أن انتشار البيروقراطية محلياً لم يعد يقتصر على القطاع العام بل شمل القطاع الخاص بشكل واضح، ما يؤكد أن الخلل امتد إلى منظومة الإدارة على المستوى الوطني. ولمعالجة ظاهرة البيروقراطية في المملكة، أكد عقل على أهمية رفع مستوى العاملين في القطاع الحكومي من خلال إشراكهم في دورات تدريبية تواكب تطور بيئة العمل العالمية، بالإضافة إلى ضرورة تغيير النموذج الإداري المطبق محلياً نحو نماذج إدارية تشاركية حديثة، بالإضافة إلى أهمية التحول الكامل إلى رقمنة الخدمات واستغلال توفر البنية التحتية الجيدة في قطاع الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات في الأردن. كما اعتبر الخبير الاقتصادي زيان زوانه أن مدى سيطرة البيروقراطية على أداء القطاع العام من أبرز المعوقات التي تواجه الاقتصاد الوطني وتقدمه، مؤكداً أن انتشارها أثر سلباً على نمو الاقتصاد الوطني وتحسين مؤشراته، مؤكداً أن الإصلاح السياسي والاقتصادي لا يمكن أن يتحقق إلا بإصلاح الإدارة العامة والقضاء على كافة أشكال البيروقراطية بشكل كامل، وهو مظهر من مظاهر الترهل الإداري. وقال زوانة إن مستوى الإدارة العامة في الأردن كان نموذجاً في المنطقة ولعب دوراً مهماً في نهضة الاقتصاد الوطني خلال العقود السابقة، إلا أنه في السنوات الأخيرة تعرض للتهميش والتراجع، ما أدى إلى نمو واضح في البيروقراطية (العدو الحقيقي لاقتصاد أي دولة)”، مشيراً إلى أن البيروقراطية تؤثر أيضاً على قدرة القطاعات الاقتصادية المختلفة على ممارسة أنشطتها الاقتصادية، بالإضافة إلى رغبة المستثمرين في الاستثمار في هذا البلد من عدمه. ودعا زوانة إلى أهمية تنفيذ مجموعة من الحلول الممكنة لمواجهة ظاهرة البيروقراطية، وهي تسريع خطوات العمل في خطة تحديث القطاع العام، بالإضافة إلى أهمية تطبيق أعلى معايير الكفاءة في اختيار الموظفين في القطاع الحكومي، إلى جانب التحول الكامل إلى رقمنة الخدمات والإجراءات الحكومية.
البيروقراطية المتضخمة تهدد بإهدار المزيد من الفرص الاقتصادية
– الدستور نيوز