دستور نيوز

عمان – شهدت صناعة السينما الأردنية تحولات متعددة ومتنوعة منذ بداياتها في القرن العشرين، فلم تولد السينما الأردنية اليوم، بل شهدت فترات من الإنتاج الفردي وحركة سينمائية نشطة، وخاصة في الستينيات والسبعينيات. ويشار إلى أن الأردن شهد خلال فترة ليست بالبعيدة حضوراً قوياً لدور السينما وانتشارها على نطاق واسع في عدة مدن، حيث أصبحت جزءاً أساسياً من الحركة الثقافية والاجتماعية. وقد تابع المخرج عبد الهادي الركاب هذه الحقبة في الفيلم الوثائقي “على حافة النسيان” ومدته 51 دقيقة؛ حيث تتبع تاريخ دور السينما، بدءاً من تأسيسها الأول، حتى خلت من الحضور، مروراً بسنوات ازدهارها وتقلباتها. وقد بدأت نشأة دور السينما في الأردن مع بداية القرن العشرين، مع بداية تأسيس إمارة شرق الأردن في عشرينيات القرن الماضي؛ حيث أسس أول دار سينما السوري أبو صياح القباني، باستخدام كوخ من الصفيح في شارع البتراء. كانت تعرف في ذلك الوقت باسم “سينما أبو صياح” وتتسع لألف مشاهد، وكان أبو صياح يعلن عن عروضه بطريقة بدائية باستخدام الأبواق والطبول. بدأت السينما في الأردن بخطوات متواضعة، لكنها كانت مؤثرة في تشكيل الثقافة السينمائية في البلاد، وشهد شهر يوليو 1925 أول عرض سينمائي، تلا ذلك بناء أول سينما صامتة عام 1929. إلا أن الحدث الأبرز كان افتتاح سينما البتراء عام 1934، وهي أول سينما تعرض أفلامًا ناطقة في عمان، مما أحدث نقلة نوعية في الصناعة. واستمرت حركة بناء دور السينما بوتيرة متسارعة؛ افتتحت سينما الإمارات عام 1943، وسينما الفردوس عام 1946، وتبعتها سينما دنيا وسينما زهران عام 1948. ومع بداية الخمسينيات، شهدت عمان افتتاح دور سينما جديدة مثل سينما الأردن وسينما بسمان عام 1951، وسينما الحمراء عام 1955، وسينما عمان عام 1957. وفي شمال الأردن، شهدت مدينة إربد افتتاح أول سينما عام 1946 تحت مسمى سينما البتراء، وتوسعت هذه الحركة في إربد لتشمل ست دور سينما بحلول عام 1977. وبحلول عام 1980، كان الأردن يضم نحو 70 دار سينما تجارية. وعلى صعيد الإنتاج السينمائي، خطت الأردن خطواتها الأولى في هذا المجال في الخمسينيات مع تأسيس شركات واستوديوهات إنتاج مثل “ستوديو الشرق” و”شركة أفلام الأردن”. وفي ستينيات القرن العشرين، أنتج أول فيلم روائي أردني وهو “صراع في جرش”، وتبعه العديد من الأفلام الأخرى التي ساهمت في إثراء المشهد السينمائي الأردني، وفي مراحل لاحقة، وخاصة في سبعينيات وثمانينيات القرن العشرين، ظهرت أفلام روائية ووثائقية مهمة، وتأسس نادي السينما عام 1979، الذي ساهم في نشر الوعي السينمائي بين الشباب الأردني. ومع تطور الصناعة، شهدت فترة التسعينيات إنشاء دور سينما تجارية في أحياء مختلفة من عمان مثل جاليريا وبلازا وفيلادلفيا، مما عزز انتشار الثقافة السينمائية في المجتمع الأردني. ودخلت السينما مرحلة متقدمة في دور السينما، حيث كانت “سينما البتراء” أول من قدم برنامج حواري عام 1934، تلتها “سينما الإمارات” التي افتتحت في شارع الملك حسين، ثم ظهرت صالات أكثر فخامة مثل “سينما الفردوس” و”سينما الفيومي” التي أصبحت فيما بعد “سينما الخيام”. يقدم فيلم “على حافة النسيان” شهادات حية من النقاد مثل ناجح حسن والمخرج والناقد عدنان مدانات عن هذا التاريخ، بالإضافة إلى شهادات من العاملين في دور السينما الذين أشرفوا على العروض. ويسلط الفيلم الضوء على طفرة الإقبال على السينما وانتشارها إلى مدن ومحافظات أخرى. ففي الزرقاء ظهرت أول صالة سينما قبل الأربعينيات، تلتها صالات أخرى مثل “سينما الحمراء” و”سينما النصر”. وفي إربد تأسست أول صالة سينما في الأربعينيات، تلتها صالات مثل “سينما الفردوس” و”سينما الزهراء”. كما شهدت محافظات مثل السلط ومادبا والعقبة وغيرها ظهور دور سينما جديدة، مما جعل السينما جزءًا من الحياة اليومية للعديد من الناس في مناطق مختلفة من الأردن. وقال مخرج فيلم “على حافة النسيان” عبد الهادي الركاب لـ”الدستور نيوز”: “أردت أن أسلط الضوء على تاريخ دور السينما في الأردن، التي كانت في السابق مركزاً حيوياً للترفيه والثقافة، ثم تحولت إلى ذكرى باهتة. واستلهمت فكرة الفيلم من قصص تلك الأماكن التي كانت مليئة بالحياة والابتسامات، لكنها الآن تقف وحيدة خالية من الوجود، وكأنها تنتظر من يلتفت إليها لإحياء ذكرياتها”. وأضاف: “يتتبع الفيلم تطور السينما منذ بداياتها الأولى في عشرينيات القرن الماضي، مروراً بفترات ازدهار شهدت إقبالاً كبيراً، حتى وصلنا إلى مرحلة بدأت فيها السينما تفقد بريقها مع ظهور وسائل أخرى للترفيه. وأردت من خلال هذا الفيلم الوثائقي أن أستعيد تلك الذاكرة الجماعية للأردنيين، وأطرح تساؤلات حول ما أدى إلى تراجع هذه الصناعة القديمة. وعلى حافة النسيان ليس مجرد توثيق لحقبة مضت، بل دعوة للتفكير في كيفية استعادة السينما لمكانتها في مجتمعنا اليوم”. وكان الركابي قد بدأ فيلمه بفيلم قصير حمل نفس الفكرة وعرض في مسابقة الأفلام القصيرة لقناة الجزيرة الوثائقية وهي الجهة المنتجة لهذا الفيلم الوثائقي، وقرر حينها التوسع بفيلم روائي طويل، باحثاً عن معلومات وأرشيف وجده غير متوفر فعلياً سواء في المكتبة الوطنية أو وزارة الثقافة، ما دفعه للبحث عن شخصيات تحدثت عن تلك الحقبة ليدرجها في فيلمه. بداية التراجع شهدت نهاية الثمانينيات نهضة كبيرة في مجال دور السينما في الأردن؛ حيث أقيمت صالات فخمة مثل “كونكورد” و”أوبرا”، لكن هذه النهضة لم تدم طويلاً، فمع ظهور أجهزة الفيديو المنزلية في التسعينيات بدأت دور السينما تفقد جمهورها تدريجياً، وتحول الكثير منها إلى مشاريع غير مربحة، ومع ظهور التكنولوجيا الجديدة والإنترنت في بداية الألفية الثالثة زادت المنافسة، مما أدى إلى إغلاق العديد من دور السينما. ورغم عودة السينما في منتصف العقد الأول من الألفية الثانية مع ظهور مراكز التسوق، إلا أن هذه العودة لم تكن كافية لاستعادة بريق السينما القديمة، ومع ظهور منصات العرض الحديثة تواجه دور السينما اليوم تحدياً كبيراً في البقاء قادرة على المنافسة، مع التطور التكنولوجي وظهور منصات العرض الرقمية.
رحلة السينما الأردنية بين الإزدهار والتطور
– الدستور نيوز