دستور نيوز

بعد 7 أشهر من الحرب الوحشية المدمرة على غزة وتدمير وسائل الحياة، سبقها حصار شامل استمر 17 عاما، وبعد اعتقال 8500 ومقتل 650 فلسطينيا في الضفة الغربية خلال 7 أشهر، بعد نشر أكثر من 600 مستعمرة في الأراضي الفلسطينية، وبعد الشعور المتزايد بالمأساة الإنسانية للفلسطينيين في غزة وطنيا وعربيا ودوليا، يبرز سؤال قد يبدو ساذجا: ماذا تريد إسرائيل؟ أضف إعلاناً لا نقصد هنا أهداف الحرب التي وضعها نتنياهو وفشل في تحقيقها، ولخصها بالأسرى، واقتلاع حماس، والسيطرة الكاملة على غزة. بل المقصود مجمل التصرفات والعمليات الإسرائيلية بتفاصيلها، بدءاً من احتلال الجزء الأكبر منها. فمن فلسطين عام 1948، مروراً بكل الفظائع التي ارتكبتها، وانتهاءً بمحاولات تهويد القدس والهجوم على رفح، ماذا تريد إسرائيل؟ هل تريد السلام؟ هل تريد التعايش مع الفلسطينيين؟ هل تريد السلام والأمان؟ هل تريد حسن الجوار مع دول الجوار؟ هل تريد الاندماج في المنطقة؟ هل تريد أن تقتنع بما يتناوله القانون الدولي والإنساني؟ هل تريدون الالتزام بقرارات الشرعية الدولية؟ هل تريدون الانسحاب من الأراضي العربية التي احتلتموها، ومن لبنان، ومزارع شبعا، ومن الجولان السوري، ومن 80% من أراضي فلسطين؟ ومن الذي سيطرت على مياهه وأمواله وعلاقاته؟ هل تريد أن تبدأ صفحة جديدة مثل بقية العالم، تقوم على المساواة والعدالة والإنسانية؟ هل التزمت باتفاقيات أوسلو مع الفلسطينيين واتفاق باريس وغيرها؟ كل هذه الأسئلة نجيب عليها بكلمة واحدة “لا” و”لا” كبيرة جدًا. وفي المقابل ماذا يريد الفلسطينيون؟؟ الجواب المباشر البسيط: إنهم يريدون دولة مستقلة على 22% من أرض فلسطين التاريخية، وطنهم، وعاصمتها القدس الشرقية. لكن إسرائيل ترفض ذلك بكل الوسائل والإجراءات التي تتخذها دون توقف. لكن الإعلام الإسرائيلي، في حربه النفسية، استطاع أن يجعل بعض الفلسطينيين والعرب يطرحون السؤال: إلى متى ستستمر المقاومة المسلحة؟ يقولون هل نخسر أكثر مما خسرنا حتى اليوم؟ 35 ألف شهيد، هل سنقدم أكثر مما قدمنا؟ هذا السؤال ليس جديدا، بل هو سؤال تاريخي على المستوى العالمي: “متى تتوقف المقاومة الوطنية في أي دولة عن أعمالها، وتضع سلاحها، وتقبل بما يريده العدو المحتل؟” هل هناك حد أعلى للضحايا لا يجوز تجاوزه؟ من يقرر ذلك؟ العلم لا يقدم إجابة، لكن تجارب الأمم في إطار الوطنية الصادقة والعقلانية هي التي تنير الطريق وتقدم الجواب. وفي الحرب الاستعمارية الأمريكية على فيتنام، فقد الفيتناميون 2.5 مليون فيتنامي من الرجال والنساء والأطفال. هل تستحق الأمة الفيتنامية التضحية بـ 2.5 مليون فيتنامي بريء من أجل تحريرها؟ وفي حرب تحرير الجزائر خسر الجزائريون مليون جزائري. هل الموضوع يستحق هذا الرقم؟ ثورة ماوماو التي قتلت خلالها بريطانيا 11 ألف كيني، وقتلت ألمانيا 75 ألف ناميبيا، وقتلت أمريكا مليون شخص في العراق، وقتلت إسرائيل أكثر من 150 ألف فلسطيني حتى الآن. لا أحد يدافع عن استمرار القتل والدمار، لكن للأسف لا تحرير دون دفع ثمن باهظ من دماء المواطنين الأبرياء. المحتل الاستعماري وحشي بطبيعته، غير راضٍ أو راضٍ عما اكتسبه خلال فترة الاحتلال السابقة، لكنه يريد استمرار الاحتلال والتنكيل بالسكان الأصليين إلى حد الإبادة. ماذا يعني القانون اليهودي للدولة؟ ألا يعني هذا أن كل من ليس يهودياً ليس مواطناً؟ وهذا ما تفعله إسرائيل بحق 7 ملايين فلسطيني. هل هناك مبادرة واحدة تشير إلى حسن النية تجاه إسرائيل؟ ماذا يعني أن يهاجم المستوطنون، بحماية الجيش والشرطة الإسرائيليين، قوافل الإغاثة التي يرسلها الأردن إلى الأبرياء في غزة؟ ماذا تعني مصادرة الأراضي الفلسطينية في كل أنحاء الضفة الغربية؟ فهل توقف أي من هذا ولو لمدة شهر واحد؟ إن كل الكتابات والتصريحات والإجراءات العلنية والخفية التي تقوم بها إسرائيل تؤكد حقيقة دامغة وهي أن “الاحتلال الصهيوني يريد القضاء على الفلسطينيين والسيطرة الكاملة على كامل الأرض الفلسطينية وتهديد كل تفاصيل الوجود الفلسطيني في كامل الأرض الفلسطينية”. إقليم.” وهذا يعني أن المقاومة يجب أن تستمر ويجب أن تعمل، ولكن على مسارات متعددة، منها المقاومة المسلحة، ومنها الدبلوماسية، ومنها إقناع العالم بعدالة القضية، ومنها قبل كل شيء إنهاء الانقسام، بعد محاولات المصالحة. ووصلت المصالحة إلى موسكو وبكين. ويجب ألا تقع الفصائل الفلسطينية في الفخ الإسرائيلي. فإسرائيل تريد تصدير كل الفلسطينيين إلى خارج فلسطين، أي تهجيرهم بالكامل لتصبح القضية الفلسطينية قضية عربية، لا علاقة لإسرائيل بها. ويجب ألا تتأثر الفصائل الفلسطينية بآلام القتل والدمار. لا بديل لحرب التحرير ولا حل آخر، رغم آلامها والخسائر الفادحة التي ترافقها. ومن يتأمل إصرار إسرائيل على القتل والتدمير بهذه الوحشية يدرك أن أحد أهدافها تقسيم المجتمع الفلسطيني وابتعاده عن المقاومة بسبب ارتفاع تكلفة التحرير. وهنا ينتصر المحتل الاستعماري في المعركة. وفي النهاية، تريد إسرائيل أن تحقق مشروعها الاستعماري العنصري مع إسرائيل على كامل التراب الفلسطيني ومن دون فلسطينيين، أي تهجيرهم أو قتلهم. ويريد الفلسطينيون تحرير وطنهم وإقامة دولتهم المستقلة على 22% من مساحة وطنهم التاريخية. والسؤال هو: من سيتنازل: المحتل الاستعماري؟ أم أصحاب الأرض؟
ماذا تريد إسرائيل وماذا يريد الفلسطينيون؟
– الدستور نيوز