دستور نيوز

وكما كان الحال في الماضي، كان الموقع الجغرافي ميزة أساسية للأردن، استثمرها عبر التاريخ في فرص ساهمت في تعاقب الحضارات وتراكم التاريخ في هذا البلد. وقد أشارت العديد من الدراسات الأنثروبولوجية والأثرية إلى أصالة هذا البلد، ومركزيته في هذا العالم، وعراقة الحضارة فيه. وتتحول هذه الميزة إلى تحدي يجب التعامل معه بمبادئ السياسة الواقعية وتقريب الزوايا بحذر، فمنذ سقوط فلسطين تحت الاحتلال الصهيوني، والأردن يواجه هذا التحدي وفي قلب منطقة لم تشهد استقرارا منذ قيام الدولة الأردنية الحديثة التي أعاقت ولا تزال تعيق العديد من عمليات التنمية والتحول الديمقراطي. أضف إعلانا. واجهت الدولة الأردنية منذ نشأتها الكثير من تحديات الجغرافيا، فاستطاعت بالمكر والتفاعل الواعي والصمود أن تعبر الأردن عبر العديد من الأخطار والمنعطفات الخطيرة، رغم الظروف والأزمات التي ألمت بها، و نجحنا في الحفاظ على أمن الوطن واستقرار شعبه، ولأن التحديات الأمنية أصبحت أمراً روتينياً بالنسبة لنا في الأردن، نحاول اليوم قراءة أهم هذه التحديات وتقديم نظرة ثاقبة لآليات مواجهتها منها… أولاً: التهريب، مع فقدان النظام في سوريا السيطرة على جزء كبير من أراضيه، وحاجته الماسة لمصادر التمويل وسيطرة الفصائل والميليشيات الإيرانية على الجنوب. ونشطت هذه الفصائل التي تعتمد على تهريب المخدرات لتمويل أنشطتها. واستمرت هذه الميليشيات في تهريب المخدرات إلى الأردن، حتى وجدت ردا أردنيا قويا من قواتنا الباسلة في حرس الحدود، التي تصدت لهذه المحاولات ببسالة الجندي الأردني. ودعا هذا الأمر رئيس الأركان الأردني إلى تغيير قواعد الاشتباك على الحدود الشمالية والشرقية مع استمرار محاولات التهريب بشكل مكثف. سياسيا، احترم الأردن سيادة سوريا على أراضيه واستمر في مخاطبة نظامه لوضع حد لمحاولات الميليشيات الإرهابية اختراق حدود الأردن. لكن لم يصل أي رد من الجانب السوري، فتوجه وزير الخارجية الأردني لمخاطبة وزير الخارجية الإيراني وحذره من استمرار محاولات اختراق الحدود بالقوة من هذه الميليشيات الإرهابية. وفي تفسير سياسي، يعكس أن الأردن على علم تام بمن يتورط في قضية تهريب المخدرات، ثم رد الأردن بتدمير معاقل هذه الميليشيات واغتيال عدد من قادتها. ولا يزال الأردن يشن حربه على المخدرات نيابة عن العالم، حيث تشير بعض التقارير إلى أن شبكة التهريب تعمل على تهريب المخدرات المنتشرة من سوريا إلى الأردن إلى الدول العربية المجاورة وحتى إلى مناطق مختلفة من العالم، بحسب ما نشر. بحسب بعض المصادر الأمريكية والأوروبية. ثانياً: المشروع الصهيوني الكبير. وفي عام 1948، عندما اجتمع أول مجلس تشريعي في إسرائيل، كانت إحدى مهام هذا المجلس الموافقة على دستور دولتهم المزعومة، لكن هذا لم يحدث، وما زالت إسرائيل تعمل حتى يومنا هذا دون دستور، و وذلك بسبب عدم رغبة المشروع الصهيوني. أن يحددوا ويرسموا حدود دولتهم بشكل واضح لأن المشروع الصهيوني يقوم على فكرة التوسع المستمر، وهذا بالتأكيد يشمل الأردن، وهذا ببساطة يوضح الأطماع الصهيونية في أرضنا. واليوم، ومع صعود اليمين الصهيوني المتطرف وشن حرب شاملة على قطاع غزة المحاصر، يتصاعد خطر تهجير سكان الضفة الغربية. إلى الأردن، ومساعي إسرائيل المتواصلة لتصفية القضية الفلسطينية على حساب الأردن. الرد الأردني كان مبكراً من قبل وزير الخارجية الدكتور أيمن الصفدي، والذي يمكن أن نلخصه بالقول “إن أي محاولة نزوح نحو الأراضي الأردنية هي بمثابة إعلان حرب”. ثالثاً: المشروع الإيراني.. منذ بداية الحرب على غزة، سعت بعض التنظيمات المسلحة التابعة لإيران في العراق إلى التظاهر على الحدود الأردنية، مطالبين الأردن بفتح حدوده أمامهم لمحاربة إسرائيل، في خطوة مسعى واضح لتهديد الأمن في الأردن، وأن الأردن هدف واضح لهم، وهذا ما تأكد بعد إصرار إيراني على الرد. إن قصف القنصلية الإيرانية في دمشق فوق الأجواء الأردنية هو محاولة لتوريط الأردن والعبث بأمنه. ويستمر هذا الجهد دون توقف، حيث تحاول إيران رفع شعار القضية الفلسطينية مثل قميص عثمان، واستغلال ما يحدث في فلسطين لتهديد استقرارنا وأمننا. ولا يمكن إغفال المشروع التركي الذي بدأ يستخدم أدواته الإعلامية لمهاجمة الأردن سواء بشكل مباشر أو غير مباشر. وفي خضم هذه المشاريع والتهديدات والتحديات المتلاحقة، يقف الأردن صامدا وعنيدا أكثر من أي وقت مضى. وفي ضوء ذلك أرى أنه يجب علينا اليوم تعزيز جبهتنا الداخلية والعمل على رفع مستوى الوعي بالتحديات التي تواجهها بلادنا من خلال زيادة الشفافية والانفتاح على المجتمع وسد الفجوة بين الإعلام الرسمي والإعلام المواطن، ولا أرى مجالاً لذلك. ولا شك أن الشعب الأردني يقف دائماً مع المصالح الإستراتيجية العليا لبلاده ولا يدخر جهداً ليكون جزءاً من حلم أردننا الذي نريده. علينا في الأحزاب الوطنية اليوم أن نتخذ مواقف سياسية حاسمة تراعي فقط مصالح شعبنا ووطننا ونضع الأردن أولا وثانيا وأخيرا في مركز الاهتمام ولا نغامر بدخول الأردن من أجل الشعبوية والمشاعر الفارغة. إن المعركة التي يخوضها الأردن على كافة الأصعدة هي معركة وجودية، ولا تتطلب منا التنازل عن مكاسب ضيقة وآنية أو العبث بوحدتنا الوطنية الراسخة من أجل مخاطبة مشاعر الناس وعواطفهم.
الأردن والمنطقة الملتهبة: قراءة في تحدي الجغرافيا…
– الدستور نيوز